رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

إفريقيا تواجه "الانهيار البيئي": تغيرات مناخية وتنامي للجماعات الإرهابية

التغيرات المناخية
التغيرات المناخية في إفريقيا - أرشيفية

خلال العقود الخمسة الماضية، تعرضت بحيرة تشاد في غرب إفريقيا لجفاف شديد نتيجة ارتفاع درجة حرارة الأرض، فخلال الفترة الماضية فقدت البحيرة ما يقارب 90% من مساحتها، الأمر الذي أدى في النهاية إلى ازدياد الأزمات الإنسانية في تلك المنطقة نتيجة شح الموارد والتصحر الشديد، وهو الأمر الذي وجدته التنظيمات المتطرفة مثل داعش وبوكو حرام فرصة مواتية من أجل التمدد والانتشار في المناطق التي أصابها التصحر في محيط بحيرة تشاد نتيجة التغيرات المناخية الأخيرة.

باتت الدول الإفريقية حاليًا من أكثر دول العالم تأثرًا بالتغيرات المناخية وارتفاع درجة الاحتباس الحراري، فعلى سبيل المثال، تعاني دول منطقة الساحل والصحراء من آثار وتبعات التغيرات المناخية، مما أدى إلى اشتعال الأزمات الإنسانية والحروب الداخلية في تلك الدول من أجل السيطرة على المياه والموارد الغذائية والمراعي المخصصة للمواشي.

وقد أدت التغيرات المناخية إلى ندرة الموارد في شمال دولة مالي، مما تسبب في بروز العديد من الحركات المتمردة في الشمال، وأيضًا الجماعات الجهادية، حيث تسارع الطرفان، سواء المتمردون أو الجهاديون، إلى السيطرة على وسط مالي وجنوبها والاقتراب أكثر من مصادر المياه والغذاء والمراعي الخصبة. فخلال الشهور الأخيرة، شهدت العاصمة باماكو حصارًا من قبل جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين"، ورغم أن الحصار يحمل في ظاهره توسعًا للتنظيم المتطرف، إلا أنه أيضًا يحمل في باطنه أثرًا للتغيرات المناخية. فمعظم المنتمين إلى جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" ينتمون إلى الجماعات القاطنة في شمال البلاد مثل الفولاني والأمازيغ، وهي من أكثر الجماعات معاناة من التغيرات المناخية، حيث اشتد التصحر وقلت المراعي ونضبت مصادر المياه.

التغيرات المناخية في إفريقيا - أرشيفية 
التغيرات المناخية في إفريقيا - أرشيفية 

وكذلك الحال أيضًا في نيجيريا، التي ألقت التغيرات المناخية بظلالها الثقيلة على الوضع الأمني في البلاد، فتوسع التصحر في شمال البلاد وقلة المراعي دفعا القبائل الرعوية التي تدين بالإسلام إلى التحرك جنوبًا واصطدامها بالقبائل المسيحية التي تمتهن الزراعة في الولايات الجنوبية، مما خلق صراعًا بين الطرفين سرعان ما تحول إلى صراع طائفي غذته التأويلات الأمريكية للصراع في نيجيريا، وأيضًا الهجمات الإرهابية التي تشنها بوكو حرام على المجتمعات المسيحية في البلاد.

التغيرات المناخية

يشير معهد الدراسات الأمنية في جنوب إفريقيا إلى أنه يجب على المدن الإفريقية أن تنهض من أجل مواجهة أزمة التغيرات المناخية، حيث تتحمل المدن الإفريقية العبء الأكبر من آثار تغير المناخ، وأنه لا يجب انتظار أي تضامن دولي قد لا يتحقق.

التغيرات المناخية في إفريقيا - أرشيفية 
التغيرات المناخية في إفريقيا - أرشيفية 

انتكاسة العمل المناخي

يحذر معهد الدراسات الأمنية من خطورة اعتماد المجتمعات والدول الإفريقية على سياسات الدعم الدولي لمجابهة آثار التغيرات المناخية، مطالبًا بضرورة وجود آلية إفريقية موحدة تضمن شحذ الجهود الإفريقية لمواجهة التغيرات المناخية. فالعمل المناخي متعدد الأطراف واجه في المرحلة الأخيرة انتكاسة كبرى، خلال الفترة الماضية، عندما أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية انسحابها من اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (UNFCCC) و65 هيئة دولية أخرى.

كما انسحبت واشنطن بالفعل من اتفاقية باريس للمناخ وصندوق الاستجابة للخسائر والأضرار (FRLD)، الذي أنشأه مؤتمر الأطراف 27 (COP27)، الذي انعقد في مدينة شرم الشيخ المصرية خلال الفترة من 6 إلى 22 نوفمبر 2022، كما لم تشارك واشنطن أيضًا في مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ (COP30) الذي عقد في عام 2025 بالبرازيل.

التغيرات المناخية في إفريقيا - أرشيفية 
التغيرات المناخية في إفريقيا - أرشيفية 

أهمية واشنطن

تعد الولايات المتحدة من أهم الدول التي كانت مشاركة في اتفاقية باريس للمناخ، وكذلك من أبرز الدول المشاركة في صندوق الاستجابة للخسائر والأضرار، حيث كانت تساهم بنحو 20% من الميزانية الأساسية لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، لذا فإن انسحاب واشنطن يعني خسارة الاتفاقية العالمية خُمس مواردها السابقة.

التغيرات المناخية في إفريقيا - أرشيفية 
التغيرات المناخية في إفريقيا - أرشيفية 

ويأتي الانسحاب الأمريكي تطبيقًا لاستراتيجية "أمريكا أولًا" التي تهدف إلى تغليب المصالح الاقتصادية والأمنية الأمريكية على حساب المساعدات والدبلوماسية متعددة الأطراف التقليدية، وهو الأمر الذي شجع دولًا أخرى أيضًا على تقليل مساهماتها المالية في اتفاقية المناخ. فالعديد من الدول حاليًا بدأت تلجأ إلى تمويل الإنفاق الدفاعي لديها وشراء الأسلحة المختلفة، وتقليل وخفض ميزانيات التنمية، وهو ما انعكس بوضوح على السياسات الخاصة بالتغيرات المناخية.

التغيرات المناخية في إفريقيا - أرشيفية 
التغيرات المناخية في إفريقيا - أرشيفية 

تأثر المدن الإفريقية

تعد المدن عرضة لتأثيرات تغير المناخ نظرًا لكثافة السكان بها وزيادة الأنشطة الاقتصادية فيها، فضلًا عن قربها من المحيطات والأنهار. وتعد المدن حول العالم مسؤولة عن 70% من الانبعاثات العالمية من غازات الاحتباس الحراري، كما هي أيضًا مسؤولة عن 80% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، فضلًا عن أن 56% من سكان العالم يقطنون المدن، وهو الأمر الذي قد يعرضها للتأثر بالتغيرات المناخية بصورة كبيرة نظرًا لطبيعة نشاطها الاقتصادي وكثافة سكانها.

يشير تقرير معهد الدراسات الأمنية إلى أن 83% من المدن الإفريقية تقع ضمن فئة الخطر الشديد من حيث قابليتها للتأثر بالتغيرات المناخية، ومن المرجح أن ترتفع نسبة المدن المعرضة للتأثر بالتغيرات المناخية، خاصة بعد زيادة معدل النمو الحضري في إفريقيا إلى 3.5%. كما أن 86 مدينة إفريقية ضمن أسرع مدن العالم نموًا، فضلًا عن ارتفاع نسبة سكان المناطق الحضرية من 15% في الستينيات إلى 43% في عام 2018، ومن المحتمل أن ترتفع النسبة إلى ما يقارب 50% في عام 2030.

التغيرات المناخية في إفريقيا - أرشيفية 
التغيرات المناخية في إفريقيا - أرشيفية 

ختامًا:

 يعد التوسع في النمو الحضري في إفريقيا خطرًا يهدد مستقبل تلك المدن، خاصة أن هذه المدن غير مهيأة لمواجهة آثار التغيرات المناخية، الأمر الذي سيؤدي في النهاية إلى زيادة تعرضها لآثار التغيرات المناخية مثل الجفاف الشديد وقلة الموارد الغذائية، وهو ما سيعرض تلك المدن للعديد من المشكلات الاجتماعية مثل البطالة وارتفاع معدلات الفقر والجرائم الإنسانية وظهور الأحياء الفقيرة الهامشية والمهمشة. لذا ينبغي على الدول الإفريقية ومؤسسات الاتحاد الإفريقي إنشاء آلية مستقلة تعمل على توفير التمويلات اللازمة لمواجهة آثار التغيرات المناخية.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء