من التمكين إلى التوحش: وثائق الإخوان والقاعدة وداعش حول خطة "فتح مصر"
وضعت الجماعات الأصولية وتيارات الإسلام الحركي، عشرات الخطط التي تعمل من خلالها على اختراق الدولة المصرية ومؤسساتها، أو بناء ارتكازات فكرية وتنظيمية في عمقها الجغرافي، ابتداء من جماعة الإخوان ونظامها الخاص ولجانها النوعية منذ أربعينات القرن الماضي، مرروًا بتنظيم "القاعدة" انتهاء بتنظيم "داعش".
خطة التمكين
فتحت أمام عدد من الوثائق التي تحذت بوضوح عن مشاريع تنظيمية وفكرية لإسقاط الدولة المصرية إمام عن طريق استراتيجية "التغيير من أسفل" من خلال التمدد في العمق المجتمعي ومؤسسات الدولة والتي أبرزت بنودها من قبل وثيقة "فتح مصر" أو "خطة التمكين" التي ضبطتها الأجهزة الأمنية المصرية، داخل مقر شركة "سلسبيل"، المملوكة لنائب مرشد الإخوان خيرت الشاطر، وتعرف بالقضية رقم 87 لسنة 1992 .
والتي الوثيقة حينها، ضرورة التغلغل ونشر الأفكار والأهداف في طبقات المجتمع المختلفة مثل قطاعات الطلاب والعمال والمهنيين وقطاع رجال الأعمال والفئات الشعبية، لاسيما الطبقات الفقيرة، واختراق المؤسسات الفاعلة والتنفيذية السياسية والدينية والاقتصادية، فضلًا عن تحييد المجتمع القبطي والقوى السياسية.
مشاريع الإخوان لم توقف عند هذا الحد لكنها انتقلت فيما بعد سقوط في عام 2013، إلى معروفة بخطة "الحسم" والتي تناول تفاصيلها دراما "رأس الأفعى"، من خلال صناعة بؤر للسلاح والتدريب لقواعد الجماعة، بهدف تمرير خطة "النكاية والإرباك"، التي تهدف لإسقاط مؤسسات الدولة وتهيئة المجتمع لحالة الفوضى التي تمكنها من الاستيلاء على المؤسسات التنفيذية في إطار ما يعرف "بفقه المغالبة" لشرعنة تحركاتهم الفوضوية.

الأحجية المصرية
عل الجانب الأخر، لم تغب الدولة المصرية عن قلب وعقل تنظيمات السلفية الجهادية، إذ وجدت الأجهزة الأمنية خطة لتنظيم "داعش" ضمن الاحراز التي وجدتها رفقة إحدى خلايا السلفية الجهادية التي قبضت عليها في عام 2016، والتي حملت عنوان "سر الأحجية المصرية"، وتعتبر دراسة تنظيرية منسوبة للقيادي الداعشي أبومودود الهرماسي، وتضع تصورًا استراتيجيًا لما يسميه التنظيم "فتح مصر" وتحويل القاهرة إلى ولاية جهادية تابعة لما يسمى بـ"الخلافة".
هذه الوثيقة لا يمكن قراءتها بوصفها مجرد نص دعائي، لكنها تضع رؤية استراتيجية عميقة تستهدف تفكيك بنية الدولة المصرية من الداخل، عبر الجمع بين العنف المسلح، والحرب النفسية، وإثارة الصراعات المجتمعية والطائفية.

مصر رمانة الميزان
بدأت الوثيقة الداعشية بتقديم قراءة سياسية لمكانة مصر في النظام الإقليمي والدولي، حيث تعتبر أن استقرارها يمثل حجر الزاوية في استقرار الشرق الأوسط، بينما يؤدى انهيارها إلى إطلاق موجات من الفوضى في المنطقة بأكملها. ولهذا تصف الدراسة مصر بأنها "رمانة ميزان الاستقرار"، معتبرة أن سقوطها سيؤدى إلى انهيار النظام الإقليمي العربي برمته.
ورأت الوثيقة أن خصوصية الحالة المصرية تعود إلى عدة عوامل، من بينها، تماسك المؤسسات العسكرية والأمنية، والطبيعة الاجتماعية للمجتمع المصري التي تميل إلى الاستقرار وترفض الفوضى، والدور المركزي الذي تلعبه مصر ي التوازنات الإقليمية، ومن ثم اعتبرت الوثيقة أن اختراق المجتمع المصري يمثل التحدي الأكبر أمام مشروع الإسلام الحركي.
النكاية والإنهاك
اعتمدت الوثيقة الداعشية على التصور الاستراتيجي الذي وضعه المنظر الجهادي أبو بكر ناجي في كتابه الشهير إدارة التوحش، والذي يقوم على ثلاث مراحل أساسية تتمثل في مرحلة النكاية والإنهاك، ومرحلة إدارة التوحش، ومرحلة التمكين.
ومن بين أبرز الوسائل التي اقترحتها الوثيقة لتحقيق هذه المرحلة، هي استهداف القوات العسكرية والأمنية، وضرب البنية التحتية الاقتصادية للدولة، ونشر الفوضى داخل المجتمع، وإثارة الفتنة الطائفية بين المسلمين والأقباط، وهي استراتيجية تعتمد بالأساس على حرب الاستنزاف طويلة المدى وليس المواجهة المباشرة.

ولاية جهادية
ضمن ما أسمته الوثيقة "خطة فتح القاهرة"، قدمت تصورًا يقوم على تقسيم مصر إلى ولايتين، ولاية سيناء، ولاية القاهرة، وذلك من خلال الخطة تقوم على إنشاء شبكة من الخلايا النائمة والاعتماد على ما يعرف بـ"الذئاب المنفردة"، لتنفيذ العمليات المسلحة بأقل التكاليف والامكانيات، وشمل التصور كذلك الاستفادة من وسائل التواصل الاجتماعي في نشر الدعاية الإسلامية الجهادية وتحريض الشباب تبنيها.
الحرب الطائفية
من أخطر ما تضمنته الوثيقة الدعوة الصريحة إلى إشعال "الفتنة الطائفية" في مصر عبر استهداف الأقباط، حيث اعتبرت أن إثارة الصراع الديني يمثل "المفتاح" لكشف طبيعة الصراع وإشعال المشاعر الدينية داخل المجتمع، ورأت الوثيقة أن قتل الأقباط سيؤدى إلى عدة نتائج، من بينها استثارة ردود فعل غاضبة تؤدى إلى صدام مجتمعي واسعي، وإضعاف الدولة وإرباك مؤسساتها الأمنية، وخلق حالة من الاستقطاب الديني تسهل تجنيد العناصر الجديدة.
الانهيار الاقتصادي
لم تقتصر الخطة الداعشية على العمليات المسلحة فحسب، بل تضمنت استهدافًا مباشرًا للاقتصاد المصري من خلال ضرب البورصة والبنوك، واستهداف شركات الطاقة، وضرب الاستثمارات الأجنبية، واختطاف الرعايا الأجانب، بهدف إضعاف قدرة الدولة على الاستمرار اقتصاديًا.
مصر وأمة الخلافة
وفي وثيقة أخرى حملت عنوان "مصر والطريق إلى أمة الخلافة"، والمنسوبة إلى أحد المرجعيات الفكرية لتنظيم "القاعدة"، ويدعى أبو بكر أحمد، يظهر بوضوح أن التنظيم يسعى إلى تطبيق ما يطلق عليه "جهاد التمكين" داخل المجتمع المصري، وهي المرحلة التي تمثل ذروة المشروع الجهادي بعد مراحل الاستنزاف والنكاية.
كشفت هذه الوثيقة عن تصور استراتيجي متكامل يقوم على تحويل المجتمع المصري إلى بيئة حاضنة للجهاد المسلح، بحيث لا يظل العنف حكرًا على التنظيمات السرية، بل يصبح جزءًا من حركة المجتمع نفسه.
وضعت الوثيقة تفكيك المؤسسة العسكرية والأمنية المصرية في مقدمة أهدافها، معتبرة أن انهيارها يمثل الركيزة الأساسية لإسقاط للدولة الوطنية، ونشر الدعاية السلبية ضد الدولة ومؤسساتها، وفق ما يعرف باستراتيجية "استنزاف الأنظمة" عبر ضرب مؤسساتها التنفيذية.
تكشف الوثيقة كذلك عن موقف أيديولوجي واضح من مفهوم الدولة الوطنية، حيث تعتبرها كيانًا طاغوتيًا يناقض فكرة "الأمة الإسلامية"، وتذهب الوثيقة إلى تحميل كل من محمد علي باشا وجمال عبد الناصر مسئولية تأسيس الدولة القومية الحديثة في مصر.
قدمت الوثيقة تصورًا جغرافيًا لمسار المشروع الجهادي المسلح داخل مصر، حيث اعتبرت أن البيئة الأكثر قابلية لاحتضان "جهاد التمكين" تبدأ في سيناء، قبل أن تمتد تدريجيًا إلى مطروح والمناطق الحدودية، ومحافظات الصعيد، ومناطق الدلتا، وصولاً إلى القاهرة الكبرى، وذلك في محاولة استغلال المناطق الطرفية أو الحدودية كنقاط انطلاق للمشروع المسلح، وهو النهج ذاته الذي اعتمدته التنظيمات المرتبطة بـ تنظيم القاعدة في عدة مناطق من العالم، مثل أفغانستان واليمن والصومال.
ومن هنا ترى التنظيمات الإرهابية أن إقامة "الدولة الإسلامية" لن يتحقق عبر أسلمة الدولة القومية القائمة، بل عبر هدمها بالكامل وإعادة بناء المجتمع من جديد، وهذا التصور يمثل أحد أهم مرتكزات الفكر الجهادي المعاصر، الذي يرفض فكرة الدولة الوطنية من أساسها.
التجنيد الناعم
لا تعتمد الاستراتيجية الجهادية على السلاح وحده، بل تولى اهتمامًا كبيرًا بما تسميه الوثيقة "النشاط الدعوى للفكرة الجهادية"، من خلال نشر الفكر الجهادي واستقطاب الشباب عبر منصات التواصل الاجتماعي، ونشر ثقافة الجهاد، وعسكرة المجتمع، وهو ما يعكس محاولة تحويل المجتمع ذاته إلى حاضنة للصراع المسلح وتكريس القابلية للحرب الأهلية.
اللافت في هذه الوثيقة وصفها لجماعة الإخوان بأنهم "مزجوا الإسلام بالليبرالية والديمقراطية والرأسمالية"، معتبرة أن حديثهم عن "الخلافة" و"أستاذية العالم" لم يعد سوى شعارات نظرية، لكن هذا الهجوم لا يعنى وجود قطيعة حقيقية بين المشروعين، بقدر ما يعكس خلافًا تكتيكيًا حول الوسائل وليس حول الهدف النهائي.
فبينما سعت التنظيمات الأصولية المتطرفة إلى إسقاط الدولة بالقوة المسلحة، حاولت جماعات الإسلام الحركي الوصول إلى السلطة عبر العمل السياسي والتنظيمي، مع الاحتفاظ بخيار التصعيد في لحظات الصدام.
قراءة هذه الوثائق في ضوء التطورات التي شهدتها مصر بعد عام 2013، يمكن ملاحظة تشابه لافت بين بعض ما طرحت الداعشية والقاعدية وما تبنته لاحقًا جماعة الإخوان عبر ما عرف إعلاميًا بـ "خطة الحسم"، فبعد سقوط حكم محمد مرسي، لجأت بعض أجنحة الجماعة إلى تشكيل مجموعات مسلحة صغيرة اعتمدت على الاغتيالات الفردية، واستهداف رجال الشرطة والقضاء، وعمليات التخريب الواسعة، وهو ما يتقاطع بشكل واضح مع مفهوم "الخلايا الصغيرة" الذي تبنته الاستراتيجية الداعشية.
كما أن تنظيمات مثل "حركة حسم" و"لواء الثورة" اعتمدت على نفس نمط العمليات منخفضة الكثافة والتكاليف التي تستهدف إنهاك الدولة دون الدخول في مواجهة مفتوحة معها، واللافت أن مفهوم "التمكين" الذي يظهر في الأدبيات الداعشية والقاعدية ليس بعيدا عن أدبيات جماعة الإخوان، حيث يعد أحد المفاهيم المركزية داخل الفكر التنظيمي للمشروع الإخواني.
قراءة هذه الوثائق في سياقها الأوسع تكشف أن المشهد الجهادي والحركي في المنطقة لا يمكن فهمه عبر الفصل الحاد بين تنظيمات مثل داعش والقاعدة والإخوان، فجميعهم يشتركون في أيديولوجيًا فيرفض الدولة الوطنية الحديثة، والسعي لإقامة كيان تنظيمي عابر للحدود، وتوظيف الدين كأداة للصراع السياسي. لكن الاختلاف يكمن في الاستراتيجيات المرحلية، فالقاعدة تعتمد على حرب الاستنزاف طويلة المدى، وداعش فضل إعلان الدولة عبر العنف المباشر، والإخوان سعت إلى التمكين عبر العمل الاختراق المجتمعي أولا، ثم العمل المسلح ثانيًا.
الدور التاريخي للدولة المصرية في استقرار النظام العربي وكونها رمانة ميزان التوازن الإقليمي، جعلها محور اهتمام للحركة الأصولية المسلحة، التي لم تتوقف عن محاولة اختراق مؤسساتها وتغيير هويتها في إطار دورها الوظيفي سواء عبر التنظيمات الأصولية المسلحة أو عبر تيارات السلفية التقليدية التي لكن التجربة أثبتت أن قوة الدولة الوطنية المصرية، وتماسك نسيجها الاجتماعي، ظلا يمثلان العائق الأكبر أمام تلك المشاريع التي سعت – ولا تزال – إلى تحويل مصر إلى ساحة للفوضى والصراعات العقائدية.
عمرو فاروق*



