إسبارطة نتنياهو.. كارثة ستدمر الصهيونية وتهدم إسرائيل|تفاصيل
تناول تقرير لصحيفة معاريف الإسرائيلية، كيف أبدى بنيامين نتنياهو هذا الأسبوع قدراً من الصراحة - غير مألوفة - حين حذّر من أن إسرائيل قد تضطر قريباً إلى التحول نحو اقتصاد "اكتفاء ذاتي" وإقامة نموذج "سوبر-إسبارطة" منعزل عن العالم.
وأوضحت الصحيفة إن سياسات حكومة نتنياهو بالفعل تدفع إسرائيل في هذا الاتجاه، وهو ما يفسر الإصرار على استمرار الحرب المفتوحة في غزة بلا أفق لنهايتها.
غير أن هذا التصور يُنذر بكارثة كبرى، إذ يهدد بمحو الميزة النوعية التي مكّنت إسرائيل منذ تأسيسها من حماية نفسها، وفي الوقت ذاته من بناء مجتمع قادر على جذب المهاجرين والمستثمرين، وعلى أن يكون مركزاً للتجارة والثقافة والسياحة.
«إسبارطة نتنياهو ستدمر الصهيونية
وبحسب التقرير، فإن المحطة المقبلة في هذا المسار تتمثل في اجتياح عسكري كامل لمدينة غزة وفرض إدارة عسكرية مباشرة على القطاع، وهو خيار يبدو أنه سيكون طويل الأمد.

وخلال هذه المرحلة، سيموت الأسرى في السجون، ويُقتل الجنود في الكمائن، فيما تضطر إسرائيل إلى تحمل مسؤوليات جسيمة تجاه أكثر من مليوني فلسطيني، تشمل توفير الرعاية الصحية والتعليم والخدمات الأساسية.
وهذه الأعباء ستُضاف إلى تكلفة اقتصادية باهظة وضغط داخلي متصاعد من التيار اليميني الذي يدفع نحو الاستيطان في غزة، إذ سبق أن وعد وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير بإقامة مستوطنة على طول شواطئ القطاع مخصصة لعناصر الشرطة السابقين.
انعكاسات هذا السيناريو ستكون قاسية: عزلة دولية متزايدة، تراجع التصنيف الائتماني، انهيار اقتصادي، وتفكك ما تبقى من التماسك الاجتماعي داخل إسرائيل. المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تدرك هذه المخاطر جيداً، ولذلك فهي تعارض فكرة احتلال غزة بشكل مباشر.
كبار مسؤوليها يرون أن الخيار الأفضل يتمثل في إبرام صفقة لإطلاق سراح الأسرى، مع الاستمرار في الضغط على حركة حماس عبر ربط إعادة إعمار القطاع بتجريده من السلاح، أو السماح لمن يرغب من عناصرها بمغادرة غزة، بانتظار جولة مقبلة من المواجهة لكن من دون ورقة الأسرى.
وفي الوقت ذاته، تستطيع إسرائيل تحسين صورتها أمام العالم، وفتح الباب أمام اتفاق تطبيع محتمل مع السعودية، ثم لاحقاً تسويات مع لبنان وربما مع سورية. لكن كل ذلك يبدو غائباً عن حسابات نتنياهو.

نتنياهو يدرك أن غالبية الإسرائيليين لا يؤيدون رؤيته
نتنياهو يدرك أن غالبية الإسرائيليين لا يؤيدون رؤيته، لكنه يراهن على إمكانية خداع ما يكفي من الناس ليستمروا في تصديق روايته بأن "حماس لم تُهزم بعد"، رغم أنه منذ مطلع عام 2024 أعلن مراراً أن النصر قريب.
ومنذ ذلك الحين، اعتبر كل جولة من جولات القتال – من رفح، إلى السيطرة على ممر فيلادلفيا، إلى إفشال اتفاق تبادل الأسرى في مارس – معركة وجودية.
ومع ذلك، لا تزال إسرائيل تدور في حلقة مفرغة، تدخل وتخرج من المناطق نفسها بلا حسم. الواضح أن هدف نتنياهو هو إبقاء الحرب مستمرة ما دامت تضمن بقاء ائتلافه في السلطة وتؤخر محاكمته.
على عكس قادة سابقين مثل بن جوريون ورابين وشارون وبيجن، الذين منحوا أهمية كبرى للشرعية الداخلية والتحالفات الخارجية، يحصر نتنياهو رهانه على جمهورين اثنين فقط: قاعدته المحلية المتمثلة في اليمين المتطرف والأحزاب الدينية، والولايات المتحدة بقيادة دونالد ترامب، الذي لا يُبدي اهتماماً بمصير إسرائيل بقدر ما يتعامل معها ببراغماتية تخدم أجندته. أما المعارضة، والنخب، والاتحاد الأوروبي، ويهود الشتات، والاقتصاد العالمي، فيعتبرهم نتنياهو أوراقاً يمكن التضحية بها.
السبب في ذلك أن هاجسه الأوحد هو الحفاظ على تماسك ائتلافه الحاكم، ليس في الحاضر فقط بل أيضاً في الانتخابات المقبلة.
هذا الهوس المرضي يفسر حجم الفساد المستشري، والمشهد الذي أثار صدمة واسعة حين ظهر نتنياهو في موقع عملية بالقدس ليهاجم من هناك المحكمة العليا.
استراتيجيته باتت واضحة: تعبئة قاعدته الشعبية، التي أصبحت مسلّحة بفضل بن غفير، ضد المحكمة العليا باعتبارها العائق الأخير أمام التلاعب بنتائج الانتخابات المقبلة. هكذا يُضحّي نتنياهو بمستقبل المجتمع والاقتصاد والدولة برمتها من أجل بقائه السياسي.
"الوهم الاقتصادي" الذي يروّجه نتنياهو
أما "الوهم الاقتصادي" الذي يروّجه نتنياهو حول الاكتفاء الذاتي، فهو ليس أكثر من خدعة. فإسرائيل لا تملك مقومات تحقيق اكتفاء كامل؛ إذ تستورد معظم احتياجاتها من النفط والفحم، ولم تغيّر اكتشافات الغاز الطبيعي من تبعيتها البنيوية لمصادر الطاقة الخارجية.
وفي المجال الغذائي، تبدو الفجوة أوضح: فعلى الرغم من ريادتها في تقنيات الري والزراعة الصحراوية، فإنها لا تملك ما يكفي من الأراضي ولا المناخ لإنتاج القمح أو الأرز أو الأعلاف الحيوانية بكميات كافية، كما تفتقر إلى المعادن والمواد الخام الأساسية التي يقوم عليها قطاع التكنولوجيا الفائقة والصناعة. الحديد والفولاذ والألمنيوم والنحاس والكيماويات ومئات المدخلات الصناعية الأخرى كلها تأتي من الخارج.
بذلك يتضح أن "الأوتاركية" التي يروّج لها نتنياهو ليست سوى وهم اقتصادي مكشوف، وأن التحول نحو "إسبارطة معزولة" سيجعل إسرائيل أكثر ضعفاً وانكشافاً أمام أزماتها الداخلية والخارجية، بدل أن يكون ضمانة لأمنها وبقائها.

