تقرير لـ «باستيت»: حرب إيران وإعادة تشكيل معادلة الصراع في أوكرانيا
في لحظات التحول الكبرى في التاريخ، هناك أنواع من الحروب، تتجاوز حدود ساحتها الضيقة، إذ سريعاً ما تتسع دائرة التأثير، وتنتقل من أطراف الصراع، إلى ساحات أخرى بعيدة جغرافيا، لكنها متصلة استراتيجيا، فالنظام الدولى المعاصر يتشكل من خلال شبكات متداخلة من التفاعلات، تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى، ويمكن توصيف الحرب الدائرة حاليا بين "الولايا المتحدة" و"إسرائيل" من جهة، و"إيران" من جهة أخرى، على أنها حرب من هذا النوع، القادر على تغيير هيكل النظام الدولي.
تأتي الحرب على "إيران" في وقت يشهد فيه العالم أزمة الحرب الروسية - الأوكرانية المستمرة، منذ فبراير 2022، والتي تحولت إلى ساحة صراع رئيسي بين "بين "روسيا" و"الغرب"، قدمت خلالها الدول الغربية كافة أشكال الدعم إلى الحليف الأوكراني، وفي المقابل تسعى "روسيا" إلى إعادة التأكيد على دورها كفاعل دولى رئيسي.
في الوقت ذاته يحظى الموقف الروسي من الحرب على"إيران" بأهمية خاصة، نظرا للتقارب بين البلدين، والذي تعزز في سياق الحرب الروسية - الأوكرانية، ليشمل تعاوناً عسكرياً وسياسياً أوسع، جعل من "طهران" حليفاً استراتيجياً بالنسبة لـ"موسكو"، وبالتالي فإن فهم تداعيات الصراع لا يجب أن يتم اختزال تحليل مآلاته داخل "الشرق الأوسط" فحسب، بل يمتد إلى استكشاف انعكاساته المحتملة على مسار الحرب الروسية الأوكرانية، وعن موقف الطرف الروسي من هذه الحرب، وما إذا كان يتجاوز التصريحات والدعم الدبلوماسي؟
* الموقف الرسمي لـ"روسيا" من الحرب ضد "إيران".
اتسم الموقف الرسمي لـ"روسيا" بلغة حادة ضد الهجوم على إيران، لكن في ذات الوقت لم تعلن "موسكو" عن نيتها تقديم دعم مادي إلى "طهران"، حيث وصفت "الخارجية الروسية" هذا الأمر على أنه "عمل من أعمال العدوان المسلح المتعمد والمخطط له مسبقا وغير المبرر، ضد دولة عضواً في "الأمم المتحدة"، واعتبرته انتهاكاً صارخاً لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي" (1).
عقب مقتل المرشد الإيراني "على خامنئي" قام الرئيس الروسي "بوتين" بالاتصال هاتفياً بالرئيس الإيراني "مسعود بزشكيان" واصفاً هذا الحدث على أنه "انتهاك سافر لجميع معايير الأخلاق الإنسانية والقانون الدولي"، وأكد أن "روسيا" ستتذكرخامنئي كرجل دولة بارز، أسهم في تطوير الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، أيضاً أعرب "بوتين" خلال الاتصال عن استعداد بلاده للوساطة الدبلوماسية، من أجل إيقاف الحرب، وحل الصراع (2).
كذلك اتهمت "موسكو" واشنطن و"تل أبيب" بالاختباء وراء البرنامج النووي الإيراني، واستخدامه كذريعة من أجل تفكيك النظام في إيران (3).
مع تولى "مجتبى خامنئي" منصب المرشد الأعلى لإيران، كانت "روسيا" من ضمن الدول القليلة التي هنأت المرشد الجديد، حيث وجه "فلاديمير بوتين" برقية تهنئة، أعرب فيها عن ثقته في أن "مجتبى خامنئي" سيكمل مسيرة والده بـشرف، وأكد على تضامن "روسيا" مع "إيران" ووصفها بأنها شريك موثوق، مشيراً إلى أن تولي هذا المنصب في ظل "الاختبارات القاسية" الراهنة يتطلب شجاعة كبيرة(4).
*مكالمة "عملية وصريحة" بين ترامب وبوتين.
على جانب آخر فإن تطورا كبيرا حدث على ساحة الحرب ضد إيران، ففي التاسع من مارس الجاري، وعلى مدى ساعة، تواصل الرئيسان عبر الهاتف، في مكالمة، وصفها مساعد الرئيس الروسي للشئون الدولية "يوري أوشاكوف" بـ"العملية والصريحة والبناءة" وأنها تضمنت نقاشا حول الوضع في إيران، والمفاوضات الجارية لتسوية الأزمة الأوكرانية.
عرض الرئيس "بوتين" أفكارا ومقترحات، تهدف إلى تحقيق تسوية سياسية دبلوماسية سريعة، للوصول إلى حل، فيما يخص الصراع، خصوصا أن العالم أصبح يشعر بالخطر، وناقش الرئيسان تأثير الأوضاع على سوق النفط، وأزمة فنزويلا.
وأبدى الرئيس الروسي استعداده لمواصلة التنسيق، لإدارة الأزمة الراهنة، عبر قنوات اتصال مفتوحة، من هنا تأتي أهمية مبادرة "ترامب" للاتصال بالرئيس "بوتين" في وقت حساس، برغم أن هذه الجهود قد لا توقف الحرب فورا، لكنها حركت أسعار النفط إلى أقل من 90 دولارا للبرميل، وتحولت الأسواق الأمريكية من تحقيق الخسائر إلى بعض المكاسب، طبقا لما جاء في تقارير صحفية أمريكية.
وكشف تقرير نشرته صحيفة "واشنطن بوست" عن طلب بوتين، أن تتخلى أوكرانيا عن سيطرتها على إقليم دونتيسك شرق البلاد، ما يعكس إصرارا من بوتين على عدم التخلي عن مطالبه السابقة، وكشفت الصحيفة أيضا أنه تم التركيز على الوضع الحالي، والخاص بالحرب ضد إيران، والمفاوضات الثنائية القائمة، بمشاركة ممثلين للولايات المتحدة، في شأن تسوية القضية الأوكرانية.
* تقرير "واشنطن بوست" حول الدعم الاستخباراتي المقدم من جانب "موسكو".
في يوم الجمعة ٦ مارس الجاري، خلال فعالية في "البيت الأبيض" حول الرياضة الجامعية، وجه مراسل "فوكس نيوز" "بيتر دوسي" سؤالاً إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ،حول ما إذا كانت روسيا تقدم دعماً عسكرياً، أو استخباراتياً لإيران، ليقوم ترامب بتوبيخ المراسل، واصفا سؤاله بأنه سخيف، نظراً لتوقيته، خاصة وأن الفعالية كانت مخصصة لمناقشة الرياضة الجامعية، كما يرى "ترامب".
على الرغم من عدم صدور اتهامات رسمية من داخل "البيت الأبيض" لـ"موسكو" حول دعمها لـ"إيران" لكن الوضع الحالي في الحرب يشير إلى غير ذلك.
في هذا السياق نشرت صحيفة "واشنطن بوست" يوم 6 مارس الجاري تقريراً، يشير إلى إمكانية تورط "موسكو" في هذه الحرب، حيث أن الدقة العالية التي اتسمت بها الهجمات الإيرانية، في مهاجمة الأصول العسكرية الأمريكية في المنطقة، خلال الأيام الأخيرة من الحرب، لا يتناسب مع إمكانات طهران الاستخباراتية، إضافة إلى أن الضربات الأمريكية - الإسرائيلية التي بدأت في 28 فبراير الماضي، كانت قد أضعفت من قدرات إيران الاستخباراتية.
ولهذا فإن المعلومات التي تقدمها "موسكو" قد تساعد "طهران" على تعويض هذا النقص، عبر توفير بيانات عن تحركات القوات الأمريكية أو مواقعها.
يربط التقرير بين التدخل الروسي غير المباشر، وبين السياق الجيوسياسي الحالي، حيث أن تورط الولايات المتحدة في هذه الحرب، من شأنه أن يشتت الولايات المتحدة، و"أوروبا"عن الأوضاع في "أوكرانيا"، فضلاً عن استنزاف الموارد العسكرية الأمريكية، نتيجة فتح جبهة الصراع هذه (5).
*التأثير على الموارد العسكرية.
أسهمت التحولات التي شهدتها الصناعات الدفاعية الغربية، منذ انتهاء حقبة "الحرب الباردة" في خلق فجوة بين الطلب على الأسلحة التقليدية، وقدرات الإنتاج العسكري، حيث اتجهت "الولايات المتحدة"، و"أوروبا" إلى تقليص مخزوناتهما من الأسلحة والذخيرة التقليدية، والاتجاه نحو أنظمة تسليح تقوم على التفوق التقني، ظنا منهما أن الحروب القادمة ستكون قصيرة، ويمكن حسمها بهذه الطريقة، وليس من خلال الاستننزاف الكمي للذخيرة.
بيد أن الحرب الروسية - الأوكرانية أظهرت هشاشة هذه المنظومة الدفاعية، فالحرب في "أوكرانيا" تحولت إلى حرب استنزاف، واسعة النطاق، تعتمد بدرجة كبيرة على المدفعية الثقيلة والذخائر التقليدية، وهو ما أدى إلى استهلاك كميات ضخمة من قذائف المدفعية والصواريخ(6).
تشير تقديرات "المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية" إلى أن القوات الأوكرانية، كانت في بعض مراحل الحرب، تطلق آلاف القذائف يوميا، وهو معدل يفوق بكثير القدرة الإنتاجية السنوية للعديد من المصانع العسكرية الغربية، وقد لجأت الدول الأوروبية إلى تعويض ذلك من مخزوناتها الاستراتيجية.
هذا ما دفع الغرب إلى إعادة النظر في النهج ،الذي تبناه طيلة الثلاثة عقود الماضية، لكن تغيير هذا المسار ليس بالأمر اليسير، لكنها عملية معقدة ،تستغرق وقتاً طويلاً، نظراً لما يتطلبه من توسعة لخطوط الإنتاج، وتوفير المواد الخام، وإعادة هيكلة لسلاسل الإمداد الدفاعية (7).
ثم تأتي الحرب ضد "إيران" لتزيد الوضع تعقيداً، فالدول الغربية التي استنزفت جزءا كبيراً من مخزوناتها الاستراتيجية، لا تقوى على تحمل سيناريو مشابه في "طهران"، لاسيما أن الأسلحة التي يتم تزويد "أوكرانيا" بها هي ذاتها المستخدمة في الحرب على "إيران"، خاصة منظومة الدفاع الجوي.
في هذا السياق صرح الرئيس الأوكراني "زيلنسكي" أن صواريخ "باتريوت" الاعتراضية المستخدمة خلال أول ثلاثة أيام من الحرب على "إيران" تفوق تلك الممنوحة لـ"كييف"، منذ ٢٠٢٢.
تعدد الجبهات هذا يضعنا أمام حالة في الأدبيات الاستراتيجية، تعرف بإشكالية "تعدد الجبهات الصناعية"، حين يصبح الإنتاج العسكري عاملاً حاسماً في تحديد أولويات السياسة الخارجية والدفاعية، فعندما تواجه دولة أو تحالف عسكري أكثر من صراع في الوقت ذاته، يصبح من الضروري توزيع الموارد العسكرية المحدودة بين هذه الجبهات، وفقاً للأولويات الاستراتيجية.
في المحصلة يمكن التوصل إلى النتيجة النهائية لهذا الوضع، بالرجوع إلى ما حدثنا عنه "ابن خلدون" قبل ما يقرب من ألف عام في مقدمته: "إن الدولة إذا انتشرت في الأقطار البعيدة، وتعددت ثغورها، انقسمت جنودها على تلك الثغور، فضعفت قوتها في كل ثغر منها"، ففي حال تحولت الحرب الحالية ضد إيران إلى مواجهة عسكرية مطولة، قد تجد الولايات المتحدة - وحلفاؤها - نفسها أمام معادلة صعبة: إما الاستمرار في دعم أوكرانيا بنفس المستوى، أو إعادة توجيه جزء من الذخائر والمعدات العسكرية إلى مسرح العمليات في الشرق الأوسط.
*أزمة الطاقة.
مع اندلاع الحرب على إيران، واستهداف منشآت الطاقة في منطقة الشرق الأوسط من جانب أطراف الصراع، فضلا عن تعطيل الملاحة في مضيق "هرمز" بشكل شبه كلى، قفزت أسعار الطاقة إلى مستويات غير مسبوقة منذ سنوات.
هذا يجعل "روسيا" قادرة على تحقيق إيرادات أكبر من قطاع الطاقة، ما يمنحها القدرة على مواصلة تمويل حربها في "أوكرانيا"، حتى في ظل العقوبات المفروضة عليها من الدول الغربية، من خلال بيع النفط بخصومات أقل، في شرق آسيا لدول مثل"الصين"، و"الهند".
من جهة أخرى إذا استمر الوضع في الشرق الأوسط على ما هو عليه اليوم فإن الدول الأوروبية قد تواجه أزمة حقيقية في إمدادات الطاقة، ينتج عنها ارتفاع في معدلات التضخم، واضطرابات داخل القطاع الصناعي، ومن ثم ارتفاع تكلفة المعيشة، ما يدفعها إلى الانكفاء على وضعها الداخلي، وبالتالي إعادة النظر في التمويل غير المشروط للحرب في أوكرانيا.
كذلك قد تسهم أزمة الطاقة في إعادة إحياء الجدل داخل أوروبا، بشأن التعامل مع الطاقة الروسية، فعلى الرغم من الجهود الأوروبية الرامية إلى تقليص الاعتماد على النفط والغاز الروسيين، فإن ارتفاع الأسعار العالمية قد يدفع بعض الدول إلى التفكير في آليات غير مباشرة، تسمح باستمرار تدفق جزء من هذه الإمدادات، سواء عبر وسطاء أم عبر أسواق بديلة، وإذا حدث ذلك، فقد تستفيد موسكو اقتصادياً وسياسياً من الانقسامات المحتملة داخل المعسكر الغربي.
في هذا السياق يبدو أن الرئيس الروسي"بوتين" واثق من تشتت موقف الدول الأوروربية تجاه مسألة الطاقة الروسية، حيث صرح خلال اجتماع في الكرملين يوم الإثنين 9 مارس الجاري: "إن موسكو مستعدة لتزويد أوروبا بالنفط، والغاز، لكنها تنتظر إشارة من الاتحاد الأوروبي، تفيد باستعداده للتخلى عن المصالح السياسية الآنية"(8).
*ختاماً.
تكشف الحرب ضد"إيران" عن مدى الترابط بين بؤر الصراع في النظام الدولي المعاصر، إذ لم تعد الحروب الكبرى محصورة داخل نطاقها الجغرافي، بل تمتد آثارها لتؤثر في مسارات صراعات أخرى، وعلى رأسها الحرب الروسية - الأوكرانية، فالتصعيد في "الشرق الأوسط" يضيف بعداً جديداً لهذه الحرب من خلال تشتيت اهتمام الولايات المتحدة وحلفائها، وفرض ضغوط إضافية على الموارد العسكرية الغربية في ظل تعدد الجبهات.
في هذا السياق، يبدو الموقف الروسي قائماً على معادلة مزدوجة تجمع بين الدعم السياسي لـ"إيران" وتجنب الانخراط العسكري المباشر في الصراع، فقد حرصت "موسكو" على إدانة الهجمات، وتأكيد تضامنها مع "طهران"، مع ذلك امتنعت "روسيا" إلى جانب "الصين" عن التصويت على قرار "مجلس الأمن"، الذي تم اعتماده يوم الأربعاء الماضي، وكان القرار قد أدان عمليات "إيران" ضد دول "مجلس التعاون الخليجي"، و"الأردن"، حيث وصفه مندوب "روسيا" الدائم لدى "الأمم المتحدة" بأنه"قرار يخلط بين السبب، والنتيجة"
من ناحية أخرى تشير بعض التقديرات إلى احتمال تقديم "روسيا" دعما غير مباشر لـ"إيران"، خاصة في المجال الاستخباراتي.
مع استمرار الحرب وارتفاع أسعار الطاقة، قد تجد "روسيا" نفسها في موقع أكثر قدرة على الصمود اقتصادياً، وتمويل عملياتها العسكرية في "أوكرانيا"، في حين قد تواجه الدول الأوروبية ضغوطاً اقتصادية متزايدة، وبذلك فإن تطورات الحرب في "إيران" قد لا يقتصر تأثيرها على تشكيل توازنات القوة في "الشرق الأوسط".

