مصادرة أموال الإخوان في الأردن.. قراءة في مسار مواجهة التنظيمات العابرة للحدود
تشهد الساحة الأردنية تطورات لافتة في التعامل مع جماعة الإخوان، إذ اتجهت السلطات مؤخرًا إلى تجميد ومصادرة بعض أموال الجماعة، وتحويل عدد من عناصرها إلى نيابة أمن الدولة، في خطوة تعكس تصاعد القلق الرسمي من خطورة أنشطتها على الاستقرار الداخلي والأمن القومي.
آليات المصادرة المالية
جاء قرار مصادرة الأموال بعد مراجعات أمنية ومالية دقيقة أظهرت وجود شبهات حول استخدام بعض الأصول المالية في أنشطة مشبوهة، منها، تمويل أنشطة غير مشروعة، ووجود ارتباطات مالية بشبكات إقليمية مرتبطة بالتنظيم الدولي للإخوان، ومحاولات استغلال الغطاء الخيري والاقتصادي لإعادة التموضع في الساحة الداخلية.
إحالة بعض العناصر إلى نيابة أمن الدولة تمثل مؤشرًا واضحًا على أن الدولة لم تعد تتعامل مع الجماعة باعتبارها مجرد فاعل سياسي أو اجتماعي، بل باعتبارها تهديدًا أمنيًا منظمًا، خاصة مع وجود تقارير تتحدث عن نشاطات تتصل بالتنظيم الدولي ومشاريع سياسية عابرة للحدود.

تهديد الأمن القومي
كانت الحكومة الأردنية، قد أعلنت بشكل رسمي، حظر جميع أنشطة جماعة الإخوان المنحلة واعتبارها "جمعية غير مشروعة"، في خطوة وُصفت بأنها ضربة قاصمة للتنظيم، وذلك بعد الكشف عن ضلوعها في مخطط تخريبي استهدف أمن المملكة، وتمت إحالة المتهمين إلى محكمة أمن الدولة، بتهم شملت تصنيع صواريخ وحيازة مواد متفجرة وأسلحة نارية ومشروع تصنيع مسيرات، وتجنيد وتدريب عناصر داخل المملكة وإخضاعها للتدريب في الخارج. وتهريب كميات كبيرة من الوثائق، وإتلاف وإحراق مستندات لإخفاء أدلة تُدينها.
وخلال المقاطع المسجلة التي أذاعتها وسائل الإعلام الأردنية اعتراف المتهمين تفصيليا بانتمائهم لجماعة الإخوان، وتلقيهم تدريبات في الساحة اللبنانية، إذ ضم التقرير المصور ثلاثة عناصر رئيسة، بدأت ومخططاتها بعدما طرح عليها محركٌ رئيسي يدعى إبراهيم محمد، فكرة تصنيع الصواريخ في الأردن بشكل غير مشروع، ويعتبر المتهم الرئيس ذاته الذي يحاكم أمام محكمة أمن الدولة في قضية نقل وتخزين نحو 30 كج من مواد (TNT) و(C4) و(SEMTEX-H) شديدة الانفجار، وبين التقرير أن إبراهيم رتّب لعنصرين من خلية تصنيع الأسلحة (عبدالله هشام ومعاذ الغانم) زيارات إلى لبنان كانت تهدف إلى الربط بالمسؤول التنظيمي في بيروت من أجل التخطيط والتدريب على تنفيذ المخطط، بينما أسندت مهمة نقل الأموال من الخارج إلى العنصر الثالث (محسن الغانم).
وأكدت المقاطع المسجلة، أن المعدات والأدوات التي تم ضبطها كان من شأنها أن تنتج 300 صاروخ مماثل للنموذج الذي جرى العمل على تصنيعه والذي يقدر مداه وفقًا للتحليل الفني بين 3 – 5 كلم، ما يعني تشكيله تهديدًا على أهداف داخل الأردن، كما عرض التقرير مشاهد للمواقع التي استخدمت في الأعمال غير المشروعة والأدوات التي استخدمت لغايات تصنيع الصواريخ.
الترابط التنظيمي
من جهتها أبدت السلطات اللبنانية استعدادًا كاملًا للتعاون مع السلطات الأردنية إلى أقصى الحدود، بهدف كشف كل خيوط هذه الخلية، وإحباط أي امتدادات لها داخل الأراضي اللبنانية، سواء من حيث التدريب والدعم اللوجستي أو التقني، أو عبر تسهيلات غير شرعية قد تكون وفرت الغطاء لخطط مشبوهة، أو ربما حول إمكانية التوصل إلى خلايا أخرى مرتبطة لا تزال نائمة في دول عربية أخرى، وأنها تتعامل بجدية مع المعطيات الأولية المتعلقة بالخلية الإرهابية، وتعمل حالياً على دراستها بدقة تمهيداً للتواصل إلى الجهة التي تقف وراء تدريب هذه العناصر.
وقبل الإعلان عن القضية قبضت السلطات الأردنية على القيادي الإخواني خالد الجهني، رئيس حزب "جبهة العمل الإسلامي" في مجلس النواب الأردني، ومن المرجح أن تتجه السلطات الأردنية إلى حظر "حزب جبهة العمل الإسلامي"، بعد اعتراف قيادات الجماعة بتورط عناصرها في مخطط الفوضى، معتبرة أن ما حدث "تصرّفات فردية"، لا سيما أن المادة 36 من قانون الأحزاب في الأردن، تنص على أن الحزب يُحظر في البلاد في حال اشترك أو ساعد بالقيام بأي عمل إرهابي يهدد أمنها.
من الأردن إلى المغرب.. سيناريو متكرر
اختيار الساحة اللبنانية كبيئة للتدريبات المسلحة، يمنح الجماعة غطاء من خلال المعسكرات التابعة لحركة "حماس" أو "حزب الله"، تحت لافتة "دعم القضية الفلسطينية"، خاصة أن ثمة وقائع أخرى معنية بدولة المغرب الشقيقة، وظفت القضية الفلسطينية من أجل التخطيط لمحاولة انقلاب على الملك الحسن الثاني ملك المغرب بعد اتهامه بالكفر، والتخطيط لتأسيس جناح مسلح، وكيان استخباراتياً داعماً للمشروع الإخواني وقادراً على اختراق المؤسسات الأمنية والسيادية في العمق المغربي، والموقعة من المرشد الخامس مصطفى مشهور، بعد مراجعتها، وطالب بنسخها وإرسالها إلى المراقب العام للإخوان في المغرب تحديدًا في بداية عام 1996.

وانتهت "وثيقة التنظيم الدولي"، إلى مطلب قيادات الإخوان في المغرب بتشكيل "لجنة جهادية مسلحة"، معنية بتدريب عناصر الجماعة وقواعدها على السلاح، وضرورة اتصالهم بإخوانهم المسؤولين عن "معسكرات الجهاديين" في كل من أفغانستان والسودان وغزة، وأنهم لديهم تعليمات لتهيئة الساحة الجهادية لهم من أجل التدريب على المواجهة المسلحة وأدواتها.
وجاءت قرارات الداخلية الأردنية في إطار الإنفاذ الفوري لأحكام القانون على جماعة الإخوان، باعتبارها "جمعية غير مشروعة" وفقًا لأحكام القانون، وحظر كافة نشاطاتها "، واعتبار أي نشاط لها عملًا مخالفًا للقانون ويُوجب المساءلة، وتسريع عمل لجنة الحل المكلّفة بمصادرة ممتلكات الجماعة، سواء المنقولة أو غير المنقولة، وفقاً للأحكام القضائية ذات العلاقة، واعتبار الانتساب لجماعة الإخوان المسلمين أمرًا محظورًا، كما يُحظر الترويج لأفكارها، وتحت طائلة المساءلة القانونية، وإغلاق أي مكاتب أو مقار تُستخدم من قبل جماعة الإخوان في كافة أنحاء المملكة، حتى لو كانت بالتشارك مع أية جهات أخرى، وتحت طائلة المساءلة القانونية، ومنع القوى السياسية، ووسائل الإعلام، ومستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، ومؤسسات المجتمع المدني، وأي جهة أخرى من التعامل أو النشر "لما يسمى بجماعة الإخوان وأذرعها.
الإخوان والمشروع الإقليمي
عملت جماعة الإخوان بالأردن على توظيف أزمة "قطاع غزة" في تحقيق مكاسب ذاتية بضغط من "تيار الصقور" المتحكم في مفاصل التنظيم، ومحاولة الجانب الأردني في الأحداث المشتعلة في فلسطين مع خلق فوضى بالبلاد عبر توسيع المظاهرات وخروجها عن السلمية، مع نشر ادعاءات تزيد من أعمال العنف وتمكنهم من الحصول على مزيد من التعاطف الشعبي، ومن ثم إسقاط النظام السياسي والاستيلاء على السلطة، على غرار ما تم في الجانب السوري على يد تيارات السلفية الجهادية، وقبول الفكرة من قبل الإدارة الأمريكية، التي تعتمد على ما يعرف بنظرية "المليشيات الحاكمة" التي لا تمانع في إطارها من اعتلاء الأصوليين والمتطرفين لمقاليد السلطة، مثلما حدث في تجربة "حركة طالبان"، في أفغانستان، وتجربة "هيئة تحرير الشام" في سوريا.
رغم الأهمية الشكلية والسياسية لقرار السلطات الأردنية بحظر جماعة الاخوان، التي تكمن أهميته في تعطيل مشروع الاطاحة بالنظام السياسي في ضوء المتغيرات التي تجري في عمق المنطقة العربية، وخلق وصناعة ماهية الشرق الأوسط الجديد، في مرحلة ما بعد 7أكتوبر 2023، إلا أنه في الوقت ذاته قرار منقوص ومتأخر على مستوى المضمون الدستوري والتشريعي، لا سيما أن ثمة اختلاف كبير بين حظر النشاط وبين التنصيف على قوائم الارهاب، في ظل وضع الجماعة ورموزها كرقم في المعادلة السياسية للحكم، على مدار سنوات طويلة رغم جرائمها في المنطقة العربية، وفي ظل مشاركتهم سياسيًا وحصولهم على أكثر من 30 مقعدًا بالبرلمان. فضلًا عن أن الدولة الأردنية في حاجة إلى بنية تشريعية لمناهضة الكيانات الإرهابية، ومكافحة الإرهاب، خاصة أن الجماعة اتباعها على ممارسة العنف المسلح.

السلطات الأردنية كي تقتلع جذور جماعة الإخوان من الداخل الأردني في حاجة إلى اتخاذ قرارات سياسية ذات تأثير اجتماعي وسياسي لمنع تشكيل الكيانات والاحزاب ذات المرجعية الدينية، أو ذات الصلة الفكرية أو السياسية أو الاقتصادية بمشروع الاسلام السياسي وجماعة الإخوان، في ظل عدم شمولية القرار لمختلف شركاء الجماعة وفروعها السياسية، والتي تحمل نفس الإطار الفكري والأيديولوجي، وإن اختلافات على المستوى الإطار التنظيمي والحركي، في ظل انقسام جماعة الإخوان على ذاتها وتعرضها لحالة من الانشقاقات المتتالية إذ تم تأسيس جمعية "جماعة الإخوان المسلمين" عام 2015 على يد عبد المجيد الذينبات، واستحوذت على الممتلكات الخاصة الجماعة الام، ويترأس مجلس إدارتها حاليا محمد جميل القطاونة، كما تم تأسس "حزب المؤتمر الوطني"(زمزم) 2013، وتم تأسيس "حزب الشراكة والإنقاذ"2017، بقيادة سالم الفلاحات.
وكانت السلطات القضائية الأردنية قررت في 16 يوليو من عام 2020 حل جماعة الإخوان في المملكة "لعدم قيامها بتصويب أوضاعها القانونية"، إلا إن السلطات كانت تغض النظر عن أنشطتها، كما احتفظ الذراع السياسي للجماعة وأبرز أحزاب المعارضة في البلاد، حزب "جبهة العمل الإسلامي"، بوضعه القانوني كحزب سياسي، وشارك في الانتخابات النيابية الأخيرة في سبتمبر من العام الماضي، وحصل على 31 من 138 مقعدًا في مجلس النواب.
فرض حظر على جماعة الإخوان قد تتبعه خطوات اخرى أبرزها امتداد هذا الحظر لحزب "جبهة العمل الإسلامي"، في ظل الحديث عن قرارات بحل البرلمان أو الغاء عضوية نواب الجماعة، وتوزيع نصيبها عن بقية الأحزاب الأخرى وفقًا لتصريحات رئيس البرلمان الأردني، التي أكد فيها على أن مجلس النواب يقف مع كل الخطوات التي أعلنتها وزارة الداخلية من أجل الحفاظ على أمن واستقرار المملكة، والتصدي لأية محاولات عابثة موجهة من الخارج وتسعى لتقويض أمن المملكة خدمة لمشاريع وأجندات مشبوهة.
وقد شهدت العلاقة بين جماعة الإخوان في الأردن والدولة تحولات ملحوظة في الفترة ما بين عام 2013 حتى عام 2025، تراوحت بين التوتر والتقارب، ففي عام 2016 شارك الإخوان بالانتخابات النيابية ضمن "التحالف الوطني للإصلاح"٬ وحصلت على 16 مقعدًا من أصل 130، مما أعادها إلى الساحة السياسية بعد مقاطعة دامت لسنوات، وفي عام 2020 قررت الجماعة الانسحاب من الانتخابات ومقاطعتها، وفي انتخابات 2024، حققت الجماعة فوزاً غير مسبوق، حيث حصلت على 31 مقعدًا من أصل 138.
وفي 2015 طفت على السطح أزمة جديدة بين الجماعة والسلطة، تمثلت في القبض على القيادي زكي بن أرشيد، نائب المراقب العام، بتهمة "تعكير العلاقة مع دولة شقيقة"، وأصدرت محكمة أمن الدولة في فبراير 2015 حكما بسجنه لمدة عام ونصف العام مع الأشغال الشاقة بتهمة "القيام بأعمال من شأنها أن تعرض المملكة لتعكير صلاتها وصفو علاقتها بدولة أجنبية"، إثر هجومه على دولة الإمارات على لتصنيفها جماعةَ الإخوان المسلمين تنظيمًا "إرهابيًا".
وتعمل جماعة الإخوان داخل الدولة الأردنية خلال الأعوام الأخيرة في سرّية، ووفق بيئة تنظيمية مغلقة تعتمد على التعبئة الفكرية والحركية، وقد تمكن "تيار الصقور" من السيطرة على معظم المناصب القيادية في الجماعة، وقد قررت السلطات القضائية الأردنية عام 2020، حل جماعة "الإخوان المسلمين" التي يتزعمها حاليا، مراد العضايلة المراقب العام المحسوب على تيار الصقور والتي تم انتخابه منتصف العام الماضي، ويتبع مباشرة التنظيم الدولي، ويمثل ذراعها السياسي حزب "جبهة العمل الإسلامي" الذي حظى في الانتخابات التشريعية الأخيرة بنحو 31 مقعدًا برلمانيًا، في المجلس المكون من (138) عضوًا، لكنهم أخفقوا بالظفر بأي مواقع قيادية في البرلمان، ويقدر المراقبون استثمارات جمعية المركز الإسلامي التابعة للجماعة "أهم أدواتها الاقتصادية" بنحو مليار دينار أردني، ووفقا لإحدى الوثائق السرية التي كتبها السفير الأمريكي بالمملكة الأردنية، أن حجم التمويلات الإخوانية في الداخل الأردني قدرت بنحو 700 مليون دولار أمريكي، وأنها تمثل مصدرًا قويًا للجماعة وجبهة العمل الإسلامي ومؤسساتها.
وقد تعرضت جماعة الإخوان في الأردن لحالة من الانشقاقات المتتالية إذ تم تأسيس جمعية "جماعة الإخوان المسلمين" عام 2015 على يد عبد المجيد الذينبات، واستحوذت على الممتلكات الخاصة الجماعة الام، ويترأس مجلس إدارتها حاليا محمد جميل القطاونة، كما تم تأسس "حزب المؤتمر الوطني"(زمزم) 2013، ثم تأسيس "حزب الشراكة والإنقاذ"2017، بقيادة سالم الفلاحات.
يشير مؤلف كتاب "الجماعة الحائرة" لمؤلفه محمد أحمد البطاينة، الصادر عن دار عالم الكتب الحديث، العام 2016، والذي قدم قراءةً تحليلية في جذور الصراع بين تيارات جماعة الإخوان المسلمين في الأردن وتحوّلاتها الداخلية التنظيمية والفكرية، أن جماعة الإخوان تحوّلت إلى حركة سياسية بمحتوى ديني احتجاجي أقرب إلى التكفير، وبتشكيلة اجتماعية دعوية تأثيرية، وأنها شهدت حالة من الانقسام والاستقطاب العمودية، والتي تحوّلت إلى عداءٍ سياسي واجتماعي، لدرجة أنّ نوّاب الإخوان المسلمين من التيار المسمى "صقور" لم ينتخبوا عبد اللطيف عربيات لرئاسة مجلس النواب، بل إنّ الانتخابات النيابية عام 1993 شهدت انقسامًا وتحريضًا بين مرشحي الجماعة الواحدة، وتطور هذا الانقسام واتخذ اتجاهاً معقدًا بدخول حركة حماس في المعادلة الإخوانية والسياسية الأردنية.
وتأسست الجماعة في الأردن يوم 19 نوفمبر 1945 وحصلت على ترخيص رسمي من رئاسة الوزراء آنذاك٬ حيث أعلن مجلس الوزراء عام 1946 موافقته على طلب الجماعة تأسيس "جمعية الإخوان المسلمين" بزعامة كل من إسماعيل البلبيسي وعبد اللطيف أبو قورة، وإبراهيم جاموس، وراشد دروزة، وقاسم المصري، واختارت الجماعة محمد عبد الرحمن خليفة مراقباً عاماً لها عام 1953.
عمرو فاروق*
كاتب وباحث في شؤون الجماعات الإرهابية، وقضايا الأمن الإقليمي



