رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الصوم قبل الإسلام.. لماذا صامت أمم لم تعرف رمضان؟ الشيخ خالد عمران يجيب

الشيخ خالد عمران
الشيخ خالد عمران

قال الشيخ الدكتور خالد عمران، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، إن الخطاب الإلهي في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ في سورة البقرة، يوجه إلى المؤمنين بمفردات الإيمان المعروفة الكاملة، الإيمان بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر، وحتى الإيمان بسيدنا محمد وهو خاتم الأنبياء والمرسلين، وهذا الخطاب يؤكد أن فرض الصيام لم يكن تشريعًا خاصًا بأمة واحدة، بل هو تكليف إلهي ممتد عبر الأمم، وأن المؤمنين اليوم ليسوا وحدهم في هذا الطريق، بل هم حلقة ضمن سلسلة تاريخية وتشريعية واسعة.

وأوضح في تصريحات له، أن التعبير القرآني بـ«الذين من قبلكم» لم يُقيد بدين بعينه، وإنما جاء بصيغة الاسم الموصول لإطلاق الذهن على أوسع مدى، بما يدل على الاشتراك الإنساني العام في أصل التشريع، وأن الصيام ـ شأنه شأن الصلاة والزكاة ـ ورد في شرائع سابقة، كما حكى القرآن عن أنبياء وصالحين كثيرين، في ملمح على وحدة المقصد الإلهي وإن اختلفت التفاصيل التطبيقية عبر العصور.

معنى الصوم في التقرب إلى الله

وعن خصوصية الصوم وفرضه على الأمم السابقة، بين الشيخ خالد عمران أن معنى الصيام في جوهره قدر مشترك لكل من يسلك طريق القرب من الله، سواء في الديانات السماوية أو حتى في بعض المذاهب والطرق التي تهدف إلى الارتقاء الروحي، فالصيام ـ كما أخبر الله تعالى في الشرائع المختلفة ـ وسيلة للصفاء الروحي، إذ يقوم على الامتناع عن الشهوات، وعلى رأسها شهوة الطعام وشهوة الميل الجنسي للجنس الآخر، ولو لوقت محدد.

وأشار إلى أن هذا الامتناع المؤقت، يحرر الروح من انشغال الجسد الدائم بذاته، فيمنحها مساحة للحركة والانتعاش، ويجعل الإنسان أكثر قدرة على التوجّه الروحي، ولذلك نجد أن الصيام حاضر حتى في العصر الحديث ضمن برامج كل من يسعى للارتقاء الروحي، حيث يتضمن الامتناع عن الطعام والشراب وسائر الشهوات بدرجات مختلفة.

طرق الصيام في الشرائع السابقة

وتناول الشيخ خالد عمران مثال السيدة مريم عليها السلام، في قوله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾، موضحًا أن بعض العلماء والمفسرين ذهبوا إلى أن هذا الصوم كان صومًا عن الكلام، كما ورد عن سيدنا زكريا عليه السلام حين مُنع من الكلام أيامًا، بينما رأى آخرون أن الصيام في تلك الشرائع كان يشمل الامتناع عن أشياء متعددة، من بينها الكلام، إلى جانب الامتناع عن الطعام وسائر الشهوات.

وأكد أن هذا التشابه في أصل الفرض لا ينفي الاختلاف في الكيفيات، فلكل شريعة خصوصيتها، ففي الشريعة الإسلامية لا يوجد صيام قائم على الامتناع المطلق عن الكلام، وإنما الصيام عبادة محددة الأركان والحدود، وإن كان تقليل الكلام من آداب السلوك إلى الله، كما يقرر أهل الطريق من خلال أركان تهذيب النفس، مثل تقليل الكلام وتقليل المنام وتقليل الطعام.

خصوصية التشريع الإسلامي وحدوده الزمنية والعملية

وتابع أمين الفتوى أن الشريعة الإسلامية ميزت الصيام بحدود واضحة، تقوم على الإمساك عن الطعام والشراب وسائر المفطرات، وعن شهوة الجماع، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وهو ما يُعبَّر عنه بقوله تعالى: ﴿مِنَ الْخَيْطِ الْأَبْيَضِ إِلَى الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾، وهذه الخصوصية تمثل الجانب التطبيقي المميز للصيام في الإسلام، حيث حدد بزمن معين هو شهر رمضان، الشهر الذي أُنزل فيه القرآن الكريم.

ولفت إلى أن هذا التحديد الزمني والتشريعي لا يلغي البعد الإنساني العام للصيام، بل يعمقه، إذ يجمع بين الاشتراك مع سائر الخلق في أصل العبادة، وبين الخصوصية الإسلامية في صورتها العملية، فتنظيم احتياجات الجسد، ولو مؤقتًا، يظل طريقًا لإشراق الروح، وهي فكرة مشتركة بين البشر جميعًا، غير أن الشريعة الإسلامية صاغتها في إطار تعبدي منضبط، يحقق مقصود التقوى الذي ختمت به الآية الكريمة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء