رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

بين حل الكنيست وتمرير القانون.. تجنيد الحريديم يهدد مستقبل حكومة نتنياهو

نتنياهو في الكنيست
نتنياهو في الكنيست الإسرائيلي- أرشيفية

يشغل قانون التجنيد حيزًا من الجدل داخل الحياة السياسية الإسرائيلية لما يمثله من أهمية سياسية لا تهدد فقط مستقبل الائتلاف الحاكم، بل أيضًا تهدد مستقبل النظام السياسي الإسرائيلي؛ حيث يمثل قانون التجنيد المقترح والمزمع مناقشته خلال الأيام المقبلة تحديًا لتماسك الدولة والمجتمع الإسرائيلي.

يمنح قانون التجنيد إعفاء أبناء طائفة "الحريديم" من المشاركة في التجنيد والتعبئة الاحتياطية للجيش الإسرائيلي، حيث يرفض القانون استدعاء منتسبي المدارس الحريدية (الدينية) إلى الجيش، ويستدعي فقط الحريديم غير المنتسبين إلى الدوام الكامل في إحدى المدارس الحريدية في إسرائيل.

كما ألغى القانون المقترح أية عقوبات جنائية على تخلف أبناء الطائفة الحريدية، مكتفيًا بالعقوبات المدنية المخففة، فضلُا عن تحديد سن تجنيد الحريديم بما لا يتجاوز 26 عامًا، مما يعني انتظار أبناء طائفة الحريديم حتى بلوغ سن 26 ودفع المخالفات المترتبة على التهرب من التجنيد حتى يصبحوا أحرارًا في تصرفاتهم بعيدًا عن الجيش.

أزمة تجنيد الحريديم 
أزمة تجنيد الحريديم 

تهديدات مستمرة

ساهم قانون تجنيد الحريديم في تصدير أزمات للائتلاف الحاكم في إسرائيل خلال الفترة الماضية، في ظل حالة التعبئة العامة التي يعيشها الجيش الإسرائيلي منذ انطلاق حرب 7 أكتوبر 2023، ورغم انتهاء الحرب رسميًا في 9 أكتوبر 2025، إلا أن حالة التعبئة العامة ما زالت مستمرة في الجيش الإسرائيلي إلى الآن.

الأمر الذي وضع الائتلاف الحاكم في حرج مستمر، فمن ناحية لا يريد حزب "الليكود" خسارة حلفائه في الائتلاف القائم وبالتالي انهيار الائتلاف والدخول في انتخابات مبكرة، ومن ناحية أخرى يواجه الليكود، زعيم الائتلاف، اتهامات من قوى المعارضة والمجتمع الإسرائيلي بتمييز طائفة "الحريديم"، الأمر الذي يهدد التماسك المجتمعي في إسرائيل؛ فالعديد من الحركات المدنية والمجتمعية الإسرائيلية باتت تصوب تهديداتها إلى النظام القائم وتتهمه بعدم المساواة في الحقوق والواجبات.

ففي الوقت الذي يتمتع فيه أبناء الطائفة "الحريدية" بمزايا مالية من خلال توفير المعونات للمدارس الدينية، والتي تسمح للطالب بالاستمرار في الدراسة حتى أعمار متقدمة تصل إلى ما بعد الأربعين من العمر، يتمتعون أيضًا بمزايا خاصة بالإعفاء التجنيدي نظرًا لانخراطهم في تلك المدارس الدينية، وهو الأمر الذي يزيد أعباء باقي المجتمع الإسرائيلي سواء ماليًا، حيث بات على الجميع باستثناء "الحريديم" دفع الضرائب لتمويل الجيش والمدارس الدينية، وأيضًا الانخراط في سلك التجنيد فترات طويلة من السنة بدلًا من أبناء الطائفة الحريدية.

أزمة تجنيد الحريديم 
أزمة تجنيد الحريديم 

تعطيل ممنهج أم لا

اتهمت الأحزاب الحريدية، خاصة حزبي شاس ويهدوت هتوراه، ميري فرنكل-شور، المستشارة القانونية للجنة الشؤون الخارجية في الكنيست، بتعطيل مناقشة مشروع قانون تجنيد "الحريديم" في الكنيست، ومطالبتها بإدخال تعديلات على مشروع القانون.

واتهمت الأحزاب الحريدية "شور" بتعطيل القانون لأسباب متعلقة بتوجهات أيديولوجية تخصها وليست لأسباب قانونية فنية تخص مشروع القانون، وليس أيضًا لاعتبارات خاصة بالائتلاف الحاكم.

ويحمل تحرك المستشارة القانونية للجنة الشؤون الخارجية في الكنيست العديد من الدلالات السياسية، والتي ستؤثر على مستقبل النظام السياسي خلال الشهور المقبلة، وهي كالتالي:

أولًا: وجود معارضة داخل الائتلاف الحاكم

 رغم تقديم مشروع القانون من قبل الائتلاف الحاكم وتأييده من قبل الليكود، إلا أن المشروع يواجه معارضة شرسة ليست فقط من قبل نواب المعارضة، بل أيضًا من عناصر داخل الائتلاف الحاكم؛ فموقف "شور" يقترب بشكل كبير من موقف رئيس الكنيست السابق ورئيس لجنة الشؤون الخارجية السابق "يولي إدلشتاين"، الذي كانت له مواقف متشددة تجاه قانون تجنيد "الحريديم"، وتمت إقالته من رئاسة اللجنة في أكتوبر الماضي على خلفية معارضته لمشروع القانون.

الكنيست الإسرائيلي
الكنيست الإسرائيلي

ثانيًا: تعطل مناقشة الميزانية

من المحتمل أن تلجأ الأحزاب السياسية الحريدية إلى تعطيل مناقشة مشروع الميزانية المقرر لها في شهر مارس المقبل، وقد يؤدي تعطيل مناقشة مشروع الميزانية إلى حل الكنيست تلقائيًا، وبالتالي الدخول في انتخابات مبكرة في يونيو المقبل.

ثالثًا: عبء سياسي

 باتت الأحزاب السياسية الحريدية في إسرائيل خلال الفترة الماضية عبئًا سياسيًا على الائتلاف الحاكم بسبب قانون التجنيد الأخير، والذي يثير الجدل في إسرائيل لانعدام معايير المساواة بين المواطنين في الداخل الإسرائيلي؛ لذا يجد الائتلاف الحاكم نفسه في مفترق طرق، إما الاستمرار في الائتلاف القائم والحفاظ على التحالف مع الأحزاب الحريدية وتمرير مشروع القانون، أو الانقلاب على تلك الأحزاب ووقف تمرير مشروع القانون والبحث عن بدائل جديدة للأحزاب الحريدية.

وربما قد يلجأ نتنياهو إلى التخلص من عبء الأحزاب الحريدية، حيث يمتلك نتنياهو خبرات طويلة وكبيرة في الانقلابات السياسية على الحلفاء؛ فعلى سبيل المثال، مثلت طائفة اليهود الروس في إسرائيل بوابة عودة نتنياهو إلى المشهد السياسي الإسرائيلي في عام 2009 من خلال التحالف مع حزب "إسرائيل بيتنا" بقيادة أفيغدور ليبرمان، والذي يعد أكثر الأحزاب الإسرائيلية تعبيرًا عن اليهود الروس في المجتمع الإسرائيلي، ولاحقًا فضّ نتنياهو تحالفه مع ليبرمان وعزز تواصله مع الأحزاب اليمينية مثل نفتالي بينيت، الذي كان أحد حلفاء نتنياهو في عام 2014.

أزمة تجنيد الحريديم 
أزمة تجنيد الحريديم 

ختامًا:

يعكس الجدل الدائر حول مشروع قانون تجنيد "الحريديم" أزمة أعمق من مجرد خلاف تشريعي، إذ يكشف عن توتر بنيوي في العلاقة بين متطلبات الدولة الأمنية ومقتضيات التوازنات الائتلافية والحسابات الانتخابية. فالقانون، بصيغته الحالية، لا يضع الائتلاف الحاكم أمام اختبار البقاء السياسي فحسب، بل يضع النظام السياسي الإسرائيلي بأكمله أمام سؤال العدالة والمساواة في تحمّل الأعباء.

وفي ظل استمرار حالة التعبئة العسكرية وتصاعد الضغوط المجتمعية، يبدو أن أي تأجيل أو تعطيل للقانون لن يؤدي إلا إلى ترحيل الأزمة لا حلّها. وعليه، فإن مستقبل الائتلاف الحاكم سيظل مرهونًا بقدرته على إدارة هذا الملف الشائك دون تفكيك تحالفاته أو تعميق الانقسام المجتمعي، وهي معادلة تبدو أكثر تعقيداً في المرحلة المقبلة.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء