سهام جودة: لا تقييد لحرية التعبير إلا بحكم قضائي وفي أضيق الحدود| حوار
في ظل المشهد الإعلامي المتسارع والتحولات التكنولوجية التي تشهدها وسائل الإعلام التقليدية والرقمية، يظل موضوع حرية الصحافة وضوابط العمل الإعلامي من أكثر الملفات حساسية وتعقيداً، وتتزايد الحاجة إلى مناقشة هذه المسألة بعناية، لما لها من تأثير مباشر على دور الإعلام في تعزيز الشفافية وكشف الفساد وحماية الحقوق العامة والخاصة في المجتمع.
وفي هذا السياق، جري حوارًا موسعًا مع سهام جودة، مدير المكتب الإعلامي لحزب مصر 2000، للوقوف على رؤيتها حول التوازن بين الحرية الصحفية والتنظيم المهني، في ضوء التطورات الحديثة وأهمية وضع أطر واضحة لممارسة الإعلام بشكل مهني، وتناول الحوار جوانب متعددة، من حماية الحقوق الفردية إلى الضوابط المهنية والالتزام الأخلاقي، مرورًا بتأثير التكنولوجيا على الأداء الإعلامي، وصولاً إلى التحديات القانونية التي تواجه الصحفيين في ظل التوسع الرقمي للمحتوى الإعلامي.
وفي هذا الإطار، تؤكد سهام جودة، مدير المكتب الإعلامي لحزب مصر 2000، أن حرية الصحافة تمثل حجر الزاوية لأي مجتمع ديمقراطي، وتشدد على أن الصحافة ليست مجرد نقل للأحداث، بل وسيلة أساسية لكشف التجاوزات وتعزيز الشفافية والمساءلة، وأن أي محاولة لتقييد الصحافة ستواجه بالرفض، لأن الإعلام الحق هو عين الرقابة على الأداء العام، ويجب أن يُمارس ضمن أطر مهنية واضحة تحمي الحقوق العامة والخاصة.
لماذا يُعد اشتراط موافقة الأفراد قبل التصوير عائقاً أمام العمل الصحفي؟
النقاش حول حرية الإعلام وضوابط التصوير في الأماكن العامة ليس مجرد مسألة حرية، بل يتعلق بالخصوصية وحماية المجتمع من الممارسات غير المهنية، والتسجيل الإعلامي عادةً يكون معلنًا، وأن الشخصيات العامة في الأماكن العامة تدرك أن الإعلام جزء من المشهد، فلا يمكن توقع موافقة كل فرد قبل تصويره، إذ إن ذلك يحد من قدرة الصحفيين على توثيق الأحداث بشكل حي ودقيق.
ماهو دور المعايير المهنية في حماية خصوصية الأفراد أثناء التغطيات الحساسة؟
الضوابط التنظيمية يجب أن تركز على حماية حقوق الأفراد دون المساس بحق الصحافة في أداء دورها الرقابي، فهناك نماذج عملية تُظهر التزام الإعلاميين بالمعايير المهنية، مثل حالات تغطية المناسبات الاجتماعية الحساسة، حيث يتم الالتزام بالتعليمات دون الإخلال بحرية الصحافة أو جودة التغطية الإعلامية.
متى يجوز قانوناً فرض رقابة على وسائل الإعلام وفقاً للدستور والالتزامات الدولية؟
الدستور والقوانين الحديثة تكفل حرية الفكر والتعبير بجميع الوسائل، بما في ذلك الوسائل البصرية، وتمنع فرض رقابة على وسائل الإعلام إلا في حالات محددة واستثنائية وبحكم قضائي، وأي قيود على ممارسة الحق في التعبير يجب أن تكون محدودة، ومرتبطة بمبدأ الضرورة والتناسب، دون المساس بجوهر الحق أو تعطيله، والالتزامات الدولية لمصر، والتي تكفل حرية التعبير وتداول المعلومات، بما في ذلك الحق في الحصول على المعلومات ونقلها بحرية، وأي قيود على هذا الحق يجب أن تكون واضحة، محددة، وضرورية لتحقيق هدف مشروع.
كيف يسهم تصوير المواطنين للأحداث في تعزيز المساءلة والرقابة على الأداء العام؟
إن توثيق المواطنين للأحداث عبر الهواتف المحمولة أو الوسائط الرقمية أصبح أداة أساسية للمساءلة والرقابة على الأداء العام، سواء في قضايا الفساد أو المخالفات أو الأحداث الطارئة، وأي اشتراط للحصول على إذن مسبق للتصوير في الأماكن العامة يقيد هذا الحق ويحد من قدرة المجتمع على متابعة الشأن العام وكشف الانتهاكات، مما يتعارض مع مبدأ الشفافية والمسؤولية العامة.
لماذا تُعد المحاسبة الداخلية للنقابات وسيلة أنجع لضبط الإعلام من الرقابة المسبقة؟
القواعد المهنية والمواثيق الداخلية للنقابات والمؤسسات الإعلامية تمثل الضمان الحقيقي لضبط الأداء الإعلامي، والمبادرات المهنية السابقة لتطوير ميثاق شرف صحفي يراعي التطورات التكنولوجية، ويضع ضوابط واضحة لحماية الحياة الخاصة، وتنظيم التعامل مع المحتوى الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي.
وأن المحاسبة الداخلية عبر لجان التحقيق والتأديب هي الوسيلة الأنجح لضمان الالتزام بالقواعد المهنية، وليست التشريعات العامة أو الرقابة المسبقة،
فالضبط المهني الحقيقي يتحقق من خلال أدوات المساءلة، وليس عبر اشتراطات إدارية.
كيف تحول التكنولوجيا إلى فرصة لتطوير المهنية وكشف التجاوزات؟
التطورات التكنولوجية الحديثة خلقت حالة من السيولة في أساليب العمل الإعلامي، لكنها تشكل فرصة لتعزيز المهنية والالتزام بالمعايير الأخلاقية، فالصحافة المعاصرة قادرة على مواكبة المستجدات الرقمية باستخدام أدوات متطورة للتصوير والنشر، مع الحفاظ على جودة العمل الصحفي ودوره الرقابي في كشف التجاوزات.
ما هي البدائل التشريعية التي تضمن حماية الخصوصية دون تقييد حرية تداول المعلومات؟
إن معالجة أي إشكاليات تنظيمية لا تكون بفرض قيود عامة، بل عبر مسارين متوازيين:
- تفعيل القوانين القائمة التي تجرم انتهاك حرمة الحياة الخاصة والتشهير، لمعالجة التجاوزات الفردية.
- إصدار قوانين متكاملة لتداول المعلومات، لتحقيق التوازن بين حماية الحقوق وحق المجتمع في الوصول إلى المعلومات، دون المساس بحرية التعبير.
- تعزيز حرية الصحافة والإعلام في تناول القضايا العامة، مع تطوير منظومة قانونية تحرر الإعلام من القيود المفروضة عليه.
لماذا يُعد الحوار المجتمعي شرطا أساسيا لضمان عدم تحول التشريعات الإعلامية لأداة لتقييد التعبير؟
إن أهمية المشاورات المجتمعية الواسعة قبل إصدار أي تعديلات تشريعية، تشمل الإعلاميين والمؤسسات الرسمية والمجتمع المدني، لضمان صياغة تشريعات تحافظ على حرية العمل الصحفي وتعزز الشفافية، وتحمي الحق في المعرفة، الحوار المجتمعي يضمن أن تصبح السياسات التنظيمية خادمة للحق العام، لا أداة لتقييد التعبير أو فرض رقابة مسبقة.
وأن حرية الصحافة والتعبير هي حجر الزاوية لأي مجتمع متوازن، وأن الصحافة المهنية الحرة والمنظمة وفق الأطر القانونية والأخلاقية هي الضمانة الحقيقية لمجتمع واعٍ ومسئول، فالتحدي الحقيقي يكمن في إيجاد صياغة قانونية متوازنة تدعم حرية الإعلام وتحمي المجتمع في الوقت نفسه، مع استثمار التطورات التكنولوجية لتعزيز الالتزام الأخلاقي والمهنية الإعلامية، وهو ما يضمن استمرار الصحافة كأداة رقابية فعالة ورافعة للتنمية المجتمعية.

