في عالم السياسة، قد تكون المفاوضات صعبة، لكن الأصعب منها بكثير هو التفاوض في ظل انعدام الثقة. هذا هو بالضبط المشهد الذي يحكم العلاقة بين أمريكا وإيران، حيث لا يجلس الطرفان إلى طاولة الحوار باعتبارها مساحة لتبادل الحلول، بل كساحة اختبار للنوايا وقياس للقدرة على المناورة.
هذا التفاوض إذا فشل فسيكون تأثيره كارثيًا على العالم كله هناك طرف واحد يرى أنه لم يحقق أهدافه من هذه الحرب، وهي إسرائيل.
العلاقة بين إيران وأمريكا لم تُبنَ يومًا على أسس مستقرة
العلاقة بين إيران وأمريكا لم تُبنَ يومًا على أسس مستقرة، بل تراكمت فوقها عقود من التوترات، بدءًا من الثورة الإيرانية 1979 مرورًا بالأزمات المتلاحقة، وصولًا إلى الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي 2015، وهو الحدث الذي شكّل نقطة تحول فارقة، أعادت الأمور إلى مربع الشك. وكان خاتمة انعدام الثقة هي المفاوضات التي جرت مرتين، وأثناء المفاوضات تقوم أمريكا بضرب إيران. هذا رسّخ قناعة لدى طهران بأن واشنطن لا تلتزم بتعهداتها، فيما ترى واشنطن أن إيران توظف الاتفاقات كمساحة لالتقاط الأنفاس ثم استئناف سياساتها التوسعية.
في هذا السياق، تتحول المفاوضات إلى عملية معقدة، لا تُدار فقط على طاولة الحوار، بل أيضًا في الكواليس، وعبر الرسائل غير المباشرة، والضغوط المتبادلة. كل خطوة تُحسب بدقة، وكل تصريح يُقرأ بعين الشك، ما يجعل الوصول إلى اتفاق أقرب إلى السير في حقل ألغام سياسي.
المفارقة أن الطرفين، رغم هذا الكم من الريبة، يدركان أن غياب التفاوض ليس خيارًا أفضل. فالتصعيد المفتوح يحمل كلفة باهظة، سواء على مستوى الأمن الإقليمي أو الاقتصاد العالمي. لذلك، تستمر قنوات الاتصال، حتى وإن كانت باردة أو غير مباشرة، لأن البديل ببساطة هو الانفجار.
في ظل هذا الواقع، تظهر أنماط جديدة من التفاوض، يمكن وصفها بـ"التفاوض الحذر". حيث لا يسعى أي طرف إلى تقديم تنازلات كبيرة دفعة واحدة، بل يتم الاعتماد على خطوات صغيرة متبادلة، تهدف إلى بناء حد أدنى من الثقة.
الوسطاء، سواء باكستان ومصر وتركيا والسعودية، هنا يلعبون دورًا حاسمًا، فهم لا ينقلون الرسائل فقط، بل يعملون على تقليل فجوة الشك، وإعادة صياغة المقترحات بطريقة تجعلها مقبولة للطرفين. وفي كثير من الأحيان، تكون هذه الوساطات هي الضامن الوحيد لاستمرار الحوار، خاصة عندما تصل العلاقات المباشرة إلى طريق مسدود.
لكن التحدي الأكبر يظل داخليًا بقدر ما هو خارجي. ففي كل من واشنطن وطهران، توجد تيارات سياسية ترى في التفاوض نوعًا من التنازل، وتضغط باتجاه مواقف أكثر تشددًا. هذا الصراع الداخلي ينعكس على طاولة المفاوضات، حيث يصبح المفاوض مقيدًا بحسابات الداخل، بقدر ما هو منشغل بإقناع الطرف الآخر.
ورغم كل هذه التعقيدات، فإن التاريخ يثبت أن التفاوض في ظل انعدام الثقة ليس مستحيلًا. بل على العكس، كثير من الاتفاقات الكبرى وُلدت في بيئات مشابهة، حيث كان الشك هو القاعدة، والثقة هي الاستثناء. السر يكمن في القدرة على إدارة هذا الشك، وليس القضاء عليه بالكامل.
التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران لم يعد مجرد ملف ثنائي
اللافت أن التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران لم يعد مجرد ملف ثنائي، بل أصبح قضية دولية، تتداخل فيها مصالح قوى كبرى وإقليمية، ما يزيد من تعقيد المشهد، لكنه في الوقت ذاته يخلق فرصًا للضغط باتجاه الحل. فكل طرف يدرك أن أي اتفاق، حتى لو كان محدودًا، قد يفتح الباب أمام استقرار أوسع.
يمكن القول إن التفاوض بين واشنطن وطهران هو نموذج حي لفكرة أن السياسة لا تُبنى على الثقة وحدها، بل على المصالح أيضًا. وحين تتقاطع المصالح، يمكن أن تجد المفاوضات طريقها حتى في أكثر البيئات توترًا. لكن يبقى السؤال: هل تكفي المصالح وحدها لصناعة سلام دائم، أم أن غياب الثقة سيظل قنبلة موقوتة تهدد أي اتفاق محتمل؟
الإجابة لا تزال معلقة، لكنها بالتأكيد تُكتب الآن، على طاولة مفاوضات يجلس حولها خصمان، لا يثقان ببعضهما، لكنهما يدركان أن البديل أسوأ.
وبالطبع لن نغفل الطرح بأن دولة الكيان لا تريد اتفاقًا وتسعى لإفشال المفاوضات. ليس مجرد رأي عابر، بل يعكس قراءة يتبناها قطاع واسع من المراقبين، لكنها تظل قراءة تحتاج إلى تفكيك وفهم أعمق للسياق، بعيدًا عن التعميم أو الاختزال.
في الواقع، الموقف الإسرائيلي من أي تفاوض بين أمريكا وإيران تحكمه عقيدة أمنية راسخة تقوم على رفض تمكين طهران من امتلاك قدرات نووية أو تعزيز نفوذها الإقليمي. ومن هذا المنطلق، تنظر تل أبيب إلى أي اتفاق وتعتبره تهديدًا مؤجلًا بدلًا من كونه حلًا جذريًا، وهو ما يكبل الأمريكان في التفاوض.
على الجانب الآخر، لدى إيران وكلاء في المنطقة أبرزهم حزب الله اللبناني، إذ تصر إيران على شمولهم بالاتفاق، وتعمل أمريكا وإسرائيل على فكرة فصل الجبهات.
المفاوضات في إسلام آباد صعبة لتباين المواقف ووصولها في بعض الموضوعات إلى حد التناقض.
