نهاية الرقابة النووية: موسكو وواشنطن في سباق تسلح بلا قيود
دخل الصراع الروسي-الأمريكي مرحلة جديدة، بإعلان موسكو اليوم الانتهاء الرسمي لمعاهدة "ستارت"، إذ أفادت الخارجية الروسية بانقضاء أمد المعاهدة الممددة منذ 2021، موجهة اتهامات مباشرة لواشنطن بزعزعة استقرار الدفاع الصاروخي والإخلال بالتوازن بين الأسلحة الهجومية والدفاعية.
هذا الانهيار ينهي عقدًا ونصف من الرقابة المتبادلة، حيث وُقعت في أبريل 2010 ودخلت حيز التنفيذ في 5 فبراير 2011، ثم مُددت لخمس سنوات في فبراير 2021؛ مما يفتح الباب أمام إجراءات تعويضية روسية، ردًا على ما اعتبرته خروقات أمريكية غير شرعية ومواقف عدائية أدت في النهاية إلى عدم تمديد الاتفاقية.
بموجب انتهاء "نيو ستارت" أصبحت الترسانتان النوويتان الأمريكية والروسية خارج نطاق القيود القانونية لأول مرة منذ عام 1972، ورغم أن الكرملين أبقى الباب مواربًا حين اكتفى بتعليق مشاركته في ديسمبر 2022، إلا أن مساعي إيجاد بديل باءت بالفشل نتيجة الربط الروسي بين ملف التسلح وحرب الوكالة مع الناتو في أوكرانيا.

وكانت قمة ألاسكا المنعقدة في 15 أغسطس الماضي، كشفت عن رغبة موسكو في العودة إلى ترتيبات الأمن التي سادت حقبة الحرب الباردة، بما في ذلك إحياء معاهدة الصواريخ متوسطة المدى التي انسحبت منها واشنطن أحاديًا عام 2019، ورغم الانفتاح المشوب بالحذر من إدارة ترامب على محادثات "بلا شروط مسبقة"، إلا أن تباين المواقف بين الطرفين وازدياد التصلب الاستراتيجي بين الشرق والغرب جعل من محاولات إحياء اتفاقيات حقبة السبعينيات مهمة شاقة، لتظل المواجهة النووية محكومة بالغموض بدلاً من المعاهدات الملزمة.
السقوط التاريخي
يمثل انتهاء "نيو ستارت" رسميًا سقوط آخر جدار في الحد من التسلح، حيث يجد العالم نفسه لأول مرة منذ عام 1972 بلا نظام يحكم القوى النووية الكبرى. هذا الفراغ القانوني يعني إلغاء السقوف العددية للرؤوس النووية المنشورة، مما يمنح واشنطن وموسكو الحرية الكاملة في توسيع ترساناتهما دون رقابة دولية أو قيود ملزمة.

وتكمن الخطورة التقنية في غياب بروتوكولات التحقق والتفتيش الميداني التي كانت تمنح الطرفين قدرًا من الطمأنينة الاستراتيجية؛ فبدون تبادل البيانات والزيارات الموقعية، سينتقل الطرفان من الثقة المبنية على التحقق إلى الشكوك المبنية على التخمين، مما يحول أي تحديث تقني في الصوامع النووية إلى نذير حرب في نظر الطرف الآخر.

الصراعات الميدانية
انتقل الملف النووي من مسار أمني مستقل يهدف لحماية البشرية إلى ورقة مقايضة سياسية في خضم الصراع الميداني في أوكرانيا. موسكو أعلنت صراحة أن العودة لطاولة المفاوضات مستحيلة في ظل ما تراه حرب وكالة يقودها الناتو، رابطةً بذلك الأمن الاستراتيجي العالمي بتسوية النزاعات الإقليمية، وهو ما يعقد مهمة الدبلوماسيين الذين يفضلون فصل النووي عن السياسي.
من جهة أخرى، تبدو إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في موقف متذبذب؛ فهي تحاول الموازنة بين إرث الانسحابات الأحادية في الولاية الأولى وبين الانفتاح الحالي على محادثات بلا شروط مسبقة. هذا التردد الأمريكي، يقابله تصلب روسي يرى في الترسانة النووية أداته الوحيدة لفرض قواعد لعبة جديدة تنهي التوسع الغربي في مناطق نفوذ الكرملين التقليدية.
الأكيد، أن تحلل القوى العظمى من التزاماتها بموجب "نيو ستارت" يوجه ضربة قاضية لمعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، فعندما تفشل الدول النووية الكبرى في الوفاء بتعهداتها بالحد من ترساناتها، تفقد الحجج الأخلاقية والقانونية لمنع الدول الأخرى من السعي لامتلاك السلاح النووي، مما قد يشجع دولاً إقليمية في الشرق الأوسط وآسيا على السعي وراء الخيار الذري لحماية أمنها.

ما سبق يعني أن العالم بدلاً من وجود قطبين به ينظمان المشهد النووي، قد يتحول إلى شبكة معقدة من القوى النووية الصغيرة والمتوسطة التي لا تلتزم بأي خطوط حمراء، مما يجعل السيطرة على انتشار التكنولوجيا النووية أو منع وصولها لجهات غير حكومية أمراً شبه مستحيل.
الاستقرار البارد
تعكس مطالبة الكرملين بالعودة إلى ترتيبات الأمن التي سادت الحرب الباردة، ورغبته في إحياء معاهدة الصواريخ متوسطة المدى حنيناً إلى نظام القطبية الثنائية الواضح؛ فموسكو ترى في تلك الحقبة تقديراً لمكانتها كقطب موازٍ للولايات المتحدة، حيث كانت الخطوط الحمراء مرسومة بدقة، والاتفاقيات تضمن توزيعاً عادلاً لمناطق النفوذ العالمي.
إلا أن محاولة استنساخ اتفاقيات السبعينيات في عام 2026 تصطدم بواقع جيوسياسي شديد التعقيد، حيث لم يعد العالم ثنائياً بوجود قوى نووية صاعدة مثل الصين، فلم تعد صيغة واشنطن-موسكو القديمة كافية لضبط التوازن العالمي في ظل القفزة النووية الصينية الهائلة.

فبينما كانت الاتفاقية تقيد القطبين التقليديين، كانت بكين تمضي في تحديث ترسانتها وبناء صوامع صواريخ جديدة بعيداً عن أي رقابة دولية؛ وهو ما دفع واشنطن للإصرار على إشراك الصين في أي اتفاق بديل، معتبرة أن تقييد الترسانة الأمريكية أمام تحرر الترسانة الصينية والروسية معاً يمثل انتحاراً استراتيجيًا.
هذا التحول من القطبية الثنائية إلى المثلث النووي يعقد حسابات الردع بشكل غير مسبوق؛ حيث يواجه مخططو الاستراتيجيات في واشنطن معضلة بناء ترسانة قادرة على مواجهة خصمين نوويين في آن واحد، وهو ما يغذي سباق تسلح ثلاثي الأبعاد.

ومع رفض بكين الانضمام لأي محادثات تقيد قدراتها قبل أن تصل لمستوى المساواة مع القوى العظمى، يصبح العالم أمام "فوضى نووية" تفتقر حتى الآن لآلية تواصل ثلاثية تمنع الانزلاق نحو مواجهة نووية.
ختامًا:
الانتهاء الرسمي لمعاهدة "نيو ستارت" لا يمثل مجرد إغلاق لملف قانوني، بل هو إعلان عن دخول العالم منطقة رمادية، إذ يقف النظام الدولي الحالي على مفترق طرق تاريخي؛ فإما المضي قدماً نحو سباق تسلح مفتوح يستنزف الاقتصادات ويهدد الوجود البشري، وإما ابتكار هندسة أمنية جديدة تتجاوز إرث الحرب الباردة لتشمل فاعلين جدد مثل الصين وتقنيات حديثة مثل الذكاء الاصطناعي.
في نهاية المطاف، يبقى الأمل معلقاً على ما تسفر عنه التفاهمات خلف الأبواب المغلقة والقمم الاستراتيجية، حيث قد تدرك القوى العظمى أن الردع بالمعاهدات رغم تعقيده، يبقى أقل كلفة بكثير من الردع بالمواجهة.
دعاء إمام*



