رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

خطاب نتنياهو في الأمم المتحدة: قراءة في مأزق العزلة وفقدان التعاطف الدولي

رئيس الوزراء الإسرائيلي
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو

ألقى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خطابًا أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، كان من المفترض أن يشكل لحظة فارقة في شرح الموقف الإسرائيلي، ومحاولة استعادة الدعم الدولي وسط تصاعد الانتقادات للحرب على غزة. إلا أن الكلمة، بدلًا من أن تعزز صورة إسرائيل دوليًا، كشفت عن عمق العزلة السياسية والأخلاقية التي تواجهها حكومته، وعمّقت الفجوة بين الخطاب الإسرائيلي وواقع المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة.

 

انسحاب الوفود خلال كلمة نتنياهو بالجمعية العامة للأمم المتحدة 
انسحاب الوفود خلال كلمة نتنياهو بالجمعية العامة للأمم المتحدة 

الخطاب الأخلاقي في مواجهة الحقائق الدامية

نتنياهو حاول تصدير صورة إسرائيل كقوة "أخلاقية" تسعى لحماية المدنيين وتفادي استهدافهم، لكنه فشل في إقناع المجتمع الدولي، إذ لا يمكن تجاوز الأرقام الصادمة: آلاف الضحايا من النساء والأطفال، تدمير ممنهج للبنية التحتية المدنية في غزة، ومنع المساعدات الإنسانية من الوصول للمتضررين. لم يقدّم نتنياهو أدلة ملموسة على احترام إسرائيل للقانون الدولي، ما أضعف رسالته وأظهر انفصالًا عن الواقع الذي تنقله يوميًا عدسات الإعلام والمنظمات الحقوقية.

غياب المبادرة السياسية والرؤية المستقبلية

ما ميّز الخطاب بشكل سلبي هو غياب أي طرح سياسي واقعي أو خريطة طريق لما بعد الحرب. لم يأتِ نتنياهو على ذكر حل الدولتين، ولا على حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم، بل تعمّد إقصاء أي جهة فلسطينية شرعية من الحديث عن مستقبل غزة، فيما بدا كرفض لأي شريك سياسي عربي أو فلسطيني. الأسوأ من ذلك، وصفه الاعتراف بالدولة الفلسطينية بأنه "تكريم للإرهاب"، ما أثار غضب دول أوروبية وأمريكية جنوبية، وزاد من مشاعر الاستياء من الخطاب الإسرائيلي المتشدد.

الرموز والاستفزاز: تعمق الفجوة الأخلاقية

نتنياهو استخدم رموزًا بصرية وتقنية كرموز QR لعرض صور ضحايا من الجانب الإسرائيلي فقط، في تجاهل تام لمعاناة المدنيين في غزة، كما تم بث خطابه داخل غزة عبر مكبرات الصوت، في خطوة فُسرت كاستفزاز غير إنساني لسكان يعانون تحت القصف والدمار. هذه الاختيارات الرمزية لم تُظهر تعاطفًا إنسانيًا، بل أكدت سردية أحادية لا ترى في الفلسطينيين سوى "عدو"، وليس بشرًا لهم حقوقهم ومعاناتهم.

 

العزلة الدولية تتعمق

ردود الفعل على الخطاب كانت واضحة: انسحاب وفود دبلوماسية من القاعة أثناء الكلمة، وغياب أي دعم جديد من دول كبرى، حتى من حلفاء تقليديين لإسرائيل، الدول التي كانت مترددة بشأن الاعتراف بدولة فلسطينية باتت أكثر ميلاً إلى هذه الخطوة، كرد فعل على تصلب الموقف الإسرائيلي ورفضه لأي مسار سياسي واقعي.

كما أن غياب التنسيق المعلن مع شركاء عرب أو إقليميين في الخطاب زاد من الشكوك حول نية إسرائيل التفرد بالقرار وفرض وقائع على الأرض بالقوة، وهو ما يُضعف أي مسار تفاوضي ممكن مستقبلًا.

تصعيد لا يخدم مساعي التهدئة

في وقت يجري فيه الحديث عن جهود تهدئة ومفاوضات لتبادل الأسرى، جاء خطاب نتنياهو تصعيديًا، يخلو من أي نبرة دبلوماسية أو انفتاح على المبادرات، بل بدا وكأنه يوجه الرسالة إلى الداخل الإسرائيلي أكثر من المجتمع الدولي، متجاهلًا أن التحدي الحقيقي اليوم هو استعادة الثقة الخارجية لا فقط كسب الوقت أو الشعبية المحلية.

خطاب في زمن التحولات الدولية

خطاب نتنياهو في الأمم المتحدة لم يكن مجرد موقف سياسي، بل عكس حالة إنكار للواقع الدولي الجديد الذي بدأ يتشكل، هناك مزاج دولي آخذ في التغير، يطالب بحل دائم وعادل، ويزداد فيه التفهم للحقوق الفلسطينية، لا سيما في ظل الصور الإنسانية القاسية من غزة. تجاهل هذه التحولات، والاستخفاف بالمأساة الجارية، لا يعزز موقف إسرائيل، بل يضعها في موقع الدفاع الدائم، ويزيد من عزلتها الأخلاقية والسياسية.

لقد كانت الكلمة فرصة لإعادة التموضع الدبلوماسي، لكنها تحولت إلى عبء سياسي إضافي على إسرائيل. وفي غياب موقف أمريكي حازم لإنهاء الحرب، ستبقى مثل هذه الخطابات المتعنتة حجر عثرة في طريق أي تسوية محتملة، وتزيد من إصرار العالم على البحث عن بدائل واقعية تضع حدًا لدوامة العنف والانغلاق.

دكتور سعيد محمد أبو رحمة

كاتب وباحث فلسطيني- قطاع غزة

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء