نجاح محمد علي: القاعدة الإسرائيلية ليست"سبقاً صحفياً"بل كشفٌ متأخر منذ2003
في وقتٍ تعيش فيه المنطقة مخاضاً عسيراً، وتتقاطع فيه خرائط النفوذ فوق الجغرافيا في العراق خصوصا، تبرز إلى السطح تساؤلات حارقة حول "السيادة" وما يدور في غرف العمليات السرية خلف الكواليس.
ولم يعد المشهد العراقي مجرد صراع على السلطة، بل تحول إلى "صراع إرادات" إقليمي ودولي، خاصة مع تواتر التقارير الغربية التي تتحدث عن اختراقات أمنية وقواعد استخبارية تتجاوز المألوف.
في هذا الحوار الخاص، نستضيف في "إيجبتك" الكاتب والمحلل السياسي العراقي الأبرز نجاح محمد علي، للإجابة على الأسئلة المثارة، والمعلومات المسربة حول التغلغل الصهيوني في العمق العراقي.
ونبحث من خلاله في دلالات التوقيت والمكان لما كشفته الصحافة الأمريكية مؤخراً، كما نعرج على المشهد السياسي الداخلي، لنسلط الضوء على حكومة علي الزيدي والظروف المعقدة التي أنتجتها، محاولين استشراف مستقبل التوازنات بين "الإطار" والشارع، وبين طهران وواشنطن، في ظل بيئة سياسية عراقية شديدة الهشاشة وقابلة للانفجار.
الوجود الصهيوني في العراق منذ 2003

السؤال الأول: ما حقيقة القاعدة العسكرية الصهيونية في العراق؟ وهل هي جزء من مشروع تطبيع أمني أوسع؟
ما كشفته صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية بشأن وجود "قاعدة عسكرية صهيونية" سرية في غرب الأنبار لا يمكن التعامل معه بوصفه كـ “سبق صحفي” أو معلومة صحفية ، فهو ــ في تقديري ــ جزء من عملية تدرج مدروسة لتطبيع الرأي العام العراقي والعربي مع فكرة الوجود الصهيوني الأمني والعسكري داخل العراق.
لأن الحقيقة التي يعرفها كثير من المتابعين للشأن العراقي أن الوجود الاستخباري الصهيوني في العراق ليس جديداً، لأنه يعود إلى السنوات الأولى بعد الاحتلال الأمريكي عام 2003، عندما فتحت الولايات المتحدة أبواب العراق أمام شبكات النفوذ الأجنبية، ومنها النفوذ الصهيوني، سواء بشكل مباشر أو عبر شركات أمنية ومؤسسات أجنبية ومنظمات وواجهات اقتصادية واستخبارية.
نقل مخطوطات نادرة إلى إسرائيل
بل إن واحدة من أكثر القضايا التي جرى الحديث عنها بعد سقوط نظام صدام حسين كانت قضية نقل أرشيفات ومخطوطات يهودية عراقية نادرة، بينها النسخة التوراتية الأقدم ومخطوطات باللغة الآرامية.
حيث نُقلت تلك المواد إلى الولايات المتحدة ومنها ما انتهى لاحقاً إلى الكيان الصهيوني، وسط اعتراضات عراقية واسعة آنذاك، واعتبر كثيرون أن ما جرى كان جزءاً من إعادة تشكيل الهوية الثقافية والأمنية للعراق بعد الاحتلال.
لذلك فإن الحديث اليوم عن قاعدة صهيونية في غرب الأنبار ليس اكتشافاً لوجود جديد، إنه كشف متأخر عن جزء من بنية أمنية واستخبارية قائمة منذ سنوات، كانت تعمل بصمت بعيداً عن الإعلام.
المشكلة أن بعض الأطراف داخل العراق يحاول التقليل من أهمية هذه المعلومات أو اختزالها في إطار “قوة مجهولة” أو “تحركات غامضة” في بعض الصحارى العراقية، بينما القضية أعمق بكثير.
فالحديث هنا لا يتعلق بمجموعة صغيرة أو نشاط محدود، بل بقاعدة يُعتقد أنها تقع ضمن المثلث الحدودي العراقي ــ السوري ــ الأردني، في واحدة من أهم المناطق الاستراتيجية في المنطقة.
إعادة تشكيل التوازنات في المنطقة
هذه المنطقة تمثل عقدة جغرافية وأمنية بالغة الحساسية بالنسبة للمشروع الأمريكي ــ الصهيوني في المنطقة، لأنها تشكل نقطة مراقبة وتحكم بخطوط الإمداد الممتدة من إيران إلى العراق فسوريا ولبنان.
ومن هنا نفهم لماذا يرتبط الحديث عن هذه القاعدة بمراقبة إيران والفصائل المسلحة العراقية وقوى المقاومة، وليس فقط بملاحقة تنظيمات إرهابية كما كان يروّج سابقاً.
القاعدة ــ بحسب ما يتم تداوله في الأوساط السياسية والأمنية ــ ليست فقط مركز مراقبة، إنها جزء من مشروع أوسع لإعادة تشكيل التوازنات في المنطقة، خصوصاً بعد التطورات التي شهدتها سوريا بعد سقوط بشار الأسد ، ومحاولات إعادة رسم خرائط النفوذ في العراق وسوريا والمنطقة الحدودية.
كما أن هناك معطيات سياسية وإعلامية ربطت هذا المشروع بسيناريوهات جرى تداولها خلال السنوات الماضية حول إضعاف “الحاكمية الراهنة” في العراق، وإعادة بناء توازنات جديدة تعتمد على تحالفات إقليمية وقوى محلية وإثنية، ضمن مشاريع كان يُفترض أن تتقاطع مع ملفات حساسة مثل “حماية الأكراد” وتوسيع النفوذ الكردي الإقليمي.
وفي هذا السياق، جرى الحديث مؤخراً عن أفكار طُرحت سابقاً تتعلق بتشكيل قوات مسلحة من معارضين إيرانيين أكراد تنطلق من شمال العراق باتجاه الحدود الإيرانية، بدعم إقليمي ودولي، مع وجود تقاطعات سورية وكردية في بعض مراحل هذه المشاريع.
كما كشف النقاب عن اتصالات رسمية أجراها ترامب مع شخصيات كردية عراقية، وعن محاولات لاستثمار التحولات السورية والإقليمية في إطار مشروع ضغط طويل الأمد على إيران.
منطقة غرب العراق
ومع ذلك، فإن الثابت والمؤكد أن غرب العراق تحوّل خلال السنوات الماضية إلى منطقة اهتمام استخباراتي وعسكري إقليمي ودولي كبير، بسبب موقعه الجغرافي الحساس، وأن الحديث عن وجود صهيوني هناك لم يعد مجرد “نظرية مؤامرة”، بعدما خرجت صحيفة أمريكية معروفة لتكشف بعض تفاصيله بشكل علني.
أما ما يُثار حالياً في بعض وسائل الإعلام العراقية عن "قوة مجهولة الهوية" أو “تحركات غريبة” في صحراء النجف أو غيرها، فهو ــ برأيي ــ يبتعد عن جوهر القضية الأساسية، لأن مركز الثقل الحقيقي لهذا الملف يتعلق بالمنطقة الحدودية الغربية المفتوحة على سوريا والأردن، لا بالمناطق الأخرى التي يجري تداولها إعلامياً.
عموما
التقرير الأمريكي الأخير ينسجم مع وقائع ميدانية سابقة شهدها العراق خلال الأعوام الماضية، منها الضربات الغامضة التي استهدفت مواقع للحشد الشعبي ومخازن سلاح ومقرات لوجستية، والتي كانت أطراف عراقية عديدة تتهم الكيان الصهيوني بالوقوف خلفها، حتى عندما كان الإعلام الغربي يتجنب الاعتراف المباشر بذلك.
الأهمية الاستراتيجية لغرب العراق بالنسبة للكيان الصهيوني لا تتعلق بالعراق نفسه فقط، بل بموقعها ضمن “خط النار” الممتد من إيران إلى سوريا ولبنان. فهذه المنطقة تمنح:
* عمقاً لوجستياً بعيداً عن الرصد.
* نقاط مراقبة لحركة الفصائل.
* إمكانية إطلاق عمليات خاصة أو مسيرات.
* منصات إنذار مبكر لأي تحرك إيراني أو مقاوم.
إن وجود قاعدة صهيونية داخل العراق يعني عملياً أن العراق لم يعد فقط ساحة نفوذ أمريكي، بل أصبح جزءاً من بنية الاشتباك المباشر مع إيران.
حماية القواعد الصهيونية في العراق
الأخطر في ما كشفته الصحيفة ليس وجود القاعدة بحد ذاته، بل الاعتراف بأن الضربات الجوية نُفذت داخل الأراضي العراقية لحمايتها. هذا يعني أن الكيان الصهيوني بات يتعامل مع الجغرافيا العراقية كمساحة عمليات مفتوحة عندما يتعلق الأمر بأمنه القومي وحربه مع إيران.
وفي الحسابات الأمنية الإقليمية، فإن أي تموضع صهيوني داخل العراق يهدف إلى تحقيق أربعة أهداف رئيسية:
* مراقبة إيران استخبارياً.
* قطع خطوط الإمداد بين إيران وسوريا ولبنان.
* اختراق البيئة العراقية أمنياً.
* إنشاء بنية تحتية لحرب طويلة الأمد في المنطقة.
ولذلك فإن ما جرى لا ينبغي النظر إليه كحدث منفصل، بل كجزء من مشروع أوسع لتحويل العراق إلى قاعدة متقدمة في الصراع ضد إيران ومحور المقاومة، مستفيداً من الفوضى السياسية والانقسام الأمني والتداخل الأمريكي داخل العراق.
الرسالة الأهم التي يكشفها هذا التطور هي أن الحرب الاستخبارية في المنطقة تجاوزت مرحلة “النفوذ غير المباشر”، ودخلت مرحلة التمركز الميداني الصريح، حتى داخل دول تعلن رسمياً رفضها لأي وجود صهيوني على أراضيها.
إجماع كبير على حكومة الزيدي
السؤال الثاني: ما رأيك في حكومة علي الزيدي؟
في الحقيقة، من المبكر إصدار حكم نهائي على أي حكومة عراقية قبل أن تبدأ فعلياً بإظهار سياساتها وأدائها العملي، لكن الواضح حتى الآن أن ترشيح علي الزيدي لرئاسة الوزراء جاء نتيجة تقاطع مصالح داخلية وخارجية، أكثر مما جاء نتيجة حالة سياسية غير مستقرة داخل البيت الشيعي أو داخل الإطار التنسيقي نفسه.
لكن هناك ما يشبه الإجماع النسبي على قبول الرجل (رغم أنه ليست له أي خبرة سياسيّة) ، سواء من قوى داخلية أو من أطراف خارجية مؤثرة في الملف العراقي. الولايات المتحدة أبدت ارتياحاً للتكليف، كما أن إيران لم تُظهر اعتراضاً عليه، وهذا بحد ذاته يعكس أن الرجل يُنظر إليه باعتباره شخصية قادرة على الحفاظ على نوع من التوازن في هذه المرحلة الحساسة.
وفي المقابل، بدأت تظهر مبكراً اتهامات وتحليلات متناقضة بشأن قربه من هذا الطرف أو ذاك، فهناك من يتحدث عن علاقات اقتصادية ومالية مرتبطة بإيران بحكم الملفات التي أدارها سابقاً، بينما يرى آخرون أنه يحظى أيضاً بقبول أمريكي لأنه لا يُصنف ضمن الشخصيات الصدامية أو المتشددة.
لكن بعيداً عن هذه السجالات، فإن المشكلة الحقيقية ليست فقط في شخص رئيس الوزراء، بل في البيئة السياسية التي تحكم العراق اليوم.
انقسامات واضحة
الإطار التنسيقي نفسه لا يبدو في أفضل حالاته، وهناك انقسامات واضحة داخله، سواء على مستوى إدارة الدولة أو توزيع النفوذ والمناصب أو شكل العلاقة مع الخارج. ويمكن ملاحظة وجود تيارات متعددة داخل الإطار، لكل منها حساباته وتحالفاته وأولوياته المختلفة، ما يجعل أي رئيس وزراء أمام تحديات معقدة للغاية.
ولهذا فإن نجاح أي حكومة عراقية لن يتوقف فقط على شخصية رئيس الوزراء، بل على قدرتها في إدارة الصراع الداخلي، واحتواء الانقسامات السياسية، ومنع العراق من التحول إلى ساحة صراع إقليمي ودولي مفتوح، خصوصاً في ظل التوتر المتصاعد في المنطقة، والملفات الأمنية الحساسة المرتبطة بإيران وسوريا والوجود الأمريكي والتحركات الصهيونية.