من بلفور إلى ستارمر.. هل تُصحح بريطانيا خطيئتها الكبرى؟ | صور
منذ أكثر من قرن ارتبط اسم بريطانيا بخطيئة كبرى عندما وعد إذ ارتبط اسمها تاريخيًا بوعد بلفور الصادر عام 1917، وهو الوعد الذي اعتُبر الأساس لزرع المشروع الصهيوني في فلسطين.
بريطانيا منحت فلسطين للإسرائيليين
هذا الوعد، الذي جاء في رسالة وزير الخارجية البريطاني آرثر بلفور إلى اللورد روتشيلد، تعهّد بإقامة "وطن قومي لليهود في فلسطين"، متجاهلًا الحقوق السياسية للشعب الفلسطيني الذي كان يشكل الغالبية الساحقة آنذاك.
ومنذ ذلك التاريخ، ارتبطت بريطانيا في الذاكرة الفلسطينية والعربية بأنها الطرف الذي منح الشرعية السياسية للمشروع الاستيطاني.

لندن كانت الراعي للهجرة اليهودية
مع خضوع فلسطين للانتداب البريطاني بعد الحرب العالمية الأولى، لعبت لندن دور "الراعي" للهجرة اليهودية، إذ وفّرت الغطاء القانوني والعسكري لانتقال عشرات الآلاف من اليهود الأوروبيين إلى الأراضي الفلسطينية.
ورافق ذلك قمع متواصل للثورات الفلسطينية، أبرزها ثورة 1936–1939 التي واجهتها القوات البريطانية بالعنف المفرط، وأسهمت في إضعاف الحركة الوطنية.
ورغم محاولات بريطانيا المتأخرة للحد من الهجرة بعد تصاعد الصراع، فإن الأرضية كانت قد تهيأت لإعلان قيام إسرائيل عام 1948، الذي شكّل نكبة للشعب الفلسطيني وتشريد مئات الآلاف من ديارهم.

منذ ذلك الحين، ظلّ الموقف البريطاني متأرجحًا بين دعم إسرائيل كحليف غربي استراتيجي، وبين التمسك بمبدأ "حل الدولتين" دون خطوات ملموسة لدعم قيام دولة فلسطينية.
الحكومات البريطانية المتعاقبة، سواء بقيادة المحافظين أو حزب العمال، ظلت تكتفي ببيانات دبلوماسية عامة حول "حق الفلسطينيين في تقرير المصير"، دون اتخاذ قرار يعادل الثقل التاريخي لمسؤوليتها.
على مدى العقود، شاركت بريطانيا في جهود الوساطة الدولية، خصوصًا عبر الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، لكنها بقيت مترددة في الاعتراف بالدولة الفلسطينية. وفي حين اعترفت أكثر من 150 دولة بفلسطين، ظلت لندن تراهن على مفاوضات ثنائية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، رغم تعثرها المستمر بفعل الاستيطان والرفض الإسرائيلي.
بريطانيا تعترف بدولة فلسطين
التحول المفصلي جاء في سبتمبر 2025، عندما أعلن رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، اعتراف حكومته بدولة فلسطين، هذا القرار عُدّ تاريخيًا لأنه جاء بعد أكثر من قرن من وعد بلفور، وكأنه محاولة متأخرة لتصحيح خطأ تاريخي.
ستارمر برر القرار بأنه ضرورة "لتحقيق العدالة والسلام العادل"، وأكد أن الاعتراف لا يتعارض مع أمن إسرائيل بل يسعى لتسوية شاملة.
خطوة ستارمر قوبلت بترحيب واسع في العالم العربي والإسلامي، واعتُبرت نقلة نوعية في الموقف البريطاني الرسمي. أما إسرائيل، فقد عبرت عن غضبها الشديد، واعتبرت الاعتراف "طعنة في الظهر"، خصوصًا أنه جاء من دولة كانت من أوائل داعميها.

داخليًا، أثار القرار جدلاً في الأوساط السياسية والإعلامية البريطانية، لكنه حظي بدعم جزء كبير من الرأي العام الذي بات أكثر وعيًا بالمأساة الفلسطينية بعد سنوات من الحروب في غزة والضفة.
المسافة بين وعد بلفور واعتراف ستارمر تختصر قرنًا من التناقضات في السياسة البريطانية تجاه فلسطين، من دور "المؤسس" للمأساة عام 1917، إلى دور "المصحح" جزئيًا في 2025.
ورغم أن الاعتراف لا يمحو خطيئة الماضي، فإنه يمثل بداية جديدة قد تدفع بقية الدول الغربية المترددة إلى اتخاذ خطوة مماثلة، بما يعزز فرص إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.


