رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

عسكرة البحر: كيف تحولت التدريبات الأمريكية-الفلبينية إلى أداة ردع سياسي؟

 مناورات الولايات
مناورات الولايات المتحدة والفلبين - أرشيفية

دشنت الولايات المتحدة والفلبين أجندتهما العسكرية لعام 2026 بمناورات بحرية وجوية مشتركة مكثفة في محيط شعاب "سكاربورو" المتنازع عليها، في خطوة تعكس إصرار مانيلا على تحدي النفوذ الصيني المتصاعد في بحر الصين الجنوبي. وتأتي هذه التدريبات لتؤكد عمق التحالف الدفاعي بين البلدين، وسعيهما لفرض واقع ميداني يدعم مفهوم الملاحة الحرة، خاصة في ظل تحويل بكين هذه المنطقة الحيوية إلى ساحة صراع مفتوح على السيادة وموارد الطاقة.

فيما سارعت بكين إلى التنديد بهذا النشاط العسكري، واصفةً إياه بالتحرك الاستفزازي الذي يقوض دعائم السلام والاستقرار الإقليمي، مؤكدة عبر جيشها استنفار أصولها البحرية لحماية ما تسميه السيادة الوطنية. ويضع هذا التصعيد المتبادل المنطقة أمام اختبار حقيقي لقواعد الاشتباك، حيث تحولت "سكاربورو" إلى نقطة ارتكاز في صراع القوى العظمى، وسط مخاوف دولية من أن تؤدي هذه المناورات المتكررة إلى احتكاك غير محسوب يخرج عن نطاق السيطرة.

مناورات الولايات المتحدة والفلبين
مناورات الولايات المتحدة والفلبين

ساحة اختبار

تعد شعاب "سكاربورو" نقطة اشتعال فريدة، فهي لا تمثل مجرد نزاع حدودي، بل هي اختبار حي لقدرة القانون الدولي أمام القوة العسكرية، إذ تقع هذه الشعاب داخل المنطقة الاقتصادية للفلبين، إلا أن السيطرة الصينية الفعلية عليها منذ سنوات جعلتها رمزًا للهيمنة. المناورات المشتركة في هذا الموقع تحديدًا تهدف إلى إرسال رسالة مفادها أن الوضع القائم ليس نهائيًا، وأن الحلفاء مستعدون للعمل في المناطق المحرمة صينيًا.

من الناحية التكتيكية، تسعى الولايات المتحدة من خلال هذه التدريبات إلى تعزيز قدرة الجيش الفلبيني على العمل في بيئات معقدة وتحت مراقبة لصيقة من الرادارات والسفن الصينية. هذا النوع من العمليات يقلل من فجوة الخوف لدى القوات المحلية، ويحول الوجود العسكري المشترك من حالة طارئة إلى روتين مستقر، مما يربك الحسابات الصينية التي كانت تعول على سياسة قضم الأراضي الهادئة دون مواجهة عسكرية مباشرة.

مناورات الولايات المتحدة والفلبين
مناورات الولايات المتحدة والفلبين

أما البعد الثالث لهذا المحور، فيتعلق بمصداقية الولايات المتحدة أمام حلفائها في آسيا، فالفشل في دعم مانيلا عند هذه النقطة الحساسة قد يُفسر على أنه تراجع أمريكي عن التزاماتها الدفاعية.لذا، فإن تكثيف المناورات في 2026 هو بمثابة تجديد ثقة في قدرة واشنطن على ردع أي محاولة صينية لتغيير المعالم الجغرافية أو العسكرية للشعاب بشكل أحادي الجانب، كما فعلت في جزر سباتلي.

التحالف العضوي

انتقلت العلاقة بين مانيلا وواشنطن في عام 2026 من مرحلة التدريبات الرمزية إلى مرحلة الاندماج العملياتي، وتشير الفقرة الحادية عشرة من هذه الأنشطة العسكرية إلى صياغة عقيدة قتالية مشتركة، حيث يتم تبادل البيانات الاستخباراتية واللوجستية في وقت حقيقي.

مناورات الولايات المتحدة والفلبين
مناورات الولايات المتحدة والفلبين

هذا الاندماج العضوي يخدم استراتيجية توزيع القوة الأمريكية، حيث لا تضطر واشنطن للحفاظ على قواعد ضخمة ثابتة، بل تعتمد على الوصول السريع والقابلية للتشغيل البيني مع الشركاء المحليين. لكن بالنسبة للفلبين، يمثل هذا التحالف وسيلة لتعويض النقص الحاد في إمكانياتها البحرية والجوية أمام الترسانة الصينية الضخمة، مما يخلق نوعًا من توازن الرعب النسبي في الممر الملاحي المزدحم.

على المستوى السياسي، تعزز هذه المناورات من موقف الحكومة الفلبينية داخليًا، حيث تظهر بمظهر المدافع الصلب عن السيادة الوطنية بظهير دولي قوي. ومع ذلك، فإن هذا الاندماج يثير تساؤلات حول مدى استقلالية القرار العسكري الفلبيني مستقبلًا، وما إذا كانت مانيلا قد وضعت نفسها في خط المواجهة الأول لصراع القوى العظمى، وهو ما قد يجعلها الهدف الأول في حال اندلاع شرارة المواجهة.

جيوسياسية الطاقة

بحر الصين الجنوبي هو أكثر من مجرد ممر للتجارة؛ إنه "مخزن طاقة" لم يُستغل بالكامل بعد. تقدر التقارير وجود احتياطيات هائلة من النفط والغاز تحت قاع البحر، وتُعد شعاب "سكاربورو" والمناطق المحيطة بها جزءًا من هذه الكعكة الاقتصادية. المناورات العسكرية هنا هي في الواقع "حراسة مسلحة" للمطالبات الاقتصادية، حيث تسعى مانيلا لضمان بيئة آمنة لشركات التنقيب مستقبلًا تحت الحماية الأمريكية.

الأدميرال كارل توماس -  قائد الأسطول السابع الأمريكي
الأدميرال كارل توماس -  قائد الأسطول السابع الأمريكي

تدرك الصين أن سيطرتها على هذه الموارد تعني التحكم في أمن الطاقة لآسيا بأكملها، لذا فهي تعارض بشدة أي نشاط عسكري أو تجاري مشترك في هذه المناطق. وتنديد بكين بالمناورات ينبع من خوفها من أن يتحول الوجود العسكري الأمريكي إلى ضمانة أمنية لمشاريع تنقيب فلبينية أو دولية، مما سيحرم بكين من ممارسة سياسة الاستغلال الحصري للموارد التي تدعي ملكيتها عبر خط القطاعات التسعة.

المناطق الرمادية

تعتمد الصين في مواجهتها لهذه المناورات على تكتيكات المنطقة الرمادية، وهي أفعال تقع تحت مستوى الحرب الشاملة، ولكنها عدوانية بما يكفي لتحقيق المكاسب. ومن المتوقع أن تزيد بكين من نشر الميليشيات البحرية وخفر السواحل لمضايقة السفن الفلبينية، وتهدف هذه الاستراتيجية إلى إرهاق الخصم واستنزافه نفسيًا ولوجستيًا دون منح واشنطن مبررًا صريحًا لتفعيل معاهدة الدفاع المشترك.

أما الرد الصيني، سواء الدبلوماسي أو الإعلامي، فتُصور بكين التحركات الأمريكية كتدخل أجنبي يزعزع استقرار البيت الآسيوي. وتحاول الصين كسب الرأي العام الإقليمي عبر تصوير واشنطن كقوة مهيجة للصراعات من خارج المنطقة، بينما تقدم نفسها كحامٍ للسلام يدافع فقط عن حقوقه التاريخية، وهو خطاب يجد صدى لدى بعض القوى الإقليمية المتوجسة من التصعيد.

الأدميرال توريبيو أداتشي جونيور قائد البحرية الفلبينية 
الأدميرال توريبيو أداتشي جونيور قائد البحرية الفلبينية 

لكن التحدي الذي يواجه بكين الآن هو أن المناورات المشتركة الحادية عشرة ترفع سقف التحدي؛ فالتواجد الجوي والبحري المكثف يجعل من الصعب على الميليشيات البحرية الصينية التحرك بحرية كما في السابق، مما يدفع بكين نحو التصعيد العسكري النظامي والمخاطرة بصراع مباشر، أو القبول بوجود عسكري أمريكي دائم ومستقر في مناطق كانت تعتبرها بحيرة صينية خالصة.

الاستقرار الإقليمي

تضع هذه المناورات دول رابطة جنوب شرق آسيا (آسيان) في موقف محرج للغاية، حيث تجد نفسها ممزقة بين الشراكة الاقتصادية الحيوية مع الصين، والاحتياج الأمني للتوازن الذي توفره الولايات المتحدة. كما يزيد تصعيد عام 2026 من عمق الشرخ داخل المنظمة، حيث تميل دول مثل الفلبين وفيتنام نحو التشدد، بينما تفضل دول أخرى الحياد أو المهادنة لتجنب غضب بكين الاقتصادي.

استمرار النشاط العسكري في ممرات حيوية يرفع من تكلفة التأمين البحري ويخلق حالة من عدم اليقين في الأسواق العالمية، إذ يمر عبر بحر الصين الجنوبي ثلث التجارة العالمية، وأي خطأ في التقدير أثناء هذه المناورات قد يؤدي إلى إغلاق ممرات ملاحية، مما سينعكس فورًا على سلاسل التوريد العالمية.

ختامًا:

يبرز التساؤل حول مصير مدونة قواعد السلوك التي يتم التفاوض عليها منذ عقود. ومع وصول التدريبات العسكرية إلى مستوى غير مسبوق من التكرار والنوعية، تبدو الحلول الدبلوماسية أبعد ما تكون عن التحقق. هذا التحول نحو العسكرة الشاملة في 2026 يوحي بأن لغة القوة أصبحت هي اللغة الوحيدة المفهومة في بحر الصين الجنوبي، مما يفتح الباب أمام سباق تسلح إقليمي قد يغير وجه آسيا لسنوات قادمة.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء