في لحظات الهدوء تبدو السياسة واضحة، وتبدو التحالفات محددة، ويعرف كل طرف موقعه في خريطة المنطقة.
لكن التاريخ يعلمنا أن هناك لحظات استثنائية تختلط فيها المشاعر بالحسابات السياسية والعسكرية، ويتقدم الضمير الإنساني على لغة المصالح، وما حدث في قطاع غزة هو واحد من تلك اللحظات التي تربك الخرائط السياسية، وتجعل الشعوب تتحدث بلغة القلب قبل لغة السياسة، فلم ينسَ المصريون مشاهد القطاع والجرائم التي ارتُكبت في حق شعبه.
هذه المشاهد المروعة كانت العامل الحاسم والأساسي في الشعور بالهمجية الإسرائيلية ومحاولات فرض سيطرتها من النيل للفرات كما في أدبياتها التي بالطبع لا تلزمنا بها، ولذا كان هناك شعورًا عامًا بالتعاطف مع إيران في الحرب الأخيرة التي شنتها عليها أمريكا وإسرائيل. بالطبع هذا شعور إنساني، ولا يستطيع أحد التحكم فيه أو السيطرة عليه، خاصة أنه رأى مشاهد القتل والظلم، وكان شاهدًا على محاولات التهجير التي أجهضتها مصر.
فالمصري الذي يتعاطف مع غزة لا يفعل ذلك لأنه قرر أن ينضم إلى محور معين، ولا لأنه قرر أن يعادي طرفًا عربيًا آخر، فالمصري يتعاطف لأن هناك مدينة تُقصف، وأحياء تُهدم، وأطفالًا يُنتشلون من تحت الأنقاض. في مثل هذه اللحظات يصبح الانحياز إنسانيًا قبل أن يكون سياسيًا.
ولهذا فإن الضجيج الذي أثير حول تعاطف بعض الأصوات الشعبية لصالح إيران يحتاج إلى قدر كبير من الفهم قبل إصدار الأحكام. فالمصريون لم يتحولوا فجأة إلى مؤيدين لإيران، ولم ينسوا عمقهم العربي، ولم يتخلوا عن علاقاتهم التاريخية مع دول الخليج التي تربطهم بها روابط راسخة من التاريخ والمصالح والثقافة والدم، والشعب الخليجي أيضًا ضد ما تقوم به دولة الكيان في غزة، ولو لم تُقصف عواصمهم لوجدنا نفس الشعور منهم تجاه هذه الحرب الدائرة.
العلاقة بين مصر والخليج لم تُبنَ على عاطفة عابرة، بل على سنوات طويلة من التعاون والمساندة المتبادلة في أصعب اللحظات، ولهذا فإن تصوير المشهد وكأن المصريين يقفون اليوم ضد الخليج هو قراءة سطحية لا تعكس حقيقة ما يدور في وجدان الناس.
لكن في المقابل، لا يمكن أيضًا مطالبة الشعوب بأن تغض الطرف عما يحدث في غزة، فالمشاهد التي خرجت من القطاع منذ بدء العمليات العسكرية التي شنها الكيان لم تكن مجرد أخبار عابرة، بل كانت صورًا موجعة لمدن تُدمر، وعائلات تُفجع، وأطفال يفقدون حياتهم تحت القصف.
هذه المشاهد أعادت القضية الفلسطينية إلى قلب الوعي العربي من جديد. ففلسطين بالنسبة للمصريين ليست مجرد ملف سياسي بعيد، بل جزء من الذاكرة الوطنية الممتدة منذ عقود طويلة. المصريون الذين خاضوا حروبًا كبرى دفاعًا عن الأرض والكرامة منذ حرب عام ألف وتسعمائة وثمانية وأربعين، مرورًا بنكسة عام ألف وتسعمائة وسبعة وستين، ثم الانتصار وعودة الكرامة في حرب أكتوبر عام ألف وتسعمائة وثلاثة وسبعين، لا يستطيعون النظر إلى ما يحدث في غزة وكأنه خبر من خارج التاريخ.
الدولة المصرية وسياساتها دائمًا مع وحدة الصف العربي، ولا تنسَ مبادرة الرئيس عبدالفتاح السيسي في ٢٠١٥ بإنشاء قوة عربية مشتركة، ولم ينتبه لها العرب، ورغم ذلك تبذل الدولة المصرية جهدها لوقف الحرب، وكانت واضحة منذ البداية، وعلى لسان الرئيس السيسي ووزير الخارجية، في رفض العدوان على أي دولة عربية، بل ودعم ومساندة الخليج.
غزة بالنسبة لنا ليست مجرد مكان على الخريطة، بل قصة طويلة من الألم والصمود. ولهذا فإن صور الدمار التي تخرج من هناك تتحول بسرعة إلى موجة غضب إنساني عارم في الشارع، ليس المصري وحسب بل العربي والإسلامي، وأخيرًا امتد الغضب ليشمل بعض المدن الغربية.
لكنها طبيعة الشعب المصري الذي يرفض الظلم والهمجية والابتزاز الذي تمارسه سلطة الاحتلال في المنطقة، وهذا التعاطف أيضًا مع شعب الخليج الذي تعرض لانتهاك سيادة أرضه.
وفي خضم هذا الغضب يظهر أحيانًا تقدير عاطفي لأي صوت يعلن رفضه لما يحدث، وحين تصدر مواقف حادة ضد العمليات العسكرية الإسرائيلية من دول أو قوى إقليمية، فإن بعض الناس قد يرون في ذلك موقفًا يستحق التقدير في تلك اللحظة، لكن هذا التقدير العابر لا يعني بالضرورة قبول كل سياسات تلك الدول أو الاتفاق معها في رؤيتها للمنطقة.
الشعوب في لحظات الألم الكبرى لا تفكر دائمًا بلغة التحالفات، بل بلغة أبسط بكثير، فهناك من يقف مع الضحية ومن يلتزم الصمت، ولذلك فإن التعاطف الذي ظهر في بعض النقاشات الشعبية وعلى مواقع التواصل مع مواقف إيران لا يمكن تفسيره باعتباره تحولًا في الاتجاهات السياسية المصرية، بل باعتباره رد فعل إنسانيًا على مأساة تتكشف كل يوم أمام أعين الملايين، فالشعب المصري ضد الأفعال الإسرائيلية وهمجيتها.
إن ما يحدث في غزة كشف مرة أخرى أن القوة العسكرية قد تفرض واقعًا على الأرض، لكنها لا تستطيع أن تفرض احترامها في ضمير الشعوب، فكلما اتسعت دائرة الدمار، اتسعت معها دائرة الغضب الشعبي في المنطقة، وكلما سقط مزيد من الضحايا، ازدادت القناعة بأن ما يجري لم يعد مجرد مواجهة عسكرية، بل مأساة إنسانية كبرى.
وسط كل هذا يبقى موقف المصريين واضحًا وبسيطًا في الوقت نفسه. هم ليسوا مع إيران في صراعاتها الإقليمية، وليسوا ضد الخليج الذي يمثل عمقًا عربيًا واستراتيجيًا لمصر، لكنهم قبل كل شيء مع الإنسان الفلسطيني الذي يعيش تحت القصف والحصار، ولا تنسَ أنه ما زالت هناك مساعدات وقوافل إنسانية تقف في رفح، تمنع دخولها سلطات الاحتلال.
وهنا تكمن الحقيقة التي يحاول البعض تجاهلها. القضية ليست صراع محاور، بل صرخة ضمير. ليست معركة شعارات، بل مأساة بشرية يعيشها شعب كامل. وحين تسقط القنابل فوق رؤوس المدنيين، يصبح من الطبيعي أن يتحرك الضمير قبل الحسابات السياسية.
لهذا يمكن تلخيص الموقف ببساطة شديدة: لسنا مع إيران ولا ضد الخليج… لكنها غزة.
غزة التي تذكرنا دائمًا بأن السياسة مهما تعقدت تبقى أقل وزنًا من دم طفل، وأن ضمير الشعوب لا يمكن أن تحاصره التحالفات ولا أن تُسكت صوته الحسابات الدبلوماسية. ففي النهاية، حين يتكلم الألم الإنساني، يصمت ضجيج السياسة.