رأيت مسلما يأكل ناسيا أثناء الصيام فماذا أفعل؟ دار الإفتاء تجيب
ورد إلى دار الإفتاء المصرية، سؤال يقول: ماذا يجب على من رأى الصائم يأكل أو يشرب ناسيًا؟ فقد دخلتُ على قريبٍ لي في شهر رمضان، فرأيته فجأة يشرب ناسيًا، فهل أذكِّرُهُ بِأَنَّه صائم؟ وهل تنبيه الصائم حال أكله أو شربه ناسيًا واجبٌ؟
وقالت دار الإفتاء في إجابتها على السؤال، إنه يستحب لمن رأى صائمًا يأكل أو يشرب ناسيًا في نهار رمضان أن يُذكِّرَه بالصيام، فهو من باب التعاون على البر والتقوى، وإن وَجَدَ أنَّ في تذكيره ضررًا فينبغي تَرْكه، ويجب على من ذُكِّرَ الكَفُّ بقية اليوم عن سائر المفطرات، ولا يلزمه قضاء هذا اليوم حِينَئِذٍ، فصومه صحيح.
وذكرت دار الإفتاء أن النِّسْيانُ أَمْرٌ جُبلت عليه طبائِعُ البشر، ومن يُسْرِ الشريعة الإسلامية وكمال رحمتها وسماحتها أنَّ الله تعالى تجاوزَ عن مؤاخذةِ العبد حال وقوع الخطأ والنسيان منه، فعن أبي ذَرٍّ الغفارِيِّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عليه وآله وسَلَّم: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» أخرجه الأئمة: ابن ماجه، وابن حبان، والحاكم.
وأوضحت أنه لا خلاف بين الفقهاء في أنَّ النسيان مُسْقِطٌ للإثم؛ لِأَنَّ فِعْلَ النَّاسي لا يشتمل على هَتْكِ حرمةٍ شرعية، ولا قَصْدِ الفِعْلِ وتَعَمُّدِه، لذا فلم يخش عليه العقاب.
قضاء من أكل أو شرب ناسيًا وهو صائم
واختلف الفقهاء في حكم قضاء من أكل أو شرب ناسيًا وهو صائم، فذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أنَّ من أكل أو شرب ناسيًا وهو صائمٌ صيامَ فريضةٍ أو نافلةٍ فإنَّهُ يُتِمُّ صومه ولا قضاء عليه ولا كفارة؛ إذ المؤاخذةُ لا تكونُ إلا عند قَصْدِ هَتْك حرمة الشيء مقرونةً بالشروع فيها، والنَّاسي لم يَتَحقَّق فيه هذا القَصْد، فانتفى الإثم والمؤاخذة عنه شرعًا.
بينما ذهب المالكية إلى أنَّ من أكل أو شرب ناسيًا وهو صائمٌ صيام الفريضة فإنَّهُ يصير مفطرًا، ويلزمه القضاء شرعًا، مع وجوب الإمساك بقيَّةِ اليوم؛ مراعاةً لحرمةِ الوقت في شهر رمضان، وأمَّا إذا وقع النسيان في صيام النَّافْلة فيلزمه الإمساك بقيَّةِ اليوم، ولا قضاء عليه شرعًا.
وأكدت دار الإفتاء أنه لا قضاءَ ولا كفارة على من أكل أو شرب ناسيًا وهو صائم صيام فريضةٍ أو نافلة؛ لعموم ما ورد عن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه، أنَّ النبي صَلَّى الله عليه وآله وسَلَّم قال: «مَنْ أَكَلَ نَاسِيًا وَهُوَ صَائِمٌ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ» رواه البخاري، وفي رواية ابن خزيمة والحاكم: «مَنْ أَفْطَرَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ نَاسِيًا لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ»، وفي رواية الدارقطني: «إِذَا أَكَلَ الصَّائِمُ نَاسِيًا أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا فَإِنَّمَا هُوَ رِزْقٌ سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ».
وذكرت دار الإفتاء أن الحديث لم يُسَمِّ الأكل والشرب ناسيًا إفطارًا؛ وإنَّما سَمَّاهُ صومًا، وأَمَرَ النَّاسيَ بإتمامه، وأطلق على ذلك الطعام أو الشراب بِأَنَّهُ "رِزْقٌ سَاقَهُ اللَّهُ إِلَى الصائم"، فعُلِمَ من هذا أنَّه لم يُفْطِر.
أمَّا ما يتعلَّقُ بمن رأى صائمًا يأكل أو يشرب ناسيًا في نهار رمضان، أيُذكِّره أم لا -وهو محل السؤال- فهذه المسألة محل خلافٍ بين الفقهاء: فذهب الحنفية في ظاهر المذهب إلى أنَّهُ ينبغي على من رأى صائمًا يأكل أو يشرب ناسيًا أن يُذَكِّرَه؛ لا سِيَّمَا إذا كان الآكل ناسيًا باديًا عليه أمارةُ الصحةِ والقوةِ والقدرة على الصيام كالشاب؛ إذ الشباب أمارة القوة، وترك تذكيره حِينَئِذٍ مكروهٌ كراهةً تحريمية.
لكن إذا كان الصائم باديًا عليه أمارة الضعف أو المرض أو العجز عن الصيام كالشيخ الكبير أو المرأة العجوز، فإنَّهُ يَسَعُ من رآه تَرْكُ تذكيره دون إثم؛ إذ الشيخوخة مَظِنَّةُ الرحمة والتخفيف غالبًا، خاصةً وأنَّ أكلَه قد يقويه على سائر الطاعات، فما يفعله ناسيًا لا يُعَدُّ معصيةً يؤاخذ عليها شرعًا، وبالتالي فالسكوت عنه ليس من باب إقرار المنكر؛ إنَّما من باب الإعانة على الطاعة.

