رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت
عمرو فاروق- باحث
عمرو فاروق- باحث في شؤون الجماعات الأصولية والأمن الإقليمي

 

ربط الكثير قرار العفو الرئاسي عن الناشط علاء عبد الفتاح، المصري البريطاني، بإعلان المملكة المتحدة، الاعتراف بدولة فلسطين، في إطار حالة التوافق بين الجانبين المصري والبريطاني في العديد من الملفات على المستوى الإقليمي والدولي.

مرت المرحلة الأخيرة بحالة من التوترات والتصعيد الدبلوماسي والأمني بين القاهرة ولندن على خلفية محاصرة السفارات في الخارج، وتداعيات القبض على عدد من الشباب المصري خلال محاولاتهم حماية السفارة المصرية في لندن من الاعتداءات الإخوانية في إطار الهجمة الشرسة التي قادها التنظيم الدولي لتبيض وجه الكيان الصهيوني من جرائمه ضد مواطني قطاع غزة، وسعيه في تصفية القضية الفلسطينية من جذورها، وتكريس واقع انعدام فكرة قيام الدولتين.

حالة التصعيد بين الجانبين انتهت وفق "دبلوماسية الأبواب الخلفية"، والإفراج عن الشباب المصري، ومن ثم ربما جاء قرار القاهرة بالإفراج عن الناشط علاء عبد الفتاح، في إطار تقديم حسن النوايا من قبل القيادة السياسية، لا سيما أن القاهرة اتخذت موقفًا حازمًا ضد محاولات التدخل الأوروبي في قرارتها وأوضاعها الداخلية. 

 

الناشط علاء عبد الفتاح
الناشط علاء عبد الفتاح

الربط بين الإفراج عن علاء عبد الفتاح والاعتراف بالدولة الفلسطينية، لا يمثل سوى مزحة لا ترقى أن نعيرها اهتمامًا، في ظل التحولات التي تشهدها السياسة البريطانية، تجاه القضية الفلسطينية، وارتباطها بالمشروع التوسعي لإعادة الهيمنة البريطانية على منطقة الشرق الأوسط، واستعادة الإرث التاريخي، وتبني سياسات مختلفة عن واشنطن، لاسيما فيما يخص دعمها الغير محدود للكيان الصهيوني.

رغم أن الأروقة السياسية في لندن تشهد تبني مشروعًا جديدًا يرفع لافتة "بريطانيا العالمية" كـ "قوة عالمية"، قادرة على استعادة دورها وتعويض خسائرها اقتصاديًا وتجاريًا في الشرق الأوسط ويقيم توازناتها وعلاقتها مع دول الخليج، ويكرس لسياسة دبلوماسية رصينة ومستقلة عن التكتل الأوروبي، والتأثير في القضايا العالمية، فإنها لم تبتعد عن كونها مجرد "ظل الولايات المتحدة" في المنطقة في إطار إعادة ترتيب الأدوار لحفظ المصالح السياسية.

يضع صناع القرار السياسي البريطاني في مقدمة أولوياته منذ التخارج من دائرة الاتحاد الأوروبي "بريكست" ضرورة انتهاج سـياسـة خارجية أكثر توافقية، تستهدف "تصفير الأزمات" في الشرق الأوسط، لإعادة التموضـع السـياسي والاسـتراتيجي، وضمان توسيع مساحة النفوذ وخلق الفرص الاقتصادية، وسـد الثغرات.

اعتراف بريطانيا بحل الدولتين يمثل بداية منطقية لإعادة الاعتبار لوجودها بشـكل أكثر فاعلية من خلال إقامة علاقات تجارية مع دول منطقة الشرق الأوسـط على مستوى الأمن والتعاون الاستخباراتي والعسكري، ولا يخرج عن طور تبيض وجهها من اتفاقية "سايكس – بيكو"، 1916،  و"وعد بلفور" عام 1917، في أحقية بناء وطن يهودي على الأراضي الفلسطينية، فضلًا عن أنه مجرد حلقة في  اســـتراتيجيـة تبـادل الأدوار والتكامل مع تحركات الإدارة الأمريكية التي بدأت فعليا في إطار تغيير سياستها نحو التقشف والانكماش الميداني، في مقابل المزيد من التحرك والنشاط الدبلوماسي والأمني والاســـتخباراتي. 

السردية التاريخية للإدارة البريطانية في توظيف "القوة الناعمة" تدفعها بلا تردد في مغازلة العقلية العربية من خلال تغيير مواقفها ظاهريًا تجاه القضية الفلسطينية، لكسب المزيد من النفوذ المادي واللوجستي والعسكري، في إطار احتلال وملأ الفراغ الناتج عن تراجع الدور الأمريكي، وخلق البديل المناسب، تخوفًا من تفاقم الصراع الجيوسياسي، وصعود القوى المنافسة الغير مرغوب في تمددها مثل روسيا والصين وفرنسا في عمق منطقة الشرق الأوسط.

في إطار طرح مفهوم "الدولة البديلة"، في عملية تخارج الولايات المتحدة الأمريكية من منطقة الشرق الأوسط، وانسحاب القوة المهيمنة من النظام الإقليمي، واستبدالها بقوة أخرى للسيطرة على الوضع الجيوسياسي، قدمت الإدارة البريطانية مراجعة متعلقة بالأمن والدفاع والسياسة الخارجية، تحت مسمى " بريطانيا العالمية في عصر تنافسي"، والتي انطلقت من الاعتماد على الصراعات الإقليمية والموارد الهائلة للطاقة، وذلك عقب الانسحاب النهائي من الاتحاد الأوروبي في عام 2019، حيث كثفت بريطانيا اهتمامها بمنطقة الخليج، على اعتباره إحدى أهم اللاعبين الرئيسيين على صعيد تحديد إطار الصراعات في المنطقة، ومن ثم فإن ضمان إقامة العلاقات العميقة مع دول الخليج يسهم في توسيع النفوذ البريطاني في منطقة الشرق الأوسط، ما دفع لندن، لعقد استثمارات عسكرية كبيرة مع الإمارات، والمملكة السعودية.

اعتراف بريطانيا بحل الدولتين، لم يمنعها من إعلان رفض وجود حماس وفصائل المقاومة في "اليوم التالي" لإدارة الدولة الفلسطينية، على مستوى السياسي أو العسكري أو الاجتماعي، وسحب نفسها من أي ترتيبات مستقبلية لحكم القطاع، مع التأكيد على أحقية إسرائيل في الدفاع عن نفسها، في محاولة لتهدأت اللوبي اليهودي البريطاني، الذي دعي إلى اجتماعات عاجلة مع الحكومة لتوضح الموقف النهائي، في ظل قيام 40 عضوًا من مجلس اللوردات بتوجيه تحذير للمدعي العام البريطاني بأن الاعتراف بدولة فلسطين يتعارض مع القانون الدولي.

المؤشرات والتحولات الداخلية في السياسة البريطانية تقع بين القبول المحلي والرفض الخارجي، لا سيما في ظل ضغوط حزب العمال الذي ينتمي إليه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، وقيام ما يزيد على 220 عضوًا برلمانيا- يمثلون تسعة أحزاب، نصفهم ينتمي لحزب العمال، بالتوقيع على رسالة تدعو إلى الاعتراف بدولة فلسطين.

رغم أهمية قرار الاعتراف الرسمي بالدولة الفلسطينية من قبل 150 دولة، فإن التخوفات تتمثل في توظيف القرار كتبرير في المزيد من الانتقام من الشعب الفلسطيني، وتدمير ما تبقى من قطاع غزة، بجانب التوسع في الاستيطان بالضفة الغربية وضمها إلى الدولة الإسرائيلية. 

عمرو فاروق *

كاتب مصري وباحث في شؤن الجماعات الأصولية وقضايا الأمن الإقليمي

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء