رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

في قلب عاصفة إقليمية تتسارع أحداثها، يجد العرب أنفسهم عالقين بين قوتين متصارعتين، لكل منهما مشروعه وأدواته ونفوذه الممتد. لم يعد الصراع مجرد خلاف سياسي أو عسكري محدود، بل بات صراعًا على شكل المنطقة ومستقبلها، فيما تبدو الدول العربية وكأنها تدفع ثمنًا لا تشارك في صياغة قواعده.

دولة الكيان المدعومة بقوة من امريكا تتحرك وفق استراتيجية واضحة تقوم على تثبيت تفوقها العسكري والتكنولوجي، وضمان بيئة إقليمية آمنة تخلو من التهديدات الوجودية. في سبيل ذلك، لا تتردد في توجيه ضربات استباقية، أو توسيع نطاق عملياتها، أو فرض وقائع جديدة على الأرض، خاصة في ملفات شديدة الحساسية مثل غزة وسوريا ولبنان.

في المقابل، تسعى ايران إلى ترسيخ نفوذها الإقليمي عبر شبكة معقدة من الحلفاء والامتدادات داخل عدد من الدول العربية. مشروعها لا يقوم فقط على المواجهة المباشرة، بل يعتمد على إدارة صراع طويل النفس، يهدف إلى خلق توازن ردع مع إسرائيل، وتعزيز حضورها كلاعب رئيسي لا يمكن تجاوزه في معادلات المنطقة.

وبين هذا وذاك، يقف العرب في موقع بالغ الحساسية. فالتقاطع مع إسرائيل يثير غضب الشارع العربي المرتبط تاريخيًا بالقضية الفلسطينية، بينما يثير التمدد الإيراني مخاوف سياسية وأمنية عميقة لدى العديد من الدول التي ترى فيه تهديدًا مباشرًا لسيادتها واستقرارها الداخلي.

المفارقة الصادمة أن كلا الطرفين يطرح نفسه، بشكل أو بآخر، باعتباره ضرورة. إسرائيل تروج لنفسها كحليف أمني في مواجهة التهديدات، فيما تقدم إيران نفسها كقوة مقاومة توازن الهيمنة الغربية. لكن الواقع على الأرض يقول إن العرب، في الحالتين، يتحولون إلى ساحة اختبار، تُدار فوقها الصراعات وتُحسم على حساب استقرارها.

النتيجة المباشرة لهذا الوضع هي حالة من الانقسام العربي، حيث تختلف مواقف الدول وفقًا لحساباتها الخاصة: هناك من يميل إلى التحالف مع الغرب وإسرائيل، وهناك من يقترب – بدرجات متفاوتة – من إيران، بينما تحاول دول أخرى التمسك بخيط رفيع من التوازن، تجنبًا للانزلاق في صراع مفتوح.

لكن أخطر ما في هذا المشهد ليس فقط الانقسام، بل غياب مشروع عربي جامع قادر على فرض معادلة مختلفة. فحين تغيب الرؤية الموحدة، يصبح من السهل على القوى الإقليمية والدولية أن تملأ الفراغ، وتعيد تشكيل المنطقة وفق مصالحها، لا وفق مصالح شعوبها.

اقتصاديًا، تدفع الدول العربية كلفة هذا التوتر عبر تذبذب الاستثمارات، وارتفاع مخاطر الطاقة، وتأثر حركة التجارة، خاصة في الممرات الحيوية. أما اجتماعيًا، فإن حالة الاستقطاب تنعكس على الداخل، فتغذي الانقسامات وتفتح الباب أمام صراعات فرعية قد تكون أكثر خطورة من الصراع الأصلي.

في هذا السياق، يبدو أن التحدي الحقيقي أمام العرب ليس في الاختيار بين إسرائيل أو إيران، بل في الخروج من معادلة الاختيار نفسها. أي بناء قدرة ذاتية تتيح لهم أن يكونوا طرفًا فاعلًا، لا مجرد ساحة نفوذ.

الطريق إلى ذلك ليس سهلًا، لكنه يبدأ بإعادة تعريف الأولويات: تعزيز الأمن القومي العربي، تقوية الاقتصاد، بناء تحالفات متوازنة، والأهم، استعادة الحد الأدنى من التوافق السياسي بين الدول العربية.

لكن المؤكد انه، قد تظل المنطقة لفترة طويلة رهينة هذا الصراع، لكن التاريخ يثبت أن من يملك قراره، يملك مستقبله. أما من يظل عالقًا بين المطرقة والسندان، فلا يملك سوى انتظار الضربة القادمة.

فإذا انتصر المحور الأمريكي الإسرائيلي، فإن أول ما سيحدث هو إعادة رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط بشكل أكثر وضوحًا لصالح الهيمنة الغربية. هذا الانتصار لن يكون عسكريًا فقط، بل سياسيًا أيضًا، حيث ستُفرض معادلات جديدة على دول المنطقة، عنوانها الأبرز: الأمن مقابل التطبيع. ستجد بعض الدول العربية نفسها مضطرة للاندماج أكثر في المنظومة التي تقودها واشنطن، مع توسيع دائرة العلاقات مع إسرائيل، ليس كخيار، بل كضرورة تفرضها موازين القوى.

في هذا السيناريو، ستتراجع أدوار القوى الإقليمية المناوئة، وسيُعاد ضبط الملفات الساخنة مثل لبنان وسوريا والعراق واليمن وفق رؤية أمريكية إسرائيلية، قد تعني استقرارًا أمنيًا ظاهريًا، لكنه يحمل في طياته توترات كامنة نتيجة شعور قطاعات واسعة من الشعوب العربية بالهزيمة أو الإقصاء. كما أن القضية الفلسطينية، التي تمثل وجدانًا عربيًا حيًا، قد تتعرض لمزيد من التهميش، في ظل غياب قوة إقليمية داعمة لها بنفس الزخم السابق.

اقتصاديًا، قد تستفيد بعض الدول العربية من هذا السيناريو عبر شراكات واستثمارات غربية، لكن هذه المكاسب ستكون مشروطة، وقد تعمّق الفجوة بين دول المركز والأطراف، وتزيد من التبعية الاقتصادية بدلًا من تحقيق استقلال حقيقي.

أما إذا انتصرت إيران، فإن المشهد لن يكون أقل تعقيدًا، بل ربما أكثر اضطرابًا. 
انتصار ايران سيعني صعود محور إقليمي جديد يمتد نفوذه عبر عدة عواصم عربية، من بغداد إلى دمشق إلى بيروت. هذا الامتداد قد يمنح طهران أوراق قوة غير مسبوقة، لكنه في الوقت ذاته سيثير مخاوف عميقة لدى عدد من الدول العربية، خاصة تلك التي ترى في المشروع الإيراني تهديدًا لهويتها أو سيادتها.

في هذا السيناريو، قد نشهد تصاعدًا في حدة الاستقطاب الطائفي والسياسي داخل بعض الدول العربية، حيث تتحول الساحات الداخلية إلى مسارح نفوذ متنازع عليها. كما أن العلاقة مع الغرب ستدخل مرحلة توتر، قد تنعكس في صورة عقوبات أو ضغوط اقتصادية تطال المنطقة بأكملها، وليس إيران وحدها.

لكن اللافت أن انتصار إيران قد يمنح دفعة معنوية لقوى المقاومة في المنطقة، ويعيد الاعتبار لفكرة التوازن مع إسرائيل، وهو ما قد يُنظر إليه شعبيًا في بعض الدول العربية باعتباره استعادة لجزء من الكرامة المهدرة، حتى لو جاء ذلك بثمن باهظ من الاستقرار.

في كلا السيناريوهين، الحقيقة المؤلمة أن العرب ليسوا الطرف الحاسم في هذه المعادلة، بل هم ساحة التأثر الأولى. فسواء انتصر هذا الطرف أو ذاك، ستظل المنطقة العربية مطالبة بإعادة تعريف دورها: هل تبقى مجرد ساحة صراع بالوكالة؟ أم تتحول إلى لاعب مستقل يمتلك قراره؟

ربما يكون الدرس الأهم من هذا الصراع المحتمل هو أن الغياب العربي عن معادلات القوة هو الخطر الأكبر، وليس انتصار طرف على آخر. فالقوة في عالم اليوم لا تُمنح، بل تُنتزع، ومن لا يملك أدوات التأثير، يصبح دائمًا في موقع المتلقي للنتائج، مهما كانت قاسية.

قد تختلف رايات المنتصر، لكن الخسارة الحقيقية تظل واحدة إذا لم يمتلك العرب مشروعهم الخاص بمشروع يوازن بين الأمن والسيادة، بين المصالح والكرامة، ويمنع أن تتحول أوطانهم إلى مجرد أوراق على طاولة تفاوض لا يجلسون عليها.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء