تقرير لـ باستيت: الأردن في ظل الحرب على إيران
أدى اندلاع المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى في أواخر فبراير 2026 إلى إعادة تشكيل أنماط التفاعل الأمني في الشرق الأوسط، حيث لم تقتصر تداعيات الصراع على مسارح العمليات المباشرة، بل امتدت إلى نطاقات جغرافية أوسع عبر أنماط متعددة من الرد غير المباشر. وفي هذا السياق، برزت مجموعة من الدول الإقليمية بوصفها ساحات تأثر غير مباشر بالصراع، نتيجة موقعها الجيوسياسي أو ارتباطها بشبكات التفاعلات الأمنية والعسكرية في الإقليم.
ضمن هذا الإطار، اكتسبت المملكة الأردنية الهاشمية أهمية خاصة بوصفها إحدى الدول التي انعكست عليها تداعيات التصعيد العسكري القائم، سواء عبر محاولات اختراق المجال الجوي أو من خلال أنشطة عسكرية غير مباشرة نفذتها جماعات مسلحة مرتبطة بمحور إيران في المنطقة. فقد شهدت الأراضي الأردنية منذ الأيام الأولى للحرب عددًا من الحوادث الأمنية المرتبطة بمرور أو اعتراض طائرات مسيّرة وصواريخ عابرة للأجواء، إضافة إلى حوادث أمنية قرب الحدود، وهو ما يعكس انتقال بعض ارتدادات الصراع إلى المجال الأمني الأردني.
وقد وضعت هذه التطورات عمّان أمام تحدٍ مركب يتمثل في إدارة التداعيات الأمنية للصراع الإقليمي دون الانزلاق إلى دائرة المواجهة المباشرة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على متطلبات حماية السيادة الوطنية وأمن المجال الجوي. ويكتسب هذا التحدي أهمية إضافية في ضوء الموقع الجيوسياسي للأردن، وعلاقاته الأمنية والعسكرية مع عدد من الفاعلين الدوليين والإقليميين، فضلًا عن قربه الجغرافي من عدد من مسارح التوتر في الإقليم.
انطلاقًا من ذلك، يسعي هذا التقرير إلى تحليل طبيعة الهجمات والحوادث الأمنية التي شهدتها المملكة الأردنية منذ اندلاع الحرب، وتتبع تطورها الزمني وأنماطها العملياتية، مع تحليل طبيعة الاستجابة الحكومية الأردنية على المستويين العسكري والدبلوماسي. كما تناقش المقالة دلالات هذه التطورات في ضوء موقع الأردن ضمن بنية التوازنات الإقليمية، ومدى تأثير التصعيد الجاري على معادلات الأمن الإقليمي في المدى القريب.
الاطار المنهجي :
يعتمد هذا التقرير على المنهج التحليلي الوصفي بوصفه إطارًا منهجيًا يسمح بتتبع وتحليل تطور الحوادث والهجمات الأمنية التي طالت المجال الجوي أو المناطق الحدودية للمملكة الأردنية الهاشمية منذ اندلاع المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى في أواخر فبراير/شباط 2026. ويتيح هذا المنهج رصد الأنماط المتكررة لهذه الحوادث وتحليل خصائصها العملياتية، فضلًا عن وضعها في سياقها الإقليمي الأوسع المرتبط بتصاعد ديناميات الصراع في الشرق الأوسط واتساع نطاق التفاعلات العسكرية غير المباشرة المرتبطة به.
وينطلق التقرير من مقاربة تحليلية تركز على تفسير العلاقة بين تطور الصراع الإقليمي وأنماط التهديدات الأمنية التي واجهها الأردن منذ بداية الحرب، وذلك من خلال الربط بين الحوادث الميدانية التي شهدتها الساحة الأردنية وبين السياق الاستراتيجي الأوسع المرتبط بالحرب الجارية. وفي هذا الإطار، تُعد الحوادث الأمنية المرتبطة بالطائرات المسيّرة أو الصواريخ العابرة للأجواء، ومحاولات استهداف مناطق حدودية أو مواقع عسكرية، وحدة التحليل الأساسية التى يستند اليها التقرير في تفسير أنماط التهديد الناشئة.
كما يعتمد التقرير على تحليل المصادر المفتوحة ، والتي تشمل البيانات الرسمية الصادرة عن الحكومة الأردنية والقوات المسلحة الأردنية، إضافة إلى التقارير الصادرة عن مراكز الدراسات الدولية المتخصصة في قضايا الأمن الإقليمي، فضلًا عن التغطيات الإعلامية الموثوقة التي تناولت التطورات العسكرية والأمنية المرتبطة بالحرب. ويسهم هذا التنوع في المصادر في توفير قاعدة معلوماتية تسمح برصد التسلسل الزمني للحوادث وتحليل أبعادها العملياتية والسياسية.
وعلى المستوى المفاهيمي، يوظف التقرير مفهوم امتداد الصراع الإقليمي الذي يشير إلى انتقال آثار الحروب والصراعات المسلحة من مسارحها الأساسية إلى دول مجاورة نتيجة التداخل الجغرافي، أو تشابك شبكات الفاعلين المسلحين، أو التفاعلات السياسية والأمنية المرتبطة بالصراع (Salloukh، 2021)، ويساعد هذا المفهوم على تفسير تعرض الأردن لحوادث أمنية واختراقات جوية رغم عدم انخراطه المباشر في العمليات العسكرية، إذ يعكس ذلك أحد أنماط انتقال تداعيات الصراع الإقليمي إلى الدول المحيطة به
اولاً: السياق الإقليمي وتأثير الحرب على الأردن
شهدت البيئة الأمنية في الشرق الأوسط مع اتساع نطاق المواجهة العسكرية الجارية بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران تحولات ملحوظة في أنماط التفاعل العسكري في الإقليم، إذ برزت بصورة متزايدة استراتيجيات الرد غير المباشر التي تبنتها الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران في عدد من الساحات العربية. وقد تمثلت هذه الاستراتيجيات في توسيع نطاق العمليات العابرة للحدود، من خلال استخدام الصواريخ بعيدة المدى والطائرات المسيّرة، فضلًا عن توظيف الأجواء أو الأراضي المجاورة كممرات لعبور المقذوفات باتجاه أهداف مرتبطة بالمصالح الأمريكية أو الإسرائيلية في المنطقة.
وفى ضوء ذلك، اتجهت هذه الجماعات إلى تنفيذ عمليات عسكرية منخفضة الكثافة نسبيًا تستهدف المصالح الأمريكية أو الإسرائيلية، شملت إطلاق الصواريخ بعيدة المدى والطائرات المسيّرة، فضلًا عن استخدام الأجواء أو الأراضي المجاورة كممرات لعبور المقذوفات باتجاه أهدافها الإقليمية (المركز-العربي، 2026)
وفي هذا الإطار، برزت المملكة الأردنية الهاشمية بوصفها إحدى الدول الأكثر تأثرًا بارتدادات التصعيد العسكري، نظرًا لموقعها الجغرافي الذي يضعها في نقطة تقاطع بين عدة ساحات تشهد نشاطًا متزايدًا للفصائل المسلحة، وعلى رأسها العراق وسوريا. وقد أسهم هذا الموقع في جعل المجال الجوي الأردني أحد المسارات المحتملة لعبور الصواريخ أو الطائرات المسيّرة المتجهة نحو أهداف في إسرائيل أو نحو مواقع وقواعد عسكرية أمريكية منتشرة في المنطقة، وهو ما انعكس في عدد من الحوادث المرتبطة باعتراض أو إسقاط مقذوفات عبرت الأجواء الأردنية منذ الأيام الأولى للحرب (المعهد-الدولي-للدراسات-الاستراتيجية، 2026)
كما تزداد حساسية الوضع الأردني في ظل طبيعة العلاقات الاستراتيجية التي تربط المملكة بالولايات المتحدة الامريكية، ولا سيما في المجالين العسكري والأمني، حيث تستضيف الأردن عددًا من التسهيلات والقواعد المرتبطة بالتعاون الدفاعي بين البلدين. وفي ضوء تصاعد المواجهة بين واشنطن وطهران، أصبحت هذه المواقع _ ولو بصورة غير مباشرة _ ضمن الحسابات الاستراتيجية للجماعات المسلحة المرتبطة بإيران، التي تسعى إلى ممارسة الضغط على الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة عبر استهدافه أو تهديده بوسائل غير مباشرة (الجزيرة-للدراسات، 2026).
وعلى الرغم من ذلك، حرصت الحكومة الأردنية منذ اندلاع الحرب على تبني موقف يقوم على تحييد المملكة عن الصراع، مع التأكيد المتكرر على أن الأراضي الأردنية لن تكون منطلقًا لأي عمليات عسكرية ضد أي طرف. غير أن التطورات الميدانية أظهرت أن هذا الموقف لم يمنع تعرض الأردن لعدد من الحوادث الأمنية المرتبطة بمرور أو اعتراض مقذوفات عبر أجوائه أو قرب حدوده، وهو ما يعكس طبيعة البيئة الأمنية الهشة التي تشهدها المنطقة في ظل اتساع نطاق المواجهة الإقليمية.
ثانياً: تطور الهجمات على الأراضي الأردنية منذ اندلاع الحرب
المرحلة الأولى: اختراق المجال الجوي واعتراض الطائرات المسيّرة
مع بدء العمليات العسكرية ضد إيران في أواخر فبراير/شباط 2026، بدأت تظهر أولى ارتدادات التصعيد الإقليمي على البيئة الأمنية للمملكة الأردنية الهاشمية، حيث أعلنت القوات المسلحة الأردنية عن وقوع عدد من الحوادث المرتبطة بعبور طائرات مسيّرة وصواريخ عبر المجال الجوي للمملكة. وقد ارتبطت هذه الحوادث بتصاعد العمليات العسكرية غير المباشرة التي نفذتها جماعات مسلحة مرتبطة بإيران في كل من العراق وسوريا، في إطار الرد على الضربات التي استهدفت مواقع داخل إيران (IISS، Middle East security dynamics after the escalation with Iran، 2026)
وخلال هذه المرحلة، تمثلت السمة الأساسية للهجمات في استخدام الطائرات المسيّرة بعيدة المدى التي انطلقت من مناطق قريبة من الحدود العراقية أو السورية، مستهدفة مواقع في إسرائيل أو منشآت مرتبطة بالوجود العسكري الأمريكي في المنطقة. ويوضح ذلك اعلان القوات المسلحة الأردنية تنفيذ عدة عمليات اعتراض وإسقاط لهذه المسيّرات قبل وصولها إلى أهدافها، مؤكدة أن تلك الإجراءات تأتي في إطار حماية السيادة الجوية للمملكة وضمان سلامة المدنيين والمناطق السكنية (القوات-المسلحة-الأردنية، 2026)
وتعكس هذه التطورات طبيعة الاستراتيجية غير المباشرة التي تعتمدها الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران، والتي تقوم على توسيع نطاق الضغط العسكري في الإقليم عبر أدوات منخفضة الكلفة نسبيًا مثل الطائرات المسيّرة والصواريخ بعيدة المدى، بما يسمح لهذه الجماعات بإيصال رسائل ردع دون الانخراط في مواجهة عسكرية تقليدية واسعة النطاق مع الولايات المتحدة أو إسرائيل (Knights، 2026)
المرحلة الثانية: تصاعد التهديدات العابرة للحدود
مع استمرار الحرب خلال الشهر الجاري، بدأت الحوادث الأمنية المرتبطة بالأردن تأخذ طابعًا أكثر تعقيدًا، حيث لم تعد تقتصر على عبور المقذوفات عبر المجال الجوي، بل امتدت إلى محاولات استهداف مناطق قريبة من الحدود، ولا سيما في شمال المملكة وشرقها. ويعكس هذا التطور اتساع نطاق العمليات العسكرية غير المباشرة المرتبطة بالحرب، وتزايد اعتماد الجماعات المسلحة على المسارات الجغرافية القريبة من الأردن لتنفيذ عملياتها (الجزيرة-للدراسات، 2026)
في هذا السياق، أشارت عدة تقارير أمنية إلى تصاعد نشاط الجماعات المسلحة المرتبطة بمحور إيران في مناطق جنوب سوريا وغرب العراق، وهي مناطق قريبة نسبيًا من الحدود الأردنية وتشهد حضورًا متزايدًا لفصائل مسلحة مدعومة من إيران. وقد أثار هذا التطور مخاوف أمنية متزايدة لدى الأردن من إمكانية استخدام هذه المناطق كنقاط انطلاق لهجمات قد تمتد آثارها إلى الداخل الأردني أو تمر عبر مجاله الجوي (المركز-العربي، 2026)
كما شهدت هذه المرحلة ارتفاعًا نسبيًا في عدد الحوادث المرتبطة برصد الطائرات المسيّرة والصواريخ العابرة للأجواء، الأمر الذي دفع القوات المسلحة الأردنية إلى رفع مستوى الجاهزية الدفاعية وتعزيز إجراءات المراقبة الجوية، إضافة إلى نشر قدرات إضافية للرصد والاعتراض على امتداد الحدود الشرقية والشمالية للمملكة.
المرحلة الثالثة: مخاطر التحول إلى ساحة ضغط إقليمي
مع اتساع نطاق الحرب وتزايد حدة التفاعلات العسكرية غير المباشرة في المنطقة، برزت بعض المؤشرات التي أثارت تساؤلات حول احتمال تحول الأردن إلى إحدى ساحات الضغط غير المباشر في الصراع الإقليمي. فقد سعت بعض الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران إلى توجيه رسائل سياسية وعسكرية عبر تنفيذ عمليات بالقرب من المجال الجوي الأردني أو عبر استخدام مسارات جوية تمر بمحاذاة حدوده، في محاولة لإظهار قدرتها على توسيع نطاق المواجهة الإقليمية (Washington-Institute، Iran-backed militia strategy after the war on Iran، 2026)
ومع ذلك، لم تصل هذه التطورات إلى مستوى استهداف مباشر واسع النطاق للأراضي الأردنية. ويمكن تفسير ذلك بعدة عوامل، من بينها إدراك هذه الجماعات أن توسيع نطاق العمليات داخل الأردن قد يؤدي إلى ردود فعل إقليمية ودولية أكثر حدة، فضلًا عن سعي عمّان إلى الحفاظ على سياسة الردع الدفاعي التي تقوم على منع اختراق المجال الجوي والتعامل السريع مع أي تهديدات محتملة دون الانخراط المباشر في الصراع (IISS، Middle East security dynamics after the escalation with Iran، 2026)
وعليه، يمكن القول إن الهجمات والحوادث الأمنية التي شهدتها المملكة منذ اندلاع الحرب تعكس أحد مظاهر امتداد تداعيات الصراع الإقليمي إلى الدول المجاورة لمسارح العمليات، وهو ما يضع الأردن أمام تحدٍ مستمر يتمثل في إدارة تداعيات التصعيد الإقليمي مع الحفاظ على سياسة خارجية تسعى إلى تجنب الانخراط المباشر في النزاعات الإقليمية.
ثالثاً: دور الفاعلين من غير الدول في الهجمات على الأردن :
يمثل الفاعلون من غير الدول، وعلى رأسهم الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران، أحد العناصر الأساسية في تفسير الهجمات التي شهدتها المنطقة خلال الحرب. إذ تعتمد إيران منذ سنوات على شبكة من الحلفاء الإقليميين الذين يعملون ضمن ما يُعرف بمحور المقاومة، ويشمل ذلك فصائل مسلحة في العراق وسوريا واليمن ولبنان.
وقد تبنت هذه الجماعات خلال الحرب استراتيجية تقوم على الرد غير المباشر من خلال استهداف القواعد العسكرية الأمريكية أو المصالح المرتبطة بإسرائيل في المنطقة، وذلك باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة بعيدة المدى.
وفي هذا الإطار يمكن فهم الحوادث التي شهدتها الأردن باعتبارها جزءًا من نمط أوسع من العمليات العسكرية العابرة للحدود المرتبطة بالحرب الإقليمية، حيث قد تعبر الصواريخ أو الطائرات المسيّرة المجال الجوي للدول المجاورة أثناء توجهها نحو أهدافها الرئيسية، وهو ما يعرّض هذه الدول لمخاطر أمنية غير مباشرة نتيجة سقوط الحطام أو فشل عمليات الاعتراض. وقد شهدت الأردن منذ بدء الحرب حتى الوقت الحالي اعتراض عدد كبير من الصواريخ والطائرات المسيّرة التي عبرت مجالها الجوي أو استهدفت مواقع داخلها، في سياق الهجمات الإقليمية المرتبطة بالتصعيد العسكري بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، وهو ما يعكس امتداد العمليات العسكرية إلى دول الجوار وتأثرها بالمسارات العملياتية لهذه المقذوفات (IISS، Middle East war: Military, strategic and diplomatic angles، 2026)، حيث أعلنت القوات المسلحة الأردنية اعتراض 119 صاروخًا وطائرة مسيّرة خلال أسبوع واحد من الحرب، ما يعكس حجم التهديدات الجوية المرتبطة بالتصعيد الإقليمي (Jordan-Armed-Forces, 7March2026)
كما تعكس هذه الظاهرة التحول المتزايد نحو حروب الوكلاء في الشرق الأوسط، حيث تلجأ القوى الإقليمية إلى استخدام الفاعلين من غير الدول لتحقيق أهدافها الاستراتيجية دون الانخراط المباشر في مواجهة عسكرية واسعة (Salloukh، 2021)
رابعاً: الاستجابة الحكومية الاردنية :
1- الإجراءات العسكرية والأمنية
في مواجهة التهديدات المرتبطة بعبور الطائرات المسيّرة والصواريخ عبر المجال الجوي الأردني منذ اندلاع الحرب الإقليمية، تبنت الحكومة الأردنية مقاربة أمنية تركز على تعزيز قدرات الإنذار المبكر والدفاع الجوي بوصفها خط الدفاع الأول لحماية السيادة الوطنية. وفي هذا الصدد، أعلنت القيادة العامة للقوات المسلحة الأردنية تنفيذ عدة عمليات لاعتراض وإسقاط طائرات مسيّرة ومقذوفات دخلت المجال الجوي للمملكة أو اقتربت من حدوده، في إطار إجراءات تهدف إلى منع أي تهديد محتمل للأراضي الأردنية أو للمناطق المأهولة بالسكان (مركز-الدراسات-الاستراتيجية، 2026). وتعكس هذه الإجراءات إدراكًا متزايدًا لدى صناع القرار في عمّان لطبيعة التهديدات الناشئة عن استخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ في الصراعات الإقليمية المعاصرة، والتي باتت تمثل أحد أبرز أدوات الحرب غير المتماثلة في الشرق الأوسط.
كما عملت القوات المسلحة الأردنية على تعزيز انتشارها العسكري على امتداد الحدود الشمالية والشرقية، بالتوازي مع رفع مستوى الجاهزية العملياتية لأنظمة الرصد والمراقبة الجوية. وارتبطت هذه الإجراءات كذلك بتكثيف التنسيق العسكري مع عدد من الشركاء الدوليين في مجالات تبادل المعلومات الاستخباراتية والإنذار المبكر، بما يسهم في تحسين القدرة على رصد المقذوفات العابرة للأجواء والتعامل معها في الوقت المناسب. وتندرج هذه الخطوات ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى منع تحول المجال الجوي الأردني إلى ممر للعمليات العسكرية المرتبطة بالصراع الإقليمي، مع الحفاظ على قدرة الدولة على التعامل السريع مع التهديدات الناشئة عن التصعيد العسكري في محيطها الإقليمي (Carnegie، 2026)
2- التحرك الدبلوماسي
بالتوازي مع الإجراءات العسكرية، اعتمدت الحكومة الأردنية تحركًا دبلوماسيًا نشطًا يهدف إلى احتواء تداعيات التصعيد الإقليمي والحفاظ على موقف يجنّب المملكة الانخراط المباشر في المواجهة. ففي تصريحات رسمية متعددة، أكدت عمّان ضرورة خفض التوتر في المنطقة وتجنب توسيع نطاق الحرب، مشددة على أهمية الحلول السياسية والدبلوماسية لمعالجة الأزمة. ويعكس هذا الخطاب الدبلوماسي تقليدًا راسخًا في السياسة الخارجية الأردنية يقوم على تبني مقاربات معتدلة تسعى إلى الحد من التصعيد الإقليمي والحفاظ على قدر من الاستقرار في البيئة المحيطة بالمملكة (مجموعة-الأزمات، 2026)
ومن ثم كثفت عمّان اتصالاتها مع عدد من الأطراف الدولية والإقليمية للتأكيد على موقفها القائم على الحياد النسبي وتحييد الأراضي الأردنية عن الصراع. ويعكس هذا التحرك محاولة تحقيق توازن دقيق بين الالتزامات الاستراتيجية التي تربط الأردن بحلفائه الغربيين، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، وبين حرصه على تجنب التحول إلى طرف مباشر في المواجهة العسكرية الدائرة في المنطقة. ومن ثم، يمكن فهم الدبلوماسية الأردنية خلال هذه المرحلة باعتبارها أداة لإدارة المخاطر الإقليمية وتقليل احتمالات انتقال التصعيد العسكري إلى الداخل الأردني (المركز-العربي-للأبحاث، 2026)
3- إدارة الرأي العام الداخلي
إلى جانب البعدين العسكري والدبلوماسي، أولت الحكومة الأردنية اهتمامًا خاصًا بإدارة البعد الداخلي للأزمة، ولا سيما فيما يتعلق بالتعامل مع الرأي العام المحلي في ظل التطورات الأمنية المرتبطة بالحرب الإقليمية. وفي هذا الإطار، حرصت المؤسسات الرسمية على إصدار بيانات دورية تؤكد قدرة القوات المسلحة والأجهزة الأمنية على حماية المجال الجوي للمملكة والتعامل مع أي تهديدات محتملة، وذلك في إطار استراتيجية تهدف إلى تعزيز الثقة العامة في قدرة الدولة على إدارة التحديات الأمنية المرتبطة بالتصعيد الإقليمي (Arab-Center، 2026)
كما ركز الخطاب الرسمي الأردني على التأكيد أن الإجراءات العسكرية التي اتخذتها المملكة تأتي في سياق الدفاع عن السيادة الوطنية وحماية أمن المواطنين، وليس في إطار الانحياز لأي طرف من أطراف الصراع. ويسهم هذا الخطاب في الحد من احتمالات الاستقطاب الداخلي المرتبط بالحرب الإقليمية، كما يعكس سعي الحكومة إلى الحفاظ على قدر من التماسك المجتمعي في ظل بيئة إقليمية تتسم بدرجة عالية من عدم الاستقرار (Chatham-House، 2026)
خامساً: دلالات الهجمات على الأردن في سياق الصراع الإقليمي
تعكس الحوادث الأمنية التي شهدتها المملكة الأردنية الهاشمية منذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى اتساع الطابع الإقليمي للصراع وتزايد أنماطه العابرة للحدود. فقد أفضت استراتيجية الرد غير المباشر التي اعتمدتها الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران إلى نقل بعض تداعيات المواجهة إلى فضاءات جغرافية خارج مسارح العمليات الرئيسية. وهنا يمكن فهم حوادث اعتراض الطائرات المسيّرة والصواريخ التي عبرت المجال الجوي الأردني باعتبارها أحد مظاهر امتداد الصراع إلى الدول المحيطة به، حيث أصبحت الأجواء والممرات الجغرافية للدول المجاورة جزءًا من المسارات العملياتية للصواريخ والمسيّرات المستخدمة في الضغط الإقليمي (IISS، Middle East security dynamics after the escalation with Iran، 2026)
ويرتبط تعرض الأردن لهذه التداعيات كذلك بموقعه الجيوسياسي، إذ تقع المملكة في نقطة تقاطع بين عدد من الساحات التي تشهد نشاطًا متزايدًا للفصائل المسلحة المرتبطة بمحور إيران، ولا سيما في العراق وسوريا. وقد أدى هذا الموقع إلى جعل المجال الجوي الأردني أحد المسارات المحتملة لعبور المقذوفات المتجهة نحو أهداف في إسرائيل أو مواقع عسكرية أمريكية في المنطقة. كما أن ارتباط الأردن بشبكة من العلاقات الأمنية والعسكرية مع الولايات المتحدة يزيد من حساسية موقعه ضمن الحسابات الاستراتيجية لهذه الجماعات، التي تسعى إلى ممارسة الضغط على الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط عبر عمليات غير مباشرة وعابرة للحدود (Washington-Institute، Iran-backed militia strategy after the war on Iran، 2026)
ومع ذلك، لم تصل هذه التطورات إلى مستوى استهداف مباشر واسع النطاق للأراضي الأردنية، وهو ما يعكس وجود حدود معينة للتصعيد في سلوك الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران. إذ يبدو أن هذه الجماعات تدرك أن توسيع العمليات داخل الأردن قد يؤدي إلى توسيع دائرة المواجهة الإقليمية واستدعاء ردود فعل دولية أكثر حدة. وفي المقابل، سعت عمّان إلى إدارة هذه التحديات من خلال مقاربة تقوم على الردع الدفاعي واحتواء التداعيات، عبر تعزيز قدرات الدفاع الجوي ورفع مستوى الجاهزية العسكرية، مع التأكيد سياسيًا على تحييد المملكة عن الصراع ومنع استخدام أراضيها في أي عمليات عسكرية، وهو ما يعكس محاولة الحفاظ على توازن دقيق بين متطلبات الأمن الوطني وتجنب الانخراط المباشر في ديناميات الصراع الإقليمي (الجزيرة-للدراسات، 2026)
سادساً: السيناريوهات المستقبلية
في ضوء التطورات الميدانية المرتبطة بالحرب الإقليمية، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمسار التهديدات الأمنية التي قد تواجهها المملكة الأردنية خلال المرحلة المقبلة. يتمثل السيناريو الأول في استمرار الاحتواء المحدود للتداعيات الأمنية، بحيث تظل الحوادث المرتبطة بعبور الطائرات المسيّرة والصواريخ ضمن مستويات متفرقة دون تحولها إلى استهداف مباشر للأراضي الأردنية، خاصة مع استمرار قدرات الاعتراض والدفاع الجوي التي اعتمدتها دول المنطقة خلال التصعيد العسكري (Washington-Institute، War comes to the Gulf: Regional implications of the Iran war، 2026)
أما السيناريو الثاني فيتمثل في تصاعد الضغوط الأمنية غير المباشرة على الأردن نتيجة توسع العمليات العسكرية العابرة للحدود واستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة في استهداف القواعد العسكرية أو المصالح المرتبطة بالولايات المتحدة في المنطقة، وهو ما قد يؤدي إلى زيادة الحوادث المرتبطة بعبور المقذوفات عبر المجال الجوي الأردني أو سقوط حطامها داخل الأراضي الأردنية (Atlantic-Council، 2026)
في المقابل، يظل السيناريو الثالث الأقل ترجيحًا ويتمثل في انزلاق التصعيد إلى استهداف مباشر للأراضي الأردنية نتيجة اتساع نطاق الحرب الإقليمية أو تصاعد نشاط الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران في الساحات القريبة من الأردن، وهو ما قد يؤدي إلى تعقيد البيئة الأمنية الإقليمية وزيادة احتمالات انتقال المواجهة إلى دول الجوار (IISS، Strategic implications of the Iran war for regional security.، 2026)
خاتمة
تشير الحوادث الأمنية التي شهدتها المملكة الأردنية الهاشمية منذ اندلاع المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى إلى اتساع نطاق التأثيرات الإقليمية للحرب وتزايد أنماطها العابرة للحدود. فقد أظهرت التطورات الميدانية أن الصراع لم يقتصر على مسارح العمليات الرئيسية، بل امتدت تداعياته إلى الدول المجاورة عبر استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة ضمن استراتيجيات الرد غير المباشر التي اعتمدتها الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران في عدد من الساحات الإقليمية. وبناء على ذلك، انعكست بعض ارتدادات التصعيد على البيئة الأمنية الأردنية من خلال حوادث مرتبطة بعبور أو اعتراض مقذوفات عبر المجال الجوي للمملكة، وهو ما يعكس أحد مظاهر امتداد الصراع الإقليمي إلى الدول المحيطة به نتيجة التداخل الجغرافي وتشابك شبكات الفاعلين المسلحين في المنطقة.
في المقابل، أظهرت الاستجابة الحكومية الأردنية قدرة نسبية على احتواء التداعيات الأمنية للحرب من خلال مقاربة متعددة الأبعاد جمعت بين تعزيز إجراءات الدفاع الجوي ورفع مستوى الجاهزية العسكرية من جهة، وتبني تحرك دبلوماسي يسعى إلى تحييد المملكة عن الصراع من جهة أخرى. غير أن استمرار الحرب الإقليمية واتساع نطاق التفاعلات العسكرية غير المباشرة في المنطقة قد يفرض تحديات أمنية إضافية على الأردن في المدى القريب، لا سيما في ظل موقعه الجيوسياسي الحساس وقربه من عدد من مسارح التوتر الإقليمي. ومن ثم، ستظل قدرة عمّان على إدارة هذا التوازن بين متطلبات الأمن الوطني وتجنب الانخراط المباشر في الصراع أحد العوامل الحاسمة في تحديد مدى تأثرها بتداعيات التصعيد الإقليمي خلال المرحلة المقبلة.