رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

بريطانيا بين بكين وطوكيو: دبلوماسية التوازن في زمن الاستقطاب الأمريكي

العلاقات الصينية
العلاقات الصينية البريطانية

يتوجه رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، إلى العاصمة الصينية بكين، في أول زيارة رسمية لزعيم بريطاني منذ عام 2018، حاملًا معه أجندة اقتصادية تهدف إلى إعادة ضبط العلاقات مع ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وبعدها يصل ستارمر إلى محطة استراتيجية أخرى في اليابان؛ وذلك بعد أيام قليلة من منح لندن الضوء الأخضر لبناء سفارة صينية ضخمة في لندن، وهو قرار اعتُبر بمثابة تمهيد دبلوماسي لإنهاء سنوات من الفتور وإحياء مجلس الرؤساء التنفيذيين البريطاني-الصيني بمشاركة عمالقة الصناعة.

وتكتسب هذه الجولة الآسيوية أبعادًا جيوسياسية حادة، إذ تأتي في وقت يتصاعد فيه التوتر التجاري بين واشنطن وبروكسل، مما يدفع لندن للبحث عن منافذ جديدة بعيدًا عن الضغوط الأمريكية وقيود الاتحاد الأوروبي. وبينما يحاول ستارمر تسويق رؤيته التي توازن بين المصالح التجارية والمخاوف الأمنية، تظل زيارته تحت مجهر الحلفاء الغربيين، الذين يترقبون مدى قدرة لندن على انتزاع مكاسب اقتصادية دون تقديم تنازلات سيادية في ملفات حقوق الإنسان والأمن السيبراني الحساسة.

كير ستارمر
كير ستارمر

  الضبط الاقتصادي

تضع حكومة كير ستارمر الرهان الاقتصادي في مقدمة أولويات هذه الزيارة، إذ تسعى لندن لانتشال اقتصادها من حالة الركود عبر إحياء قنوات التجارة مع الصين، لا سيما أن القطيعة التي دامت لسنوات لم تخدم المصالح البريطانية، بل أدت إلى تراجع حصة الشركات الوطنية في واحدة من أكبر الأسواق الاستهلاكية عالميًا، مما يجعل إعادة الضبط ضرورة لا خيارًا.

وترافق ستارمر بعثة تجارية رفيعة تضم رؤساء شركات كبرى في قطاعات التمويل والطاقة والتكنولوجيا الحيوية، بهدف إعادة تفعيل حوار الأعمال الذي توقف طويلًا، حيث تسعى لندن من خلال هذه اللقاءات إلى تأمين تدفقات استثمارية جديدة، خاصة في مشاريع التحول الأخضر والبنية التحتية، وهي القطاعات التي تعول عليها الحكومة لتحقيق وعودها الانتخابية بالنمو.

الرئيس الصيني - شي جين بينغ
الرئيس الصيني - شي جين بينغ

ومع ذلك، يواجه هذا الاندفاع الاقتصادي تحديات تتعلق بسلاسل التوريد وحماية التكنولوجيا البريطانية من الاستنساخ أو النقل القسري، وتعمل وزارة التجارة البريطانية على صياغة اتفاقيات تضمن الانفتاح التجاري، مع الحفاظ على آليات تدقيق صارمة تمنع الصين من الهيمنة على مفاصل حيوية في الاقتصاد البريطاني تحت غطاء الاستثمار المباشر. 

موازنة الأطلسي

في ظل حالة الترقب الأمريكية-البريطانية، خاصة مع التوجهات الحمائية الصارمة لواشنطن، تحاول لندن بهذا التحرك إرسال رسالة مفادها أنها تمتلك استقلالية استراتيجية تسمح لها بتغليب مصالحها الوطنية عندما تتعارض مع الرؤية الأمريكية التصادمية تجاه بكين.

تحاول الإدارة البريطانية استغلال الفجوة التجارية بين ضفتي الأطلسي، حيث تجد لندن نفسها متضررة من الرسوم الجمركية الأمريكية بقدر تضررها من التوترات مع الصين، ومن هنا يبرز التوجه نحو بكين كمحاولة لخلق توازن قوى يمنع تحول المملكة المتحدة إلى مجرد تابع للسياسات التجارية التي تمليها الإدارة الأمريكية الحالية.

بالمقابل، تدرك لندن أن السير في هذا المسار محفوف بالمخاطر، حيث قد تثير هذه الزيارة حفيظة صقور واشنطن الذين يطالبون حلفاءهم بفك الارتباط الاقتصادي مع الصين، ولذلك يحرص ستارمر على تغليف خطابه بمصطلحات الواقعية التقدمية، التي تؤكد على التعاون في القضايا العالمية مثل التغير المناخي، مع الحفاظ على مسافة أمنية كافية في الملفات العسكرية.

العلاقات الصينية البريطانية 
العلاقات الصينية البريطانية 

وتكشف هذه المناورة الدبلوماسية عن رغبة بريطانية في التموضع كجسر بين القوى العظمى بدلًا من الانخراط في سياسة المحاور؛ فبينما تظل واشنطن الشريك الأمني الأول، تسعى لندن لأن تكون الصين الشريك التجاري المسؤول، وهي معادلة صعبة تتطلب مهارة دبلوماسية فائقة لتجنب دفع أثمان سياسية باهظة من رصيد العلاقة الخاصة مع الولايات المتحدة.

معضلة الأمن

تمثل قضية الأمن القومي الصخرة التي قد تتحطم عليها طموحات ستارمر الاقتصادية، خاصة في ظل التقارير الاستخباراتية التي تحذر من نفوذ صيني متزايد. ويواجه رئيس الوزراء ضغوطًا هائلة من المعارضة وحتى من داخل حزبه، لفتح ملفات التجسس السيبراني وحقوق الإنسان في شينجيانغ وهونغ كونغ كشرط لأي تقارب تجاري.

وفي غرف الاجتماعات المغلقة في بكين، سيكون ملف الأمن السيبراني حاضرًا بقوة، حيث يسعى الجانب البريطاني لوضع خطوط حمراء واضحة فيما يخص البنية التحتية الرقمية، وتحاول لندن إقناع بكين بأن التعاون الاقتصادي لا يعني غض الطرف عن التهديدات الأمنية، وهو موقف يتطلب لغة دبلوماسية حازمة لا تُفرّط في مكتسبات الاستقرار الوطني.

صمام الأمان 

لا يمكن قراءة زيارة ستارمر إلى طوكيو بمعزل عن محطته في بكين، إذ تعمل اليابان كثقل موازن يمنح التحرك البريطاني في آسيا صبغة شرعية وأمنية، فمن خلال التوجه إلى طوكيو يؤكد ستارمر أن تحالفاته الاستراتيجية والعسكرية في المحيطين الهندي والهادئ تظل ثابتة، وأن التقارب مع الصين لا يغير من بوصلة بريطانيا الدفاعية.

وتُعد اليابان الشريك الأمني الأوثق لبريطانيا في المنطقة، حيث يشرف البلدان على مشاريع دفاعية عملاقة، مثل تطوير طائرات الجيل السادس المقاتلة، وتهدف اللقاءات في طوكيو إلى تعميق التنسيق الاستخباراتي والعسكري، مما يرسل إشارة واضحة للصين بأن لندن لا تزال جزءًا أصيلًا من المنظومة الأمنية الغربية التي تسعى لضمان حرية الملاحة واستقرار المنطقة.

رئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايتشي
رئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايتشي

إضافة إلى ذلك، تمثل اليابان نموذج التجارة الآمنة التي تطمح لندن إلى محاكاتها، حيث يجمع البلدان رؤى مشتركة حول حماية الملكية الفكرية وتقنيات الذكاء الاصطناعي، ويسعى ستارمر للاستفادة من الخبرة اليابانية في كيفية التعامل مع الجار الصيني الصعب، محاولًا بناء جبهة اقتصادية موحدة مع طوكيو تضمن عدم التبعية المطلقة لأسواق بكين.

وفي المحصلة، تمنح محطة اليابان الغطاء السياسي اللازم لمواجهة منتقديه في الداخل والخارج؛ إذ تؤكد أن السياسة البريطانية الجديدة ليست ارتماءً في أحضان الصين، بل هي دبلوماسية شاملة تسعى للاستفادة من الفرص الاقتصادية في بكين، مع الاحتماء بالمظلة الأمنية والقيمية التي توفرها التحالفات المتينة مع دول مثل اليابان.

ختامًا:

تظل جولة كير ستارمر الآسيوية اختبارًا حقيقيًا لقدرة "داونينغ ستريت" على ممارسة سياسة خارجية تتسم بالبراغماتية العالية في عالم تزداد فيه حدة الاستقطاب؛ فبينما يطمح رئيس الوزراء البريطاني إلى فتح صفحة جديدة مع بكين تقوم على المصالح المتبادلة وتدفع عجلة النمو الاقتصادي في بلاده، فإنه يسير في حقل ألغام من التوازنات الجيوسياسية، حيث سيكون عليه إثبات أن هذا الانفتاح لا يعني التنازل عن القيم الديمقراطية أو التفريط في أمن حلفائه التقليديين، وعلى رأسهم واشنطن التي تراقب هذا التحرك بريبة.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء