رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

مصرفي: المصريون يضخون 14 تريليونا في البنوك... فلماذا يجوع القطاع الخاص؟

الدكتور عز الدين
الدكتور عز الدين حسنين الخبير المصرفي

قال الخبير المصرفي الدكتور عز الدين حسنين، إنه في الوقت الذي يردد فيه بعض المحللين نغمة "ضعف الادخار المحلي" كمبرر للاقتراض الخارجي، تكشف لغة الأرقام داخل أروقة الجهاز المصرفي المصري عن حقيقة مغايرة تمامًا. نحن لا نعاني من أزمة "كم" في المدخرات، بل نعاني من "أزمة تخصيص" حادة، وجهت ثروات المصريين إلى مسار واحد هو تمويل عجز الموازنة ومشروعات الحكومة.

وأوضح أنه لكي ندرك حجم الخلل، علينا النظر إلى هذه المفارقة: القطاع العائلي المصري هو "الممول الحقيقي" للدولة بمدخرات تتجاوز 8.4 تريليون جنيه، تمثل 60% من إجمالي الودائع في البنوك. ومع ذلك، لا يستفيد منه سوى مبلغ 1.26 تريليون جنيه، تمثل 15% فقط منها في شكل قروض تجزئة من البنوك. بينما الحكومة التي لا تودع سوى مبالغ محدودة، تسحب من الجهاز المصرفي أضعاف ما تضعه. في الجنيه المصري، تقترض الحكومة 3 أضعاف ودائعها، وفي الدولار تقترض الحكومة 6 أضعاف ما تودعه. نحن أمام وضع غريب: المواطن يودع، والبنك يقرض الحكومة، والنتيجة هي تجفيف سيولة القطاع الخاص الذي يمثل عصب التنمية.

أولاً: "تخمة" مدخرات لا ندرة فيها كما يدعي البعض

وأشار إلى أن البيانات الصادرة من البنك المركزي، في المجلد 65 (المجلة الاقتصادية) حتى مارس 2025، تثبت أن المصريين يثقون في جهازهم المصرفي، حيث قفزت الودائع بنسبة 107% في ثلاث سنوات فقط، لتصل إلى 14.32 تريليون جنيه. وتوزعت كما يلي: الادخار المحلي بلغ 10.66 تريليون جنيه، يساهم الأفراد (القطاع العائلي) بنحو 62% منها، بينما الادخار الأجنبي وصل إلى ما يعادل 3.65 تريليون جنيه، يمتلك الأفراد نصفها تقريبًا. هذه الأرقام تقول بوضوح: "الحصالة ممتلئة، لكن أين تذهب المفاتيح؟"

ثانيًا: "خطيئة التخصيص"... الحكومة أولًا والقطاع الخاص "على الرصيف"

وأوضح أن الأرقام تظهر انحيازًا تمويليًا كاملاً للمسار الحكومي على حساب الإنتاج الخاص. فالحكومة تلتهم 7.16 تريليون جنيه (بين قروض وأوراق مالية)، بنسبة 65.5% من إجمالي السيولة المحلية المتاحة، بينما يكتفي القطاع الخاص بـ 21% فقط. وفي جانب السيولة الأجنبية المتاحة، يزداد المشهد قسوة، حيث تستهلك الحكومة 80.6% من التمويلات الأجنبية، مقابل 14.5% فقط للقطاع الخاص.

وأشار إلى أن هذا "الزحام الحكومي" لم يحرم القطاع الخاص من المال فحسب، بل رفع تكلفته. فالمنافسة غير العادلة بين حكومة تقترض بأي سعر وبين مصنع يحسب تكاليفه، جعلت "سعر المال" في مصر من الأعلى عالميًا.

ثالثًا: تجفيف السيولة والاضطرار للاقتراض الخارجي

وأشار إلى أنه عندما تستهلك الحكومة 65% من السيولة المحلية و80% من السيولة الأجنبية، فإن المتبقي في "خزنة" البنك للقطاع الخاص يصبح ضئيلًا جدًا. هذه الندرة تجعل البنك يضع شروطًا أكثر تحفظًا ويطلب ضمانات إضافية، ويوجه الاقتراض إلى الشركات الكبرى، ويرفع الفائدة، لأن الطلبات لديه أكثر بكثير من السيولة المتبقية بعد "نهم" الحكومة للأموال. فعندما يتم توجيه معظم المدخرات المحلية (بما فيها الدولارية) للحكومة، يضطر القطاع الخاص للاقتراض من الخارج، أو تضطر الدولة للاقتراض الخارجي لسد "الفجوة" التي كان يمكن سدها محليًا لو أُحسن إدارة السيولة.

رابعًا: كيف ترفع الحكومة "تكلفة الأموال" على الجميع؟

وأكد أنه عندما تقترض الحكومة بفوائد تصل إلى 25%-30% كما حدث في بعض الأوقات (وهو ما يسمى بالعائد الخالي من المخاطر)، يضطر البنك لرفع الفائدة على المستثمر الخاص إلى مستويات تعجيزية لتعويض المخاطرة. وتكون النتيجة أن السيولة تجف، والمصانع تعاني، والتضخم يشتعل نتيجة تكلفة التمويل.

خامسًا: روشتة "الخروج الآمن"... كيف نعيد الحياة للقطاع الخاص دون التأثير على موازنة الحكومة؟

وأضاف أنه لا نقترح "صدمة" للموازنة، بل "هندسة" جديدة للسيولة من خلال الآتي:

تحويل الـ 5.11 تريليون جنيه (سندات وأذون حكومية لدى البنوك) إلى أدوات يتداولها الجمهور والصناديق، لتعود السيولة للبنوك مرة أخرى وتوجه للمصانع.

منح ميزات رقابية للبنوك التي ترفع حصة القطاع الخاص في محفظتها فوق 21% الموجهة للقطاع الخاص حاليًا.

توسيع طرح الأصول الحكومية لسداد الديون البنكية، مما يحرر "الأوكسجين التمويلي" للشركات الناشئة والكبرى.

وأضاف أن استمرار توجيه 80% من السيولة الأجنبية و65% من السيولة المحلية لجهة واحدة هي الحكومة هو "سوء إدارة لمحفظة مدخرات المصريين"، وليس نقصًا فيها. الحل يبدأ بالاعتراف بأن القطاع الخاص لا ينمو ليس لأنه ضعيف، بل لأن "الزحام الحكومي على التمويلات" لم يترك له مكانًا على مائدة التمويل. كما أن عندما تقترض الحكومة بالمليارات، فهي لا تأخذ المال فقط، بل ترفع "سعر المال" على الجميع. الحكومة هي المقترض الذي لا يهزمه أحد، وعندما تدفع هي فائدة مرتفعة، يضطر صاحب المصنع الصغير أن يدفع ضعفها أو يحرم من التمويل تمامًا لأن "كعكة السيولة" التهمتها الموازنة العامة. هذا هو ما نسميه "زحامًا" يحرم القطاع الخاص من الأوكسجين الذي يحتاجه للنمو.

وأكد أن الأرقام لا تجامل أحدًا، وهي تثبت بوضوح أننا نعيش حالة من "الانحياز التمويلي" المطلق الذي جعلنا استثناءً سلبيًا بين الاقتصادات الناشئة. فعندما ننظر إلى نسب الادخار المحلي من الناتج المحلي الإجمالي، نجد أن مصر تقف عند حدود 12% إلى 14%، وهي نسبة قد تبدو متواضعة إذا ما قورنت بدولة مثل الهند التي تصل نسبة ادخارها إلى 30% أو فيتنام التي تتخطى 25%. والمعدل العالمي للدول الناشئة يتراوح ما بين 25% إلى 30%. والمغرب وتونس تتراوح نسب الادخار لديهما ما بين 18% إلى 22%. ومع ذلك، فإن نصيب القطاع الخاص من الائتمان هناك أعلى بكثير مما هو عليه في مصر. لكن الأزمة الحقيقية ليست في "كمية" المدخرات، بل في "وجهتها".

وأشار إلى أنه في تلك الدول، يوجه الجزء الأكبر من هذه المدخرات ليكون وقودًا للإنتاج، حيث يحصل القطاع الخاص في المغرب أو فيتنام على تمويلات تعادل أحيانًا 60% إلى 80% من الناتج المحلي. بينما في مصر نجد مشهدًا معكوسًا تمامًا، فمن بين كل 100 دولار توظفها البنوك المصرية، تلتهم الموازنة العامة والمشروعات الحكومية 81 دولارًا، ولا يتبقى للصناعة سوى 14 دولارًا فقط. وفي كل 100 جنيه، يذهب 66 جنيهًا للحكومة، ولا يحصل القطاع الخاص سوى على 21 جنيهًا.

وأكد أن الحقيقة التي يجب أن نواجهها هي أننا أمام "خطيئة تخصيص". فبينما تحول الدول الناشئة مدخراتها المحدودة إلى "أصول منتجة" ترفع معدلات نموها فوق 6%، نحن نقوم "بتجميد" مدخرات المصريين في سندات وأذون خزانة لسد عجز الموازنة. نحن لا نحتاج للاقتراض الخارجي الجديد بقدر ما نحتاج إلى ثورة في إعادة توزيع هذه السيولة. فالمشكلة لم تكن يومًا في ندرة الادخار، بل في أننا سحبنا "أوكسجين التمويل" من رئتي القطاع الخاص لنضخه في عروق الدين العام، وهذا هو الفارق الجوهري بين اقتصاد ينمو بالإنتاج وآخر يعاني تحت حمل الديون.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء