التوانسة يزرعون الحياة.. أسباب نجاح التجربة التونسية في عمليات نقل الأعضاء
لم يكن التفوق التونسي في مجال نقل وزراعة الأعضاء وليد الصدفة، بل جاء نتيجة مسار طويل من البناء التشريعي، والتطور الطبي، وترسيخ ثقافة مجتمعية قائمة على التضامن الإنساني ، تجربة متكاملة نجحت في كسر الحواجز التقليدية التي زرعها شيوخ السلفية وكبار اصحاب العمائم ، وتنجح تونس وتتفوق علينا كلنا في مجال زراعة الاعضاء .
تنظيم طب نقل الاعضاء
منذ مطلع التسعينات أدركت تونس ( حكومة وشعب ) أهمية تنظيم طب نقل الاعضاء ، فأصدرت قانوناً رائداً عام 1991، وضع الأسس القانونية والأخلاقية لعمليات نقل الأعضاء ، هذا الإطار التشريعي لم يبق حبراً على ورق، بل ترجم إلى مؤسسات فاعلة، أبرزها المركز الوطني للنهوض بزرع الأعضاء، الذي تولى إدارة المنظومة بالكامل، من تسجيل المتبرعين إلى توزيع الأعضاء، مروراً بالرقابة الصارمة التي أغلقت الباب أمام أي ممارسات غير قانونية، كما ساهم إنشاء قاعدة بيانات وطنية دقيقة في تسريع إنقاذ المرضى، عبر تنظيم قوائم الانتظار وفق معايير طبية شفافة، ما عزز كفاءة النظام وموثوقيته.
النجاح التونسي لم يكن تقنياً فقط، بل مجتمعي وثقافي بالدرجة الأولى ، فقد نجحت تونس في تحويل التبرع بالأعضاء من فكرة مقلقة إلى سلوك تضامني راسخ ، لعب فيه الخطاب الديني المستنير دوراً محورياً ، حيث تم تأكيد مشروعية التبرع باعتباره شكلاً من أشكال "إحياء النفس".
المستشفيات العمومية
إلى جانب ذلك، عززت الثقة في المستشفيات العمومية التي حققت نجاحات متتالية إيمان المواطنين بنزاهة المنظومةالطبية، الى جانب جهود المجتمع المدني، الذي قاد حملات توعية واسعة داخل المدارس والجامعات، جعلت من التبرع موضوعاً طبيعياً في النقاش اليومي.
و على أرض الواقع تم ترجمة هذه المنظومة إلى أرقام وإنجازات ، فقد أصبحت تونس من الدول الرائدة إقليمياً في زراعة الكلى، مع مئات العمليات سنوياً ونسب نجاح تضاهي المعايير العالمية.
كما تمكنت الفرق الطبية من إجراء عمليات دقيقة في زراعة الكبد والقلب، خاصة داخل القطاع العام، مما جعل تونس الشقيقة وجهة علاجية لمرضى من دول مجاورة من بينها بعض الدول الوربية ، وفي مجال زراعة القرنية، اقتربت تونس من تحقيق الاكتفاء الذاتي، بفضل ارتفاع معدلات التبرع التي يقدم عليها التوانسه خاصة من كبار السن .
بطاقة الهوية
لم تخل التجربة التونسية من التحديات، إلا أنها نجحت في التعامل بمرونة ، فقد تم إدراج خيار التبرع ضمن بطاقة الهوية، لتسهيل اتخاذ القرار في اللحظات الحرجة، كما استثمرت الدولة في تأهيل الكوادر الطبية عبر التدريب الخارجي ونقل الخبرات العالمية.
إن ما تحقق في تونس يتجاوز كونه إنجازاً طبياً ، فهو تعبير عن وعي جماعي للمجتمع يرى في الجسد بعد الوفاة فرصة لمنح الحياة للآخرين ، هكذا تشكل النموذج التونسي، في توازن دقيق بين صرامة القانون ونُبل التطوع ، تجربة نتمنى تعميمها في المجتمعات العربية .

