رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

مرصد الأزهر يعلق على واقعة كرموز بالإسكندرية: تطرف اليأس أكر عدو للإنسان

ضحايا واقعة كرموز
ضحايا واقعة كرموز

أصدر مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية، بيانًا تناول فيه الحادثة المؤلمة التي شهدتها منطقة كرموز بمحافظة الإسكندرية، مؤكدًا أن ما جرى لم يكن مجرد واقعة عادية، بل مأساة إنسانية قاسية تركت أثرًا بالغًا في نفوس الجميع، لما حملته من مشاهد صادمة وفقدان لأرواح بريئة.

مرصد الأزهر يعلق على واقعة كرموز بالإسكندرية

وقال المركز: أمام الفاجعة التي أدمت القلوب في منطقة كرموز بالإسكندرية، نجد أنفسنا في لحظة ذهول صامت؛ فالحادثة لم تكن مجرد خبر عابر، بل صرخة ألم هزّت وجدان الجميع، فقسوة المشهد وتلاشي أرواح بريئة في لحظة يأس، تفرض علينا وقفة صادقة لا تتوقف عند سرد الوقائع، بل تنبش في جذور تلك النفس البشرية حين تنكسر وتنهزم، وتتساءل: كيف لقلب "الأم" -الذي هو مكمن الرحمة- أن تضيق به السبل حتى يرى في الموت ملاذًا له ولأبنائه؟

واقعة كرموز 
واقعة كرموز 

وأضاف: لم تكن شريعة الإسلام يومًا نصوصًا جامدة، بل جاءت رحمة بالقلوب في لحظات ضعفها، لقد علمنا القرآن الكريم أن الضيق، فقرًا كان أو خوفًا، هو جزء من اختبارات الحياة التي لا نُترك فيها وحدنا، ففي مواجهة هواجس الفقر والعوز، نجد آيات سورة الإسراء تهدأ مخاوف الإنسان من المستقبل: "وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ۚ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا".

وتابع: وحين يشتد الخناق وتضيق النفس بالخوف والمرض، تأتي البشرى للصابرين كطوق نجاة في قوله تعالى: "وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ"، فالقرآن لم يغفل عن أن الاحتياج المادي (الفقر) والاضطراب النفسي (الخوف) هما وجهان لعملة واحدة من الابتلاء.

واستطرد: كما وضع الخالق عز وجل دستورًا لحفظ النفس، محذرًا من أن اليأس، مهما كان مظلمًا لا يبرر التفريط في أمانة الروح، فالله الذي يعلم خفايا الصدور قال: "وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا"، إن هذه الرحمة الإلهية هي الحصن الذي يجب أن نتمسك به، فالنفس غالية عند بارئها، والاعتداء عليها هو اعتداء على الإنسانية جمعاء: "مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا".

ما هو تطرف اليأس؟ 

وأكمل: هذه الواقعة وغيرها تجعلنا أمام نوع من "التطرف الخفي"؛ ليس هو التطرف الفكري العنيف فحسب، بل هو "تطرف اليأس" الذي يُقنع الضحية بأن الموت هو الحل الوحيد للأزمات، هذا الانغلاق النفسي والاجتماعي هو العدو الذي يتسلل في صمت، حين يغيب الدعم النفسي وتنهار جسور التواصل بين الفرد ومحيطه الاجتماعي.

وواصل: مثل هذه المآسي ليست مسؤولية فردية فحسب، بل هي ناقوس خطر يدعونا لترميم شبكات الدعم الأسري والمجتمعي، وتفعيل دور المؤسسات الدينية والتعليمية والاجتماعية، لا للوعظ فحسب، بل للاحتواء وتقديم العون العملي، وهذا ما يحاول الأزهر الشريف عبر هيئاته ومنها بيت الزكاة أن يوفر، بالإضافة إلى ترسيخ ثقافة "طلب المساعدة" فالشعور بالضعف ليس عيبًا، واللجوء للمختصين أو للمحيطين هو قوة وليس هزيمة.

وأوضح أن التكافل الإنساني يتجاوز المفهوم التقليدي للمحتاج، إذ يفرض علينا أن نفتش في وجوه من حولنا، فالفقر الحقيقي قد يكون في "الأمل" وليس فقط في المال، فالكلمة الطيبة والملاحظة اليقظة لجار أو قريب قد تنقذ حياة قبل فوات الأوان. 

وأردف: كما أن بناء مجتمع آمن ومستقر لا يبدأ من القوانين الزاجرة فقط، بل من قلب يشعر بآلام الآخر، ووعي ديني يزرع الرجاء في النفوس المنكسرة، وبيئة تحتضن الضعيف قبل القوي.

واختتم مركز الأزهر للفتوى بيانه، بتوجيه دعوة للجميع قائلًا: "لنكن جميعًا حائط صدٍّ ضد اليأس، ولنجعل من تلك المأساة درسًا في الرحمة والتكاتف، كي لا تتكرر في صمت".

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء