رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

دفاع بلا تمويل: الاتحاد الأوروبي بين عجز الميزانية وتحدي الردع الروسي

أرشيفية
أرشيفية

يواجه الاتحاد الأوروبي اختبارًا حقيقيًا لتماسكه الداخلي بعد الكشف عن عجز الميزانية الحالية الممتدة حتى عام 2028 عن تقديم دعممالي مباشر للدول الأعضاء المتاخمة لروسيا، حسب صحيفة «بوليتيكو»؛ مما يضع دول البلطيق وبولندا وفنلندا في مواجهة منفردة معتداعيات اقتصادية حادة تتنوع بين انهيار قطاعات السياحة وتوقف سلاسل الإمداد.

وفي حين تسعى المفوضية الأوروبية إلى تقديم خطة تمويل بديلة تعتمد على تحفيز المؤسسات الدولية والقطاع الخاص، تظل هذه   المقاربة مجرد مسكنات مالية لا تلبي احتياجات هذه الدول المتضررة من العقوبات والنزاع في أوكرانيا.

أرشيفية
أرشيفية

كذلك، فإن الفجوة الزمنية حتى عام 2028 تعني أن المناطق الشرقية ستظل تعاني من تراجع الاستثمارات الأجنبية، بانتظار ميزانية السبعسنوات القادمة التي قد تعكس مطالبها الجيوسياسية، وهو رهان محفوف بالمخاطر في ظل عدم استقرار الأوضاع الميدانية.

وعلى الجانب الآخر، تعكس تصريحات رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، تحولًا في أولويات الإنفاق الأوروبي نحو اقتصادالحرب، مع التركيز على تفعيل بند الدفاع المشترك والاستثمار في تكنولوجيا الدرونز والذكاء الاصطناعي.

ويشير هذا التوجه إلى أن الاتحاد بصدد إعادة تعريف مفهوم الأمن؛ فبينما يفتقر إلى المال لدعم الاقتصادات المحلية المتعثرة في الشرق،فإنه يسعى إلى توجيه ما تبقى من موارد لبناء ترسانة تقنية عسكرية، مما يضع دول المواجهة بين مطرقة الاستنزاف الاقتصادي وسندانالطموح العسكري التكنولوجي.

أرشيفية
أرشيفية

هذه الفجوة المالية تضع مصداقية التضامن الأوروبي على المحك، حيث تجد بعض الدول نفسها مضطرة للمفاضلة بين الاستقرارالاقتصادي الداخلي والالتزامات الدفاعية القارية؛ مما يحول ملف ميزانية 2028 من مجرد أرقام حسابية إلى معركة وجودية لتحديد أولوياتالاتحاد في مواجهة التهديدات الروسية المتزايدة.

فخ الميزانية وتعليق الدعم

كشفت تقارير «بوليتيكو» عن عجز بنيوي في ميزانية الاتحاد الأوروبي الحالية، ويترك هذا المأزق دول البلطيق وبولندا وفنلندا في حالةانتظار قسري، حيث تقتصر استراتيجية المفوضية حاليًا على محاولة إقناع المؤسسات المالية الدولية بتقديم قروض ميسرة بدلًا من المنحالمباشرة.

وتشير التوقعات إلى أن الخطة التي ستعرضها المفوضية الأوروبية ستركز على تحفيز الاستثمار كبديل مؤقت، وهو ما يثير قلق العواصمالشرقية التي ترى في القروض عبئًا إضافيًا على ميزانياتها المتأزمة بالأساس.

تبدو البيروقراطية المالية في بروكسل مكبلة باتفاقات سابقة لا تستوعب المتغيرات الجيوسياسية المتسارعة التي فرضها النزاع في أوكرانيا،حيث أكد وزير الشؤون الأوروبية الليتواني، سيجتتاس ميتكوس، أن الرهان الحقيقي بات يتركز على مفاوضات ميزانية السبع سنوات  القادمة ما بعد 2028.

وتسعى هذه الدول إلى ضمان إدراج خصوصية الجغرافيا كبند ثابت في التوزيع المالي القادم، لضمان تعويضها عن دورها كحائط صددفاعي واقتصادي للقارة الأوروبية بأكملها.

الجغرافيا كعبء اقتصادي

تواجه دول خط المواجهة مع روسيا أزمة اقتصادية مركبة، حيث أدى القرب الجغرافي من ساحة الصراع إلى شلل شبه كامل في     قطاعات النقل والخدمات اللوجستية التي كانت تشكل عصب اقتصادها، بالإضافة إلى تراجع حاد في الاستثمارات الأجنبية، إذ يخشى رأس  المال العالمي المخاطر المرتبطة بالحدود الشرقية للاتحاد الأوروبي، مما أدى إلى تباطؤ معدلات النمو بشكل ملحوظ.

أرشيفية
أرشيفية

علاوة على ذلك، تلقت قطاعات السياحة في فنلندا ودول البلطيق ضربة قاصمة نتيجة توقف تدفق السياح الروس وارتفاع منسوب القلق لدى السياح الغربيين، ولم يقتصر هذا التراجع على المداخيل المباشرة، بل امتد ليضرب المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي كانت تعتمد  على حركة العبور والتجارة البينية، مما خلق فجوة اجتماعية واقتصادية بدأت تضغط على الحكومات المحلية.

وفي ظل غياب التمويل الأوروبي المباشر، تجد هذه الدول نفسها مضطرة إلى إعادة توجيه مواردها المحدودة لمواجهة أزمات التضخم وتراجعالقوة الشرائية، مع محاولة الحفاظ على جاذبيتها الاستثمارية.

هذا العجز المالي يضع استقرار الجبهة الشرقية على المحك، ويحوله من ملف اقتصادي تقني إلى معضلة أمنية قد تؤثر على التماسكالاجتماعي لهذه الدول في المدى المتوسط.

عقيدة الدرونز

في مقابل العجز عن دعم القطاعات المدنية، تتبنى رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين رؤية استراتيجية تمنح الأولوية القصوى لتعزيزالقدرات الدفاعية التكنولوجية، وتستند هذه الرؤية إلى دروس الميدان في أوكرانيا، حيث باتت الطائرات المسيرة والذكاء   الاصطناعي يستحوذان على نحو 80% من العمليات القتالية، مما يفرض تحولًا جذريًا في هوية الإنفاق الأوروبي القادم.

وتسعى المفوضية إلى إضفاء الطابع الرسمي على الاتفاقات الأمنية المشتركة، وتفعيل بند الدفاع المتبادل لضمان حماية المصالح الحيويةللدول الأعضاء، ما يعني أن السيولة المتاحة سيتم توجيهها لتطوير ترسانة عسكرية رقمية ومصانع للأسلحة المتطورة، في محاولة لتقليل الاعتماد التقني على القوى الخارجية وتعزيز السيادة الاستراتيجية للاتحاد.

أرشيفية
أرشيفية

التحول نحو اقتصاد الحرب الرقمي يضع الاتحاد الأوروبي أمام مفارقة صعبة؛ فبينما يتم الاستثمار بكثافة في سلاح المستقبل، تظلالاقتصادات التقليدية في الدول الحدودية تعاني من نقص التمويل. إن التركيز على المسيرات والذكاء الاصطناعي قد يوفر حماية  عسكرية طويلة الأمد، لكنه يترك تساؤلات مفتوحة حول كيفية معالجة الندوب الاقتصادية التي خلفتها الحرب في المجتمعات المحلية شرق القارة.

ختامًا:

أصبح الاتحاد الأوروبي أمام لحظة صدق استراتيجية؛ فالعجز عن ضخ أموال جديدة لدول النسق الشرقي قبل عام 2028 ليس مجرد  أزمة محاسبية، بل هو اختبار لجوهر التضامن الأوروبي. وبينما تراهن بروكسل على اقتصاد الحرب والذكاء الاصطناعي لضمان التفوقالعسكري بعيد المدى، تظل اقتصادات دول البلطيق وبولندا وفنلندا تواجه استنزافًا يوميًا يهدد استقرارها الداخلي.

كما ستحدد الفجوة الزمنية القادمة ما إذا كان الاتحاد قادرًا على ابتكار أدوات مالية مرنة تتجاوز بيروقراطية الميزانيات السبعية، أم أن  درع أوروبا الشرقي سيضطر إلى تحمل كلفة الجغرافيا وحيدًا حتى إشعار آخر.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء