طقوس البهجة.. «مدفع رمضان» أيقونة الفرح والتراث المصري المتجدد
ساعات تفصلنا عن أول مدفع إمساك في شهر رمضان المبارك لعام 2026، والذي يعلن عن ساعات الصيام والعبادة بداية من الفجر والصلاة وقراءة القرآن، وصولًا لمدفع الإفطار الذي يعلم الجميع بوجوب الفطار، وهنا تتجلى قدرة الله الذي يحلل الحلال ويحرم الحرام.
ينتظر الأطفال والكبار شهر رمضان لما فيه من طقوس وروحانيات تجعل القلب منشرح، وكأنها جرعة مسكن طويلة المدى تجعل المؤمن يعيش بها ويسكن آلامه حتى قرب موعده العام الذي يليه.
طقوس تراثية
ومن أهم الطقوس التراثية التي اعتاد عليها المصريين، هو مدفع رمضان الذي يعزف لحن من الذكريات والأحداث في نفوس الجميع، ويعتبر جزء من الهوية الرمضانية التي تتجدد مع مرور الأجيال، ويحتفظ المدفع بمكانته الخاصة، وكأنه رفيق زمني قديم لا يتخلى عن مهمته التي ابتدأها منذ مئات السنين.
مدفع الإفطار
وفي قلب القاهرة، وبالتحديد من قلعة صلاح الدين الأيوبي، من قلب المقطم، يوجد مدفع الإفطار والإمساك، الذي تسمع صوته وكأنه قنبلة تهز قلبك بالمشاعر والحنين والذكريات، بل وتحفر لنفسها في وجدانك بمجرد سماع كلمة "مدفع الإفطار"، حتى أصبح جزءًا أصيلًا من طقوس الشهر الكريم.
وبعد فترة من الإهدار والإهمال، خضع مدفع الإفطار لصيانة وتجهيزات ليستعيد شعبيته التي عود الجميع عليها مرة أخرى، حتى يظل الصوت المدوي لهذا المدفع رمزًا للفرحة والاحتفال الذي يعم الأجواء.
ترتسم الابتسامة على وجوه الكبير قبل الصغير عند سماعه، حيث استعادة الذكريات والحنين لذكريات الماضي، وبالنسبة للأطفال علامة على انتهاء يوم طويل من الصوم، ويرفع الكبار أكفهم داعين مع الإفطار، كأنهم يشاركون في لحظة من الزمن الفريد.
حقيقة المدفع
ظهر المدفع في الظهور لأول مرة في تاريخ مصر، إذ تذكر الروايات التاريخية أن القاهرة كانت أول مدينة في العالم العربي تعرف مدفع الإفطار، ففي عام 865 هـ، مع غروب أول يوم من رمضان، قرر السلطان المملوكي خشقدم أن يجرب مدفعًا جديدًا وصل إليه، وعندما أطلق المدفع في وقت المغرب بالضبط، اعتقد الناس أنه جاء لتنبيههم بأن وقت الإفطار قد حان، فخرجوا جماعات إلى مقر الحكم ليشكروا السلطان على هذه البدعة الحسنة التي استحدثها، عندها، قرر السلطان أن يواصل إطلاق المدفع يوميًا إيذانًا بموعد الإفطار، ولم يكتفِ بذلك، بل أضاف مدفعين آخرين، لتصبح عادة متجددة.
وهناك من يروي أن ظهور المدفع كان من قبيل الصدفة، ولم يكن له أي نية مسبقة، فحسب بعض الروايات، كان الجنود في عهد الخديوي إسماعيل يقومون بتنظيف أحد المدافع، وفجأة انطلقت قذيفة مدوية في سماء القاهرة، ليصادف توقيتها وقت أذان المغرب في أحد أيام رمضان، فظن الناس أن هذا هو تقليد جديد أطلقته الحكومة للإعلان عن وقت الإفطار، وهو ما دفعهم للحديث عن الأمر بحماس، وعندما علمت فاطمة، ابنة الخديوي إسماعيل، بما حدث، أعجبتها الفكرة، فأصدرت فرمانًا يقضي باستخدام المدفع عند الإفطار والإمساك وفي الأعياد الرسمية، لتصبح بذلك سنة جديدة في تاريخ مصر، هكذا تحول مدفع الإفطار من حادثة غير مقصودة إلى تقليد متأصل في الذاكرة الرمضانية للمصريين.
وظل المدفع ينطلق عبر السنين، وحتى الآن، فقط كإشارة إلى موعد الإفطار، بل كأيقونة من أيقونات رمضان التي تجلب البهجة والفرحة لكل بيت، وترتبط بمشاعر خاصة تجمع بين الأجيال، الذين يحيون هذا التقليد بكل حب.
وبين طقوس رمضان التي لا تتغير، يبقى مدفع الإفطار في مكانه بين التراث والمستقبل، وكأنه يروي حكاية القاهرة عبر الزمان، بل حكاية مصر بأسرها في لحظة يتجدد فيها الفرح مع كل انطلاقة للمدفع، ليظل مدفع رمضان منارة تضيء ليالي الشهر المبارك، رمزًا للفرحة، ونافذة مفتوحة على تاريخ طويل من العادات التي تحمل في طياتها لمسة من الأساطير والتقاليد التي أضحت جزءًا من هوية المصريين.

