أحمد كريمة: حملات استغفار السوشيال بدعة.. والذكاء الاصطناعي لا يفتي|حوار
تشهد الساحة الدينية في كثير من الأحيان نقاشات متجددة حول عدد من القضايا المرتبطة بالحياة اليومية للمسلمين، سواء ما يتعلق بـسلوكيات الصيام وآدابه، أو بعض العادات والممارسات المنتشرة في المجتمع، إلى جانب قضايا فقهية واجتماعية يثار حولها جدل واسع بين الحين والآخر.
كما ظهرت في السنوات الأخيرة تساؤلات جديدة فرضتها التطورات التكنولوجية وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، مثل حملات الأذكار المتداولة عبر الإنترنت أو فكرة الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في بعض المسائل الدينية، الأمر الذي فتح الباب للنقاش حول حدود استخدام التكنولوجيا في القضايا الشرعية.
وفي هذا السياق، أجرى موقع "إيجبتك" حوارًا خاصًا مع الدكتور أحمد كريمة، أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر الشريف، للحديث عن هذه القضايا وبيان الموقف الشرعي في كل منها.
ما هي الأمور التي تضيع أجر الصيام في رمضان؟
هناك مجموعة من التصرفات التي قد تفسد روح الصيام وتحرم الصائم من ثوابه الكامل، فالصيام لا يقتصر فقط على الامتناع عن الطعام والشراب، بل يشمل أيضًا ضبط السلوك والأخلاق.
إن الإنسان مسؤول عن جميع جوارحه وما يصدر عنها من أفعال، قال تعالى: "إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا". (الإسراء: 36)، فالصائم مطالب بالحفاظ على سمعه وبصره وقلبه، والابتعاد عن كل ما قد يوقعه في المعصية؛ لأن تلك التصرفات قد تؤثر على أجر الصيام.
ومن أخطر الأمور التي قد تضيع أجر الصيام إطلاق البصر في المحرمات أو تتبع عورات الآخرين، إضافة إلى الكذب بجميع صوره وأشكاله، فمثل هذه الأفعال تتنافى مع المقصد الحقيقي للصيام الذي يقوم على تهذيب النفس وضبط السلوك.
ومن الأمور التي تقلل من ثواب الصائم كذلك، أكل المال الحرام، إلى جانب الوقوع في الغيبة والنميمة، أو إطلاق الكلام الباطل والبهتان، فضلًا عن التزوير وترك العمل أو التقصير فيه، حيث أن هذه التصرفات تتعارض مع القيم التي يدعو إليها الإسلام.
فبعض الناس قد يصومون عن الطعام والشراب، لكنهم لا يبتعدون عن المعاصي والأخطاء، وهو ما يجعل صيامهم بلا أثر حقيقي، قال صلى الله عليه وسلم: «رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ ، وَرُبَّ قَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ قِيَامِهِ السَّهَرُ»
ما حكم الغيبة والنميمة في رمضان؟
إن انشغال الإنسان بذكر عيوب الآخرين قد يسبب له اضطرابات نفسية، خاصة إذا تحول الأمر إلى حديث دائم مع النفس عن أخطاء الآخرين.
والأفضل للمسلم أن يشغل وقته بذكر الله تعالى بدلاً من الانشغال بالحديث عن الناس أو تتبع أخطائهم، فالإكثار من الذكر وترديد أسماء الله الحسنى يمنح الإنسان راحة نفسية ويعينه على اغتنام أجر الصيام، بدلًا من الوقوع في أخطاء قد تحرمه من ثواب هذا الشهر المبارك.
ما حكم الخيم الرمضانية؟
إن إقامة الخيام الرمضانية يرتبط حكمها بما يحدث داخلها، ففي حال كان بها إسراف أو تبذير في الطعام والإنفاق، فإن ذلك منهي عنه شرعًا، قال تعالى: "وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا".
وفي بعض الأحيان، تتحول الخيام الرمضانية إلى نوع من المباهاة حيث يتم دعوة كبار القوم والوجهاء إليها، وهو أمر لا ينصح به، لذا فإن الأولى في شهر رمضان، هو توجيه الجهد والمال إلى مساعدة المحتاجين وإطعام غير القادرين.
ويعد إطعام الطعام من الأعمال العظيمة في الإسلام، فقد ورد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- حينما سئل عن أفضل الأعمال أنه قال: "الإيمان بالله، قيل ثم أي؟ قال: إطعام الطعام"، مؤكدًا أن المقصود بإطعام الطعام هو تقديمه لمن يحتاج إليه ولا يستطيع توفيره.
وهناك بعض الولائم التي تقام في الخيام الرمضانية أو في أماكن أخرى مثل البواخر النيلية قد تُستغل أحيانًا لعقد الصفقات أو قضاء المصالح، فمثل هذه الممارسات بعيدة عن روح الصيام ومقاصد شهر رمضان.
وفي النهاية، إقامة الخيام الرمضانية أمر غير محرم في حد ذاته، ولكن الأفضل استثمار هذه الأموال في مساعدة المحتاجين وإطعام الفقراء بما يحقق المقصد الحقيقي من الصدقة في شهر رمضان.
هل حملات الاستغفار على مواقع التواصل بدعة؟
إن الرسائل المتداولة التي تطلب من الأشخاص قول صيغة معينة من الاستغفار أو الذكر عددًا محددًا من المرات ثم إرسالها إلى عدد معين من الناس، لا تستند إلى دليل شرعي صحيح.
فمثل هذه الممارسات لا أصل لها في التشريع الإسلامي، والإنسان مسؤول عن عبادته بنفسه، قال الله تعالى: "بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ".
أما تحديد صيغ معينة من الأذكار بعدد محدد مع إلزام الناس بنشرها بين الآخرين، أمر لم يرد في السنة النبوية، كما أن مثل هذه الممارسات لم تنقل عن الصحابة رضي الله عنهم ولا عن أهل البيت.
هل يجوز للطبيب ترك العمليات لأداء صلاة التراويح؟
إن إحياء ليالي رمضان ينبغي أن يكون وفق الضوابط الشرعية القائمة على الاعتدال والوسطية، فلا يجوز للطبيب أن يترك غرفة العمليات أو المرضى الذين يحتاجون إلى الرعاية الطبية من أجل أداء صلاة التراويح، لأن إنقاذ حياة الإنسان وتقديم الرعاية له مقدم في مثل هذه الحالات.
والأمر نفسه ينطبق على أصحاب المهن التي يحتاج إليها الناس في حياتهم اليومية، مثل العاملين في المخابز والمطاعم وغيرها من الخدمات الأساسية، حيث إن طبيعة عملهم قد تستلزم استمرارهم في أداء مهامهم خلال أوقات الليل في رمضان.
فالإسلام دين وسطية واعتدال، قال الله تعالى في سورة البقرة: «وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا»، وهذه الوسطية يجب أن تظهر في سلوك المسلمين وتصرفاتهم، بعيدًا عن أي مظاهر للتشدد أو المبالغة.
ما حكم اعتكاف المرأة في المسجد؟
لا ينبغي أن تنشغل بعض النساء بالذهاب المتكرر إلى المساجد لأداء الصلوات على حساب واجباتهن تجاه أبنائهن أو بيوتهن، فرعاية الأبناء ومتابعة شؤون الأسرة من الأمور المهمة التي ينبغي عدم إهمالها.
ويمكن للمرأة أن تؤدي صلاتها في بيتها مع الاهتمام بمتابعة أبنائها ورعاية أسرتها، فالعبادة في الإسلام لا تعني الانقطاع عن المسؤوليات اليومية أو التقصير في حقوق الأسرة.
وفيما يخص مسألة الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان، فبعض الفقهاء، ومنهم الإمام أبو حنيفة، يرون أن اعتكاف المرأة يمكن أن يكون في بيتها، خاصة إذا كانت لديها مسؤوليات منزلية تتطلب وجودها مع أسرتها.
فقد جاء عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، أنها قالت: "لَوْ أنَّ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ رَأَى ما أحْدَثَ النِّساءُ لَمَنَعَهُنَّ المَسْجِدَ كما مُنِعَتْ نِساءُ بَنِي إسْرائِيلَ".
ما هي ضوابط إحياء ليالي رمضان؟
إن إحياء ليالي رمضان ينبغي أن يكون وفق الضوابط الشرعية التي تقوم على الاعتدال والوسطية، بعيدًا عن الغلو أو التقصير، فالإسلام دين التوازن الذي يراعي مصالح الإنسان وواجباته المختلفة.
والضابط الأساسي في إحياء ليالي رمضان هو الالتزام بالمنهج الوسطي الذي دعا إليه الإسلام، فهناك بعض المهن التي قد تفرض على أصحابها الاكتفاء بأداء الفرائض فقط في أوقات العمل، نظرًا لطبيعة مسؤولياتهم التي تتعلق بخدمة الناس وإنقاذ حياتهم.
فعلى سبيل المثال، الطبيب الذي يعمل في المستشفى، لا يجوز له أن يترك غرفة العمليات أو المرضى الذين يحتاجون إلى الرعاية الطبية من أجل أداء صلاة التراويح، لأن إنقاذ حياة الإنسان وتقديم الرعاية له مقدم في مثل هذه الحالات، وبالتالي، يمكنه أداء صلاة العشاء ثم متابعة عمله، حيث أن الصلاة يمكن قضاؤها في وقت لاحق.
والأمر نفسه ينطبق على أصحاب المهن التي يحتاج إليها الناس في حياتهم اليومية، مثل العاملين في المخابز والمطاعم وغيرها من الخدمات الأساسية، حيث إن طبيعة عملهم قد تستلزم استمرارهم في أداء مهامهم خلال أوقات الليل في رمضان.
هل مشاهدة المسلسلات الرمضانية تبطل الصيام؟
إن وقت الصيام الممتد من طلوع الفجر الصادق وحتى غروب الشمس كاملًا، يعد وقتًا شريفًا ينبغي استثماره فيما يعود بالنفع على المسلم، والأولى بالمسلم في هذه الساعات أن ينشغل بأداء العبادات مثل تلاوة القرآن الكريم، والإكثار من الأذكار والأدعية الشرعية، إضافة إلى السعي في طلب الرزق والعمل.
الترفيه عن النفس في حد ذاته ليس أمرًا مرفوضًا، ولكن هناك قاعدة تضبط ذلك وهي: "حسنه حسن وقبيحه قبيح"، فمشاهدة الأعمال الفنية خلال نهار رمضان، قد تكون غير مناسبة، خاصة إذا تضمنت ما يتعارض مع روح الصيام أو يشتمل على أمور نهى عنها الشرع.
وهناك بعض الأعمال الفنية، سواء كانت أفلامًا أو مسرحيات أو مسلسلات، قد تحتوي على مشاهد أو ألفاظ لا تتوافق مع حرمة الصيام، مثل التبرج أو الأقوال غير اللائقة، فمثل هذه الأمور قد تفرغ الصيام من مضمونه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش".
ما حكم استخدام الذكاء الاصطناعي في الفتوى؟
الذكاء الاصطناعي يمكن الاستفادة منه في العلوم المدنية والعلمية، لكنه لا يصلح للتعامل مع العلوم الشرعية وإصدار الفتاوى.
فمهما بلغ التطور التقني، لا يستطيع فهم مقصود السائل أو إدراك الملابسات الكاملة للسؤال، وهو ما قد يؤدي إلى إصدار فتوى خاطئة.
لذا، دعت الشريعة إلى سؤال أهل العلم، في قوله تعالى: "فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ"، فالعقل البشري سيظل الأقدر على الفهم والتحليل والاستنباط مهما تقدمت الآلات.
كما أن الاعتماد الكامل على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، قد يؤدي إلى إضعاف القدرات الذهنية لدى الإنسان، وخير مثال على ذلك، ما كان يحدث في الماضي، حيث كان بعض التجار الأميين قادرين على إجراء عمليات حسابية معقدة ذهنيًا بسرعة ودقة، بينما أصبح كثير من الطلاب اليوم يعتمدون على الآلات الحاسبة أو الهواتف حتى في أبسط العمليات الحسابية.
فالإفراط في الاعتماد على التكنولوجيا قد يؤدي إلى تراجع المهارات العملية والمهنية، فطلب العلم لا يتحقق بالسهولة التي تتيحها التكنولوجيا الحديثة فقط، بل يحتاج إلى جهد وبذل وتلقي مباشر من العلماء.
الطلاب في السابق كانوا يحرصون على حضور دروس العلماء في المساجد والاستماع إلى كبار القراء، ويبذلون وقتًا وجهدًا كبيرين في التعلم، أما اليوم، فأصبح كثير من الناس يكتفون بالضغط على زر للحصول على الفتوى أو سماع تلاوة القرآن دون تدبر أو فهم عميق.
المؤسسات الدينية مثل الأزهر الشريف ودار الإفتاء المصرية ووزارة الأوقاف المصرية، يقع على عاتقها دور مهم في التوعية بكيفية التعامل مع التكنولوجيا الحديثة، ولكنها لا تتحمل المسؤولية وحدها، بل يجب أن يكون للأسرة دور أساسي في توجيه الأبناء وتعليمهم الاستخدام الصحيح للتقنيات الحديثة.
لذا يجب التعامل مع التكنولوجيا بحكمة، بحيث تستخدم كوسيلة مساعدة دون أن تحل محل الجهد العقلي أو دور العلماء، والأفضل العودة إلى منهج التعلم القائم على الفهم والتدبر وبذل الجهد للوصول إلى المعرفة الصحيحة.
ما حكم التعدد في الإسلام وضابطه؟
التعدد في الإسلام مباح، لكنه ليس سنة ملزمة ولا واجبًا دينيًا كما يروج البعض، والقول بأن التعدد سنة عن النبي قول غير دقيق، فلو كان سنة لازمة لما منع النبي محمد زواج علي بن أبي طالب بامرأة أخرى على فاطمة الزهراء، فهذه الواقعة تدل على أن التعدد ليس أمرًا ملزمًا، بل هو أمر مباح تحكمه ظروف وضوابط.
الأصل في التعدد هو القدرة على تحقيق العدل بين الزوجات، قال الله تعالى: "فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة"، كما أن عددًا من فقهاء المذاهب مثل الشافعية والحنابلة يرون أن من يخشى عدم تحقيق العدل، فعليه الاكتفاء بزوجة واحدة اتقاءً للظلم.
بعض التيارات الدينية حاولت توظيف قضية التعدد لتبرير رغبات شخصية، ويستدلون بأمثلة تاريخية أو روايات غير دقيقة لتشجيع الزواج المتكرر، مثل الحديث عن صغر سن عائشة بنت أبي بكر عند زواجها من النبي، وهو فهم غير صحيح للتاريخ والسيرة.
وبخصوص بعض الروايات المتداولة حول أعمار الشخصيات في السيرة النبوية، فهناك مبالغات وأخطاء في تقدير أعمار بعضهن، مثل ما يقال عن عمر خديجة بنت خويلد عند زواجها من النبي، فهذه المسائل تحتاج إلى مراجعة علمية دقيقة بعيدًا عن التوظيف الدعوي أو الأيديولوجي.
والأولى بالمسلم أن ينشغل بحسن معاملة زوجته والقيام بواجباته الأسرية والإنفاق عليها قبل التفكير في التعدد، فليس هناك حاجة لتركيز بعض الناس على هذه القضية في ظل وجود قضايا اجتماعية واقتصادية وتعليمية أكثر إلحاحًا في المجتمعات الإسلامية.
هناك فهم سطحي لبعض الأحاديث تستخدم للدعوة إلى زيادة عدد المسلمين فقط، حيث أن قوة الأمة لا تقاس بالكثرة العددية وحدها، بل بجودة التعليم والقدرة العلمية والاقتصادية، فنهضة الأمة تتحقق بوجود العلماء والخبراء وأصحاب الكفاءات.
التاريخ الإسلامي شهد ظهور علماء كبار مثل محمد بن موسى الخوارزمي وجابر بن حيان وابن سينا، فهؤلاء هم من صنعوا مجد الحضارة الإسلامية بعلمهم وإنجازاتهم.
العالم الإسلامي اليوم بحاجة إلى تجديد حقيقي في الخطاب الديني يركز على بناء الإنسان والعلم والعمل والإنتاج، بدلًا من الانشغال بقضايا فرعية أو تقديم تفسيرات ضيقة للدين لا تعكس مقاصده الكبرى.
- # الدكتور أحمد كريمة
- # الأمور التي تضيع أجر الصيام في رمضان
- # ما حكم الغيبة والنميمة في رمضان
- # ما حكم الخيم الرمضانية
- # هل حملات الاستغفار على مواقع التواصل بدعة
- # حكم حملات الاستغفار على مواقع التواصل
- # حكم حملات الاستغفار
- # ما حكم اعتكاف المرأة في المسجد
- # ضوابط إحياء ليالي رمضان
- # ما حكم استخدام الذكاء الاصطناعي في الفتوى