رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تقرير لـ «باستيت»: موقف الداخل الأمريكي من الحرب على إيران

إيجبتكِ

مقدمة:

  تصاعد الجدل داخل الولايات المتحدة بشأن جدوى العملية العسكرية التي نفذتها الولايات المتحدة على إيران بمشاركة إسرائيل وتداعياتها، ورغم تأكيد الإدارة الأمريكية أن التحرك يهدف إلى حماية المصالح الأمنية، تكشف استطلاعات الرأي أن المزاج العام في الداخل الأمريكي يتسم بالحذر والانقسام بين مؤيد ومعارض مما أثار حالة من الجدل حول جدوى هذه المغامرة العسكرية والسياسية التي أصر ترامب على خوض غمارها بالتعاون مع تل أبيب والتي قد تطيح بشعبية ترامب مستقبلاً.

وفيما يلي نستعرض مظاهر هذا الانقسام وفقاً لاستطلاعات الرأي العام ومواقف أعضاء الكونجرس ومستشاري ترامب والقادة العسكريين:

موقف الرأي العام وفقاً لاستطلاعات الرأي:

كشفت المؤشرات الأولية لقياس الرأي العام التي أجريت في الأيام الأولى للضربات عن صورة مقلقة للإدارة الأميركية، فبحسب استطلاع رأي أجرته "رويترز/إيبسوس"، فإن واحداً فقط من كل 4 أميركيين (27%) يؤيد الضربات التي أودت بحياة المرشد الإيراني، مقابل 43% يعارضونها، فيما لم يُبدِ 29% موقفاً واضحاً.

ويرى 56% ممن أجري عليهم الاستطلاع أن ترامب يميل أكثر من اللازم إلى استخدام القوة العسكرية، وهي نظرة يتبناها 87% من الديمقراطيين، و60% من المستقلين، وحتى 23% من الجمهوريين.

كما أشار نحو 45% من المشاركين، بينهم 34% من الجمهوريين، إلى أنهم سيكونون أقل ميلاً لتأييد الحرب إذا ارتفعت أسعار الوقود، ورغم أن 55% من الجمهوريين يؤيدون الضربات حالياً، فإن 42% منهم يقولون إن دعمهم سيتراجع إذا أدت الحملة إلى سقوط ضحايا أو جرحى في صفوف القوات الأميركية.

وأُغلق الاستطلاع قبل أن تعلن وزارة الحرب "البنتاجون" سقوط 3 جنود أميركيين وإصابة 5 آخرين بجروح خطيرة منذ بدء تلك الضربات، وهو ما وصفه المرشح الجمهوري السابق للكونجرس كريج سنايدر، بـ"الأمر المأساوي"، لكنه اعتبر أن الجنود وأفراد القوات المسلحة من الطبيعي أن يخاطروا بحياتهم عند خدمة بلادهم.

 كما كشف استطلاع رأي أجرته جامعة كوينيبياك يوم 9 مارس الماضي أن أكثر من نصف الناخبين يعارضون العمل العسكري الأمريكي ضد إيران، وأن 74% يعارضون إرسال قوات برية إلى إيران؛ وتتوقع أغلبية ساحقة أن يستمر الصراع لأشهر أو أكثر.

وتتوافق هذه النتائج مع استطلاعات سريعة أجرتها صحيفة "واشنطن بوست" وشبكة "سي إن إن" بعد وقت قصير من بدء الهجمات المشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، حيث أظهرت أن عدد الأمريكيين الرافضين للعمل العسكري أكبر من عدد المؤيدين له. في المقابل، أظهر استطلاع حديث أجرته شبكة "فوكس نيوز" تقاربا في نسب التأييد والمعارضة، مما يشير إلى انقسام واضح في آراء الأمريكيين بشأن استمرار الحرب.

موقف الكونجرس:

شهد الكونجرس خلافاً كبيراً بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي حول الحرب، حيث أشاد الجمهوريون إلى حد كبير بقرار ترامب، معتبرين أن عمليته العسكرية الحاسمة استهدفت دولة لطالما شكّلت تهديداً للولايات المتحدة وحلفائها. وفي المقابل، حذر الديمقراطيون من أن خطوة ترامب قد تجر البلاد إلى حرب طويلة أخرى في الشرق الأوسط، مع تعريض القوات الأميركية للخطر دون مبرر.

وكان الديمقراطيون، إلى جانب عدد صغير من الجمهوريين في مجلسي النواب والشيوخ، قدعزموا على إجراء تصويت يحدد ما إذا كان ينبغي منع الرئيس من شن حرب على إيران دون موافقة الكونجرس. وبعد الضربات، أصر النواب على أن يعود المشرعون على الفور إلى الكونجرس للتصويت على تلك المسألة. ولكن الكونجرس فشل في ذلك، فرفض مجلس النواب الأمريكي، الخميس الماضي، مشروع قرار يهدف إلى وقف الحرب ضد إيران واشتراط الحصول على تفويض سابق من الكونغرس لشن أي هجمات جديدة. وجاءت نتيجة التصويت بأغلبية 219 صوتا مقابل 212 صوتا، حيث استثمر الجمهوريون أغلبيتهم الضئيلة داخل المجلس لعرقلة المسعى الديمقراطي الرامي إلى تقليص الصلاحيات الحربية للرئيس. ويأتي قرار مجلس النواب ليعزز موقفا مشابها اتخذه مجلس الشيوخ يوم الأربعاء الماضي، حين عرقل بأغلبية 53 صوتا مقابل 47 مشروع قرار عابرا للحزبين، قدَّمه الديمقراطي تيم كاين والجمهوري راند بول، كان يسعى لإلزام الإدارة بوقف العمليات العسكرية ما لم تحظ بتفويض صريح.

وشهدت أروقة المجلس نقاشات حادة، إذ اتهم الجمهوريون الديمقراطيين بدفع مشروع القرار لدوافع سياسية بحتة تتعلق بمعارضة شخص ترامب، محذرين من أن تقييد حركة القائد الأعلى للقوات المسلحة يعرّض الأمريكيين لأخطار متزايدة. بينما دافع مؤيدو القرار عن خطوتهم بوصفها محاولة لاستعادة سلطة الكونجرس الدستورية في إعلان الحروب. 

التضارب بين آراء النخب الجمهورية والديمقراطية حول الحرب:

عبّر عدد من المحللين والخبراء السياسيين من المنتمين للحزبين عن موقفهم إزاء الهجوم على طهران، فمن جانبه اعتبر المحلل السياسي الديمقراطي والموظف السابق في الكونجرس إيريك هام، قرار ترامب "خطوة سيئة للغاية"، قد يجر الولايات المتحدة إلى انخراط عسكري أوسع، وقال: "وهذا تحديداً ما يبدو أننا نشهده الآن". وأكد أن الشعب الأميركي لا يدعم هذه الخطوة، وأظن أنهم سيعبّرون عن موقفهم في صناديق الاقتراع في نوفمبر في انتخاب التجديد النصفي. 

وأكد أن ترامب لديه حسابات خاطئة، فهو يعتقد أنه يستطيع الخروج من إيران بسرعة وإعلان النصر، ويعتقد أن الأمر سيكون بهذه السهولة. فقد يمكن أن يتكرر سيناريو العراق مرة أخرى.

في المقابل، رأى الكاتب الجمهوري جون جيزي، أن ترامب كان لابد أن يتحرك ضد إيران،  فقد تشاور الرئيس الأميركي مع مستشاريه العسكريين وغيرهم، ناهيك عن إسرائيل، "وقرّر أنه لابد من التدخل بعد أن قتل النظام الإيراني 32 ألفاً من شعبه، وبعد أن واصل تهديد الأميركيين، ودعم الجهات السيئة حول العالم. وهناك أيضاً عامل اقتراب إيران من امتلاك سلاح نووي أو رفضها التخلي عن هذا المسار، وكان ذلك بالتأكيد عنصراً أساسياً في قراره، حتى إن لم يذكره صراحة في خطابه".

وأضاف جيزي أن قرار ترمب جاء لاعتبارات عالمية وإنسانية، ولم يتصرف فقط بناء على مصالح الولايات المتحدة وحدها، بل رأى أن التحرك ضد إيران قد يحد من تهديدات النظام الإيراني لدول أخرى، وربما يخفف من معاناة المدنيين المتضررين من سياسات النظام، وليس الهدف فقط الهجوم العسكري أو المكاسب السياسية الأميركية.

ولفت إلى أن ما يحدث في إيران على عكس ما حدث في فنزويلا مع الرئيس نيكولاس مادورو، "الفكرة هنا كانت أنه بإزاحة مادورو قد تسقط كوبا في أي وقت، أما بإزاحة إيران فالتداعيات في الشرق الأوسط، بل وفي دول أخرى، قد تكون زلزالية". من جانبه، رأى الخبير الاستراتيجي في الحزب الجمهوري روبرت أرليت، أن قرار ترامب يعكس عقيدة تقوم على الردع من خلال إظهار القوة.

النخبة العسكرية:

كان القادة العسكريون الكبار  في البنتاجون  قد حذروا من احتمالية نقص الموارد اللازمة لحملة عسكرية مُستدامة. وقال الجنرال المتقاعد من سلاح الجو الأميركي، سيدريك لايتون، إن «التقديرات الاستخبارية تشير إلى قدرة إيران على الرد»، مستدركاً أن «ردها السريع مُفاجئ، ويُشير إلى أنها كانت تستعد لهجوم بهذه الشدة». وأكد أن «لدى إيران ما بين ألفين إلى ثلاثة آلاف صاروخ قادرة على إطلاقها، لكنها لا تمتلك، على الأقل وفقاً للتقديرات الاستخبارية، منصات الإطلاق التي كانت تمتلكها سابقاً».

و صرح السفير الأميركي السابق في إسرائيل، دانيال شابيرو، بأن الولايات المتحدة وإسرائيل تقومان «بمخاطرة كبيرة». وقال: «لا شك في أننا نواجه الآن لحظة محورية، بل ربما تحولية، في الشرق الأوسط»، مؤكداً أن ما أعلنه الرئيس الأميركي «هو في جوهره حرب لتغيير النظام في إيران».

وقام رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين بوضع خيارات محتملة للضربات على مدى أسابيع، وأطلع ترمب عليها عدة مرات قبل ضربات السبت. وشملت هذه الخيارات كل شيء، بدءاً من قصف سريع يستهدف مجموعة مختارة من المواقع النووية، وصولاً إلى حملات جوية واسعة النطاق تهدف إلى تغيير النظام وتدمير الجيش الإيراني.

ومع ذلك، عبّر عن قدر كبير من عدم اليقين في شأن عواقب هذه الخيارات، ومنها التنبؤ بنتيجة عملية تغيير النظام.  في حين عبّر عن قلقه في شأن السلبيات المحتملة لشن عملية عسكرية واسعة النطاق ضد إيران، مُبدياً مخاوفه إزاء حجم هذه المهمة وتعقيدها واحتمال وقوع خسائر بشرية أميركية فيها.

التداعيات الاقتصادية:

أدت الحرب مع إيران إلى تداعيات سلبية واسعة على الاقتصاد الأمريكي، أبرزها ارتفاع أسعار الطاقة والبنزين، تهديد بحدوث ركود تضخمي، وضغوط على الفيدرالي الأمريكي لتجميد خطط خفض الفائدة، خاصة مع تعطل الملاحة في مضيق هرمز. وتساهم هذه التوترات في زيادة المخاطر الجيوسياسية وتقلبات الأسواق المالية، مما يعقد المشهد الاقتصادي والإنتخابي.

ووفقاً لوكالة رويترز، قفزت أسعار النفط لتتجاوز مستويات قياسية (أكثر من 100 دولار للبرميل)، مما انعكس مباشرة على ارتفاع أسعار الوقود (البنزين) للمستهلكين الأمريكيين، وهو ما يغذي التضخم. فقد يدفع طول أمد الحرب واستمرار ارتفاع أسعار الطاقة الاقتصاد الأمريكي نحو "الركود التضخمي"، حيث يجتمع تباطؤ النمو مع زيادة الأسعار، مما يضع ضغوطاً سياسية واقتصادية كبيرة على الإدارة الأمريكية.  ويرى المحللون أن هذا الوضع قد يُصعب من مهمة الفيدرالي، مما قد يضطره لتقليل عدد مرات خفض الفائدة المتوقعة في 2026 أو تثبيتها، وهو ما يزيد من تكاليف الاقتراض على الشركات والأفراد.

وقد أثرت هذه الحرب أيضاً على سوق المال والأعمال،  حيث تشهد أسواق الأسهم الأمريكية، مثل مؤشر "إس آند بي 500"، حالة من عدم اليقين والتقلبات الحادة نتيجة للمخاطر الجيوسياسية، رغم أن البيانات التاريخية تشير إلى احتمالية التعافي على المدى الطويل.

وأدى توقف ناقلات النفط في مضيق هرمز إلى زيادة الاعتماد على النفط الأمريكي، مما رفع أسعار خام الخليج الأمريكي إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2020، في وقت تشهد فيه الاحتياطيات الاستراتيجية الأمريكية ضغوطاً كبيرة.

كل هذه الآثار السلبية ألقت بظلالها على موقف القاعدة الشعبية للرئيس ترامب من الحرب وأظهرت هذه الحرب حجم الانقسام العميق في الداخل الأمريكي بشأن قرار الحرب، خاصة بين مؤيدي ترامب وقاعدته الشعبية وأعضاء حركة اجعلوا أمريكا عظيمة مجددا"، المعروفة بحركة ماجا، الذين رأوا أن ترامب أخل بمبادئ الحركة ووعوده بعدم إقحام الولايات المتحدة في حروب خارجية مرة أخرى كاشفة عن تباين عميق في مواقف أنصارها إزاء قرار إدارة الرئيس دونالد ترامب بضرب إيران. ويعتبر هؤلاء أن الخطوة تتعارض مع شعار "أمريكا أولا"، محذرين من تداعياتها السياسية المحتملة على الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي المقبلة.

ويرى الكثيرون من أنصار ترامب أن شنه حربا واسعة على إيران، إلى جانب إسرائيل، يمثل خيانة لأفكار هذه الحركة، وتظهر استطلاعات الرأي أن هذه الحرب تحظى بدعم شعبي محدود  وأنه إذا استمر القتال لفترة طويلة، فمن المرجح أن تتصاعد التوترات داخل الأطراف المختلفة داخل مظلة الحزب الجمهوري. 

وتشير التحليلات إلى أن تبريرات إدارة ترامب للحرب ضد إيران ضاعفت من حدة التوترات داخل حركة ماجا المؤيد حيث قوبلت تفسيرات الإدارة للحرب باستياء واسع بين مؤيدي الرئيس الذين يعتقدون أن البلاد يجب أن تركز على القضايا الداخلية.

ولذلك نصح مستشارو البيت الأبيض ومسؤولو حملة الحزب الجمهوري ترامب أن يركز على الاقتصاد، وهو أمر تم التأكيد عليه باعتباره القضية الأكثر أهمية التي تشغل بال الناخبين في المقام الأول. فأكد روب جودفري الخبير الاستراتيجي الجمهوري أن إطالة أمد الصراع مع إيران سيمثل تهديدا سياسيا كبيرا لترامب والجمهوريين.

وأضاف جودفري "على الرئيس أن يضع في اعتباره القاعدة السياسية التي عززت الترشح عن الحزب الجمهوري - ثلاث مرات متتالية - والتي لا تزال تسانده، وهي قاعدة متشككة حيال الانخراط في الشؤون الخارجية والتورط في النزاعات الخارجية لأن إنهاء عصر 'الحروب الأبدية' كان وعدا انتخابيا واضحا"

كما قالت الخبيرة الاستراتيجية الجمهورية لورين كولي إن أنصار ترامب قد يؤيدون اتخاذ إجراءات عسكرية ضد إيران إذا كانت حاسمة ومحدودة، ولذلك يجب على البيت الأبيض أن يربط ‌بوضوح أي إجراء بحماية الأمن الأميركي والاستقرار الاقتصادي في الداخل لكسب القاعدة الجماهيرية وإقناع الرأي العام.

خاتمة:

نخلص من هذا التحليل الموجز إلى أن ضبابية المشهد الحالي مع تصاعد وتيرة التصعيد في المنطقة بين طهران من جانب وتل أبيب وواشنطن من جانب آخر واتساع دائرتها مع تعرض دول الخليج للهجمات الإيرانية الإنتقامية على المصالح الأمريكية في هذه الدول مما أدى إلى تكبدها خسائر مادية وبشرية كبيرة ، بالإضافة إلى تبريرات ترامب للخسائر المادية وتكلفة الحرب الباهظة فضلاً عن الجنود الأمريكيين الذين قتلوا وأصيبوا في هذه الهجمات بأن هذا " أمر طبيعي في الحروب "، وتضارب تصريحاته هو وبينامين نيتناهو بشأن تحقيق الحرب لأهدافها وموعد إنتهائها خاصة مع عدم تحقق الهدف الأساسي لشن هذه  الحرب وهو إسقاط النظام في ضوء تعيين مجتبى خامنئي – نجل خامنئي- مرشداً اعلى جديد لإيران وتصريحاته التي أدلى بها مؤخراً حول سعى طهران لتصعيد وتيرة الصراع رداً على ما تقوم به واشنطن وتل أبيب من هجمات محذراً من فتح جبهات جديدة  للحرب إذا استمر الصراع.

وبالتالي نرى أن هذه المغامرة السياسية الجديدة التي قرر ترامب خوض غمارها -بالمشاركة مع تل أبيب – إذا طال أمدها وتفاقمت خسائرها فقد تعرضه لتصويت عقابي من قاعدته الشعبية في الانتخابات المقبلة الخاصة بالتجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر المقبل، وقد يخسر الجمهوريون الأغلبية بشكل كبير. بالإضافة إلى أنها ستكون نهاية لمستقبله السياسي إذا انقلب مؤيدوه ضده بسبب هذه المغامرة التي ستكون وبالاً على واشنطن ودول المنطقة.

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء