رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

كيف تصنع الدراما شخصيتك؟ الأعمال التلفزيونية وأسرار تشكيل القيم الاجتماعية

الدكتور سعيد صالح،
الدكتور سعيد صالح، أستاذ علم الاجتماع السياسي

يشارك مسلسل رجال الظل (عملية رأس الأفعى)"، من إنتاج الشركة المتحدة وبطولة أمير كرارة وشريف منير، في سباق دراما رمضان 2026، مقدما تجربة تشويقية توثق بطولات أجهزة الدولة في مواجهة التهديدات الخارجية.


 ويعد العمل امتدادا لما يعرف بـ "دراما الوعي"، التي تسلط الضوء على الانتماء الوطني وتكشف الحقائق التاريخية، وفي ضوء هذا العمل وغيره من الأعمال الوطنية التي تعرض خلال السنوات الأخيرة يوضح لنا الدكتور سعيد صالح، أستاذ علم الاجتماع السياسي تأثير هذه الأعمال على أفراد المجتمع. 

 

كيف تؤثر الأعمال الوطنية على شعور المجتمع بالوطنية والانتماء الجماعي؟

 

قال الدكتور سعيد صالح، أستاذ علم الاجتماع السياسي في تصريح خاص لـ “إيجبتك” إن الأعمال الدرامية الوطنية مثل مسلسل رجال الظل أو الأعمال المشابهة مثل الاختيار، كلبش وغيرها) تؤثر على شعور المجتمع بالوطنية والانتماء الجماعي بعدة طرق رئيسية، إيجابية في الغالب، مع بعض التحفظات المحتملة:
التأثيرات الإيجابية الرئيسية:


1_ تعزيز الفخر الجماعي والاعتزاز بالمؤسسات الأمنية والعسكرية



تقدم هذه الأعمال صورة بطولية لـ”رجال الظل” (أجهزة الأمن القومي، المخابرات، الشرطة، الجيش) وهم يواجهون تهديدات خارجية وداخلية معقدة، هذا يولد شعورا بالفخر بـ”اللي بيحمونا في الخفاء”، ويحول النظرة من روتين بيروقراطي إلى تضحية يومية.

مسلسل رجال الظل 
مسلسل رجال الظل 

2_ ترسيخ فكرة الاختيار الوطني

غالبا ما تظهر الشخصيات صراعا بين مصلحة شخصية أو فئوية وبين الولاء للوطن، وتنتهي بانتصار الخيار الوطني ضد الإغراءات، هذا يعزز فكرة أن الانتماء للوطن واجب أعلى من أي انتماء آخر (ديني متطرف، حزبي، قبلي، مادي…).


3_ أنسنة رجل الأمن
بدلا من تقديمه كآلة قمعية
 تظهر هذه الأعمال الجانب الإنساني (الأسرة، الهموم اليومية، الخوف، التضحية)، هذا يقلل المسافة النفسية بين المواطن والمؤسسة الأمنية، ويزيد التعاطف والتقدير.
4_  بناء وعي جماعي بـالتهديدات الخفية



تعرف الجمهور (خاصة الشباب) على أشكال التهديدات غير التقليدية (تمويل خارجي، شبكات تجسس، حرب الجيل الرابع، استهداف الاستقرار الاقتصادي…). هذا ينتج شعورا بأهمية اليقظة الجماعية و أن الوطن ليس في أمان تلقائي”.


5_  تأثير عاطفي وعبر الأجيال
دراسات مصرية (مثل تلك المنشورة في مجلات البحث الإعلامي) أظهرت أن المسلسلات الطويلة تؤثر بشكل أعمق من الأفلام القصيرة في تشكيل اتجاهات الانتماء، خاصة لدى الشباب الجامعي، لأنها تتابع أسبوعيا وتناقَش اجتماعيا وعلى السوشيال ميديا.

التأثيرات السلبية أو المحتملة للأعمال الوطنية 

أشار أستاذ علم الاجتماع السياسي في تصريحه لـ “إيجبتك” أن الدراما الوطنية، بجانب أنها تعزز مجموعة من القيم النبيلة، إلا أنها قد يكون لها عدة تأثيرات سلبية ومثيرة للجدل، ومن هذه التأثيرات: 
_ قد تسهم في تبسيط الواقع أحيانا (الخير المطلق vs الشر المطلق)، مما يقلل من القدرة على نقد بعض الممارسات داخل المؤسسات نفسها فليست تلك الموسسات علي صواب أو خطء دائم.
_  في بعض الحالات قد تنتج شعورا زائفا بالأمان (الدولة بتحمينا دايما)، مما يقلل من المشاركة المدنية الناقدة.

_ إذا كانت الأعمال تقدم بشكل مبالغ فيه أو دعائي جدا، قد تفقد مصداقيتها عند شرائح معينة من الجمهور المتشكك.

وتابع “صالح” قائلا إن أعمال مثل “رجال الظل” تعد أداة للقوة الناعمة الداخلية، هي لا تخلق الوطنية من العدم، لكنها تعيد إشعالها، تعمقها، وتوجهها نحو تقدير المؤسسات والتضحية من أجل الاستقرار الوطني، في المجتمعات التي تمر بفترات استقطاب أو تهديدات أمنية، تكون هذه الأعمال بمثابة “لقاح عاطفي جماعي” ضد الشعور باليأس أو التفكك، وتنتج نوعا من “التماسك الوطني المؤقت” الذي يمكن أن يتحول إلى تماسك أكثر استدامة إذا رافقه خطاب سياسي وإعلامي متوازن.

‎هل يمكن لمسلسل واحد أن يغير مفاهيم المجتمع عن التاريخ أو السياسة أو البطولات الوطنية؟

أكد الدكتور سعيد صالح في تصريح خاص لـ “إيجبتك” نعم، يمكن لمسلسل واحد، أن يحدث تغييرا ملحوظا في مفاهيم المجتمع عن التاريخ، السياسة، أو البطولات الوطنية، لكن هذا التغيير غالبا ما يكون: جزئيا وليس كليا، مؤقتا أو طويل الأمد حسب السياق الاجتماعي والسياسي، و مكملا لعوامل أخرى (أحداث حقيقية، نقاش عام، تغيرات سياسية، انتشار على وسائل التواصل)
أمثلة دولية بارزة أثبتت تأثيرا حقيقيا
_ Roots (1977، أمريكا)
miniseries عن العبودية، أحدث تحولا كبيرا في الوعي الأمريكي بالتاريخ الأسود والعبودية، رفع الاهتمام بأصول الأفارقة الأمريكيين، زاد من البحث عن الجذور العائلية، وساهم في تغيير السرد التاريخي المدرسي والشعبي عن تلك الفترة.
_ الاختيار، غير (أو عزز بقوة) صورة “البطل الوطني” من الجيش والشرطة في الوعي الشعبي المصري بعد 2013. حول أحداثا سياسية أمنية حديثة إلى سرد بطولي، وساهم في ترسيخ رواية معينة عن “الدفاع عن الوطن” لدى شرائح واسعة من الشباب.
_ رأفت الهجان (الثمانينيات)،
شكل لأجيال كاملة صورة البطل المصري السري في مواجهة إسرائيل، وأصبح مرجعا شعبيا لفهم فترة الصراع العربي-الإسرائيلي في الستينيات والسبعينيات.
وتابع أن مسلسل واحد نادرا ما يغير المفاهيم جذريا لوحده، لكنه قد يسرع تغييرا كان ينضج بالفعل، أو يرسخ رواية معينة لسنوات طويلة، أو يعيد توجيه الذاكرة الجماعية نحو زاوية محددة.
في النهاية: الدراما لا تخلق الوعي من العدم، لكنها قد تكون القطرة التي تفيض الكوب في لحظة تاريخية مناسبة.

دور الأعمال الدرامية في تعزيز القيم الاجتماعية والأخلاقية

أشار أستاذ علم الاجتماع الياسي في تصريحه إلى أن الأعمال الدرامية، سواء كانت مسلسلات تلفزيونية أو محتوى على المنصات الرقمية، تلعب دورا مؤثرا جدا في تشكيل أو تعزيز وأحيانا تغيير أو إضعاف القيم الاجتماعية والأخلاقية لدى المشاهدين. 
هذا التأثير يعتمد على آليات نفسية واجتماعية مدروسة، مثل نظرية التعلم الاجتماعي ونظرية الزرع.

الآليات تجعل الدراما تؤثر في القيم

النمذجة والاقتداء (Modeling):
المشاهد يرى شخصيات تكافأ أو تعاقب على سلوكيات معينة، ما يجعله يميل إلى تقليد السلوك الذي يؤدي إلى نتائج إيجابية مثل النجاح أو الحب أو الاحترام الاجتماعي.

التعاطف العاطفي والانغماس:
القصص الطويلة والشخصيات المعقدة تجعل المشاهد يعيش الأحداث معهم، فيتبنى جزئيا قيمهم ونظرتهم للعالم.

التكرار والزرع التراكمي:
مشاهدة مئات الحلقات على مدى سنوات تساهم في ترسيخ صور معينة عن ما هو "طبيعي" أو "مقبول أخلاقيا".

النقاش الاجتماعي والتأثير الثانوي:
المناقشات العائلية أو مع الأصدقاء، وحتى التفاعلات على السوشيال ميديا، تحول التجربة الفردية إلى تأثير جماعي أوسع.

الدكتور سعيد صالح، أستاذ علم الاجتماع السياسي
الدكتور سعيد صالح، أستاذ علم الاجتماع السياسي

أمثلة على القيم الإيجابية التي يمكن تعزيزها: احترام الآخر، التعاون الاجتماعي، التضحية والتفاني من أجل الخير العام، الصدق والنزاهة في التعاملات اليومية، تحمل المسؤولية، الالتزام بالقوانين والقيم المجتمعية.

المخاطر والتأثيرات السلبية المحتملة (والتي تظهر في دراسات عربية عديدة)

_ ترويج القيم المادية والاستهلاكية (الرفاهية، المظاهر، “الحياة السهلة”).
_  تطبيع العنف الأسري أو الخيانة إذا تم تقديمها بشكل متكرر دون عقاب واضح.
_  إضعاف القيم الدينية/التقليدية في بعض الأعمال المدبلجة أو المستوردة (تركية، كورية، لاتينية).
_  تبسيط المشكلات الأخلاقية (كل شيء يُحل بالحب أو بالمال أو بالانتقام).
_ إحباط الشباب عند مقارنة واقعهم بالرفاهية المبالغ فيها في بعض الأعمال.
وختم حديثه قائلا إن في النهاية الدراما ليست معلما أخلاقيا محايدا، بل هي أداة قوية يمكن أن تبني أو تهدم حسب جودة الكتابة، الإخراج، والرسالة المقصودة (أو غير المقصودة).
الأعمال الهادفة (سواء وطنية أو اجتماعية) غالبا ما تنجح في تعزيز القيم الإيجابية عندما تكون واقعية وعاطفية وغير مباشرة في وعظها.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء