ذكرى ميلاد أوجست ستريندبرج.. رائد المسرح النفسي وأحد أعمدة الدراما الحديثة
تحل اليوم ذكرى ميلاد الكاتب والمفكر والمسرحي السويدي أوجست ستريندبرج، أحد أكثر الأسماء تأثيرًا وإثارة للجدل في تاريخ الأدب والمسرح العالمي، وأحد الرواد الذين أحدثوا تحولات جذرية في بنية الدراما الحديثة.
ولد ستريندبرج في 22 يناير عام 1849، وعاش حياة مضطربة نفسيًا وفكريًا، انعكست بكل ثقلها على أعماله المسرحية والفكرية، قبل أن يرحل عن عالمنا في 14 مايو عام 1912، تاركًا إرثًا فنيًا لا يزال حاضرًا بقوة على خشبات المسارح في مختلف أنحاء العالم.
مسيرة مسرحية متفردة
ارتبط اسم أوجست ستريندبرج في بداياته بالمسرح الطبيعي الواقعي، حيث قدم عددًا من المسرحيات التي تناولت الصراع الإنساني داخل الأسرة، والعلاقة المعقدة بين الرجل والمرأة، والسلطة النفسية والاجتماعية، ومن أبرز هذه الأعمال مسرحيتا «الأب» و«الآنسة جوليا»، اللتان كشفتا عن رؤية قاسية وصادمة للعلاقات الإنسانية. ولم تقتصر أعماله على هذا الاتجاه، بل كتب أيضًا مسرحيات تاريخية، غير أن التحول الأكبر في مسيرته جاء بعد الأزمة النفسية الحادة التي مر بها، إذ اتجه إلى المسرح الرمزي والنفسي، وأصبح رائدًا لهذا الاتجاه من خلال أعمال مثل «مسرحية حلم» و«الحلم والعقل الباطن»، التي كسرت القوالب التقليدية للدراما وقدمت رؤية جديدة للزمن والوعي والواقع.
خلفيات فكرية وفلسفية
لم يكن ستريندبرج كاتبًا مسرحيًا فحسب، بل كان مفكرًا واسع الاطلاع، تأثر بعدد كبير من الأدباء والفلاسفة الذين أسهموا في تشكيل رؤيته الفنية والفكرية. فقد تأثر بشكل واضح بأعمال هنريك إبسن في المسرح، وبأفكار جان جاك روسو حول الإنسان والطبيعة، وبفلسفة فريدريك نيتشه التي تمردت على القيم التقليدية، إلى جانب تأثره بـآرثر شوبنهاور ونظرته التشاؤمية للعالم، فضلًا عن إعجابه بأدب إدغار آلان بو وأفكار إيمانويل سفيدنبوري الروحية، وهو ما جعل أعماله مزيجًا معقدًا من الفلسفة والتحليل النفسي والدراما.
طفولة قاسية وجذور المعاناة
يرى كثير من النقاد أن جذور الاضطراب النفسي الذي ميز شخصية ستريندبرج تعود إلى طفولته القاسية، التي عاشها في أسرة تعاني التناقض الطبقي والفقر والحرمان. فقد كانت والدته تنتمي إلى عائلة فقيرة وتعمل في محل لبيع المسكرات، بينما كان والده ينتمي إلى عائلة أرستقراطية فقدت مكانتها الاجتماعية ولم تعد قادرة على إعالة الأسرة الكبيرة. وقد أسهمت قسوة الأب وتشدده في تربية أبنائه في خلق حالة من التوتر الدائم داخل نفس الطفل، الذي نشأ عصبي المزاج، حاد الطبع، غير قادر على كبح غضبه، وهو ما انعكس لاحقًا في كتاباته وسلوكه الشخصي.
تمرد وتعثر مهني
كره ستريندبرج الدراسة الكنسية التي فرضها والده عليه، وتمرد على العقيدة المسيحية في وقت مبكر، قبل أن يتجه لدراسة الطب، لكنه سرعان ما أدرك عدم قدرته على الاستمرار فيها. وتنقل بعدها بين عدد من الأعمال، منها التدريس والعمل في مكتب البرقيات والصحافة، كما مارس التمثيل لفترة قصيرة، إلى أن عين في المكتبة الملكية بستوكهولم بين عامي 1874 و1882، وهي الفترة التي شعر خلالها بشيء من الاستقرار النسبي، وأتاحت له فرصة القراءة والتأمل وصياغة مشروعه الأدبي والفكري.
زيجات مضطربة وصراع مع المرأة
انعكست أزمات ستريندبرج النفسية بوضوح على حياته العاطفية، إذ شهدت زيجاته الثلاث صراعات حادة. فقد تزوج عام 1877 من الممثلة سيري فون إيسن، التي تركت زوجها من أجله، لكن الزواج سرعان ما تحول إلى ساحة صراع مليئة بالشكوك والاتهامات، وانتهى بالانفصال.
ثم تزوج مرة ثانية من الصحفية الفينيسية فريدا أول، وكانت التجربة أكثر قسوة، إذ لم تدم سوى أشهر قليلة وتركته محطمًا نفسيًا. وبعد إصابته بانهيار عصبي أبعده عن الحياة الأدبية خمس سنوات، عاد ليخوض تجربة زواج ثالثة عام 1901 من الممثلة الشابة هارييت بوسه، التي بقيت مرتبطة باسمه حتى بعد وفاته، وعاشت بعده نصف قرن.
ترك أوجست ستريندبرج إرثًا مسرحيًا وفكريًا بالغ التأثير، يتمثل في عشرات المسرحيات التي ما زالت تُعرض وتُدرَّس حتى اليوم، مثل «الأب»، و**«الآنسة جوليا»، و«مسرحية حلم»، و«رقصة الموت»**، وغيرها من الأعمال التي أسهمت في تطوير المسرح النفسي والواقعي، وجعلت من ستريندبرج واحدًا من أعمدة الدراما الحديثة، وكاتبًا سبق عصره في تفكيك النفس البشرية وكشف تناقضاتها.