رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الموساد خلف الكواليس: دور الاستخبارات الإسرائيلية في الحراك الإيراني

مظاهرات إيران - أرشيفية
مظاهرات إيران - أرشيفية

لعل أبرز ما يميز الاحتجاجات الإيرانية الأخيرة هو الارتباط الوثيق بين تلك الاحتجاجات والدعم الإسرائيلي المقدم لها، فمنذ الأيام الأولى لتلك الاحتجاجات حرصت تل أبيب على دعمها عبر العديد من البيانات الرسمية التي تؤكد ضلوع النظام الإسرائيلي فيها. ففي وقت سابق من الشهر الجاري، أعلن جهاز الاستخبارات الإسرائيلية "الموساد" عن وقوفه وراء تلك الاحتجاجات، وأن له العديد من الكوادر النشطة ضمنها.

وبجانب المساندة الإسرائيلية للاحتجاجات، برز أيضًا الدعم الأمريكي لتلك التظاهرات، فتزامنًا مع التصريحات الإسرائيلية السابقة، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن نيته التدخل عسكريًا في إيران في حال استخدام نظام الملالي القمع والعنف إزاء المتظاهرين. وكرر ترامب تهديداته بعدما نما إلى الجميع اتجاه ملالي قم إلى تنفيذ إعدامات بحق من وصفتهم بالمخربين خلال الأيام الماضية. وعليه، تصاعدت وتيرة الأنباء عن احتمالية توجيه ضربة قاصمة للنظام الإيراني، وحتى كتابة تلك السطور يجري الحديث عن تواجد مدمرات أمريكية وحاملة طائرات في منطقة الشرق الأوسط وعلى أهبة الاستعداد التام لتوجيه ضربة محتملة لإيران.

مظاهرات إيران - أرشيفية 
مظاهرات إيران - أرشيفية 

تسديد ديون كورش

مؤخرًا برز اسم الإمبراطور الفارسي السابق الذي ظهر قبل 25 قرنًا، الإمبراطور كورش الكبير، والذي يكنّ له اليهود فضلًا كبيرًا في تحريرهم من السبي البابلي الذي تم على يد ملك بابل نبوخذ نصر الثاني. ويُعد كورش في الأدبيات اليهودية القديمة بمثابة المحرر من العبودية والمخلص من المعاناة التي شهدها اليهود على يد قدماء العراقيين.

وعليه، انبرى العديد من أنصار المعارضة الإيرانية إلى تذكير إسرائيل والحركات الصهيونية في أوروبا وأمريكا بفضل كورش على بني إسرائيل، وأن العلاقات بين بلاد فارس وإسرائيل ضاربة الجذور، وأن ما حدث مؤخرًا من قطيعة فهو أمر عارض فرضته الثورة الإسلامية الإيرانية التي اندلعت عام 1979. ولعل من أبرز الشخصيات التي روجت لسياسات كورش تجاه اليهود ولي العهد السابق رضا محمد بهلوي، الذي يسوق نفسه حاليًا في الأوساط الأوروبية والأمريكية على أنه الوريث الشرعي لحكم إيران في حال إسقاط نظام الملالي.

سداد الدين الكورشي

عقدت صحيفة "جيروزاليم بوست" مؤخرًا، يوم الأربعاء 14 يناير 2026، مؤتمرًا خاصًا بها في مدينة ميامي الأمريكية لبحث المسألة الإيرانية وسبل الدعم الإسرائيلي والأمريكي للاحتجاجات الإيرانية الراهنة، وعُقد المؤتمر برعاية كل من كنيس بال هابور وبنك إسرائيل ديسكونت.

مظاهرات إيران - أرشيفية 
مظاهرات إيران - أرشيفية 

وخلص المؤتمر الصحفي للصحيفة العبرية إلى أهمية تقديم الدعم الإسرائيلي للإيرانيين الساعين إلى الحرية، وعلّق الناشطون المشاركون في المؤتمر بأن على إسرائيل دينًا تاريخيًا للشعب الإيراني ينبغي عليها سداده حاليًا، ويُقصد هنا دين كورش الذي حرر اليهود من العبودية قديمًا.

ورقة التطبيع

تحاول المعارضة الإيرانية في الخارج حاليًا اللعب بورقة التطبيع مع النظامين الأمريكي والإسرائيلي، فمؤخرًا أعلن نجل الشاه السابق رضا بهلوي أنه في حال عودته للحكم والتخلص من نظام الملالي فإنه سيعترف فورًا بإسرائيل. وسبق أن صرح بأنه سيوقع على ما يسمى باتفاقيات كورش مع تل أبيب، والتي قد تتخطى في أهميتها اتفاقيات إبراهام التي أبرمتها إسرائيل مع العديد من الدول العربية مثل الإمارات والبحرين عام 2020. كما سيعمل بهلوي على استعادة العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية، وجاء ذلك خلال مقطع فيديو بثه بهلوي على حسابه على موقع (X)، أكد فيه أيضًا أن اتفاقيات كورش ستجمع كلًا من إيران الحرة وإسرائيل والعالم العربي.

ولوّح بهلوي بأن النظام الحالي (نظام الملالي) جلب على إيران الفقر والتطرف والإرهاب، مؤكدًا في ذات السياق أن النظام السابق (نظام الشاه) كان نظامًا يتسم بالسلام مع دول الجوار وشيوع الازدهار الاقتصادي في عهد والده الشاه محمد رضا بهلوي. ووعد بهلوي أيضًا، في حال تمكنه من العودة إلى السلطة، بإيقاف البرنامج النووي الإيراني ووقف دعم الجماعات الإرهابية في المنطقة، ويُقصد هنا كلًا من حزب الله والحوثي وحركة حماس والعديد من الجماعات الأخرى الموالية لنظام الولي الفقيه في العراق ودول الخليج العربي.

ويكمل بهلوي سلسلة سياساته المستقبلية، في حال تتويجه بعرش إيران، بقيامه بضخ موارد النفط والغاز في الأسواق العالمية، الأمر الذي قد يحقق حالة من الاستقرار الدولي في عالم الطاقة والنفط، وأيضًا جعل إيران دولة علمانية وإسقاط مشروع تصدير الثورة الإيرانية إلى دول الجوار.

مظاهرات إيران - أرشيفية 
مظاهرات إيران - أرشيفية 

تحالف محفوف بالمخاطر

رغم عدالة الاحتجاجات الإيرانية الأخيرة، والتي قامت في الأساس ردًا على انهيار النظام الاقتصادي في البلاد وارتفاع معدلات التضخم وانهيار قيمة العملة الإيرانية، إلا أن تلك الاحتجاجات تحمل في باطنها طوق النجاة للنظام القائم، الذي بات فعليًا يواجه العديد من التحديات الرئيسية، أبرزها تقدم سن المرشد الإيراني الحالي علي خامنئي، المحسوب على جيل الثورة الإيرانية، وحدوث فجوة جيلية بين النظام الحالي ومعظم فئات الشعب الإيراني التي لم تعاصر الثورة الإيرانية التي قامت قبل 47 عامًا. فمعظم الأجيال الحالية في إيران لم تعاصر فترة الشاه وتقلباتها الماضية، لذا قد تخدم الاحتجاجات الحالية نظام الملالي من خلال العديد من النقاط الهامة التالية:

أولًا: تعزيز سردية النظام الحالي

الارتباط الوثيق الحالي بين قوى المعارضة الإيرانية وبين إسرائيل والولايات المتحدة من شأنه تعزيز سردية النظام الحالي بوجود حرب خارجية على إيران، وأن الاحتجاجات الحالية مدفوعة من قبل أعداء إيران وتعد استكمالًا لما حدث في حرب الاثني عشر يومًا، وهو ما يتضح في المظاهرات التي خرجت أخيرًا دعمًا للنظام السياسي. كما يعمل النظام الحالي على تشويه صورة المعارضة في الخارج، والتي قدمت بنفسها دوافع تشويه أمام الشعب الإيراني بارتباطها بإسرائيل وأمريكا بصورة مكشوفة.

ثانيًا: تعزيز الخطاب الديني

الاتجاه العلماني الذي تحاول المعارضة الترويج له في الدول الغربية من شأنه أيضًا تعزيز الخطاب الديني في البلاد، فمؤخرًا برز خطاب جديد في إيران يصف المظاهرات والاحتجاجات بأنها محاولة علمانية لسلخ إيران عن محيطها الإسلامي. وهذا الخطاب قد يلقى قبولًا ورواجًا في الداخل الإيراني، خاصة في الأوساط الشعبية المتدينة في البلاد، مما قد يحفز ويستفز تلك الطبقات لتهب دفاعًا عن النظام وإسقاط أية محاولات لزعزعة أركانه.

مظاهرات إيران - أرشيفية  
مظاهرات إيران - أرشيفية  

ثالثًا: ارتباط هش

محاولات المعارضة الخارجية للنظام الإيراني الارتباط الوثيق بإسرائيل وأمريكا تُعد ارتباطًا هشًا قائمًا على تحقيق المصالح الغربية؛ فإسرائيل، على سبيل المثال، تبغي إيقاف البرنامج النووي ووقف الدعم الإيراني للوكلاء في المنطقة مثل حماس والحوثي وحزب الله. فلو تم هذا الأمر، من المحتمل أن تتخلى أو تتباطأ تل أبيب في استكمال دعمها للنظام الإيراني الذي تروج له قوى المعارضة الخارجية. كما أن واشنطن ترغب أيضًا في الوصول السلس إلى مصافي النفط الإيرانية والحصول على إمدادات مستمرة من ذلك النفط، فلو نجحت واشنطن في تأمين تلك الغاية ستتباطأ أيضًا في توجيه الدعم للنظام الجديد الذي تروج له قوى المعارضة.

رابعًا: استعادة ذكريات الشاه

خلال الفترة الأخيرة، برزت العديد من الحسابات الإلكترونية على مواقع التواصل الاجتماعي تجتر الذكريات الماضية الأليمة التي عاشها الشعب الإيراني في ظل حكم الشاه، وكيف كانت حالة البذخ الإنفاقي على حفلات النظام، مثل حفل التتويج الذي عقد عام 1976، في الوقت الذي كان يعيش فيه أغلب الشعب الإيراني تحت خط الفقر. لذا، فإن تصدر نجل الشاه السابق المشهد الاحتجاجي حاليًا من شأنه تقويض نفوذ وشعبية المعارضة في الأوساط الشعبية الإيرانية.

 ختاما:

 تكشف الاحتجاجات الإيرانية الأخيرة عن هشاشة المشروع المعارض عندما يعتمد على دعم قوى خارجية، مثل إسرائيل والولايات المتحدة. فرغم المظاهر الثورية والرفض الشعبي للفساد والقمع، يبقى ارتباط المعارضة بالخارج عاملًا قد يقوّض مصداقيتها داخليًا ويعزز سردية النظام الحالي عن وجود مؤامرة خارجية تهدد إيران. كما أن هذا الارتباط يُظهر هشاشة الاستراتيجيات المعارضة واعتمادها على أجندات دولية لا تعكس بالضرورة مصالح الشعب الإيراني. وبذلك، فإن مستقبل الحراك الإيراني يرتبط بقدرته على تأسيس مشروع وطني داخلي مستقل، قائم على طموحات الشعب، بعيدًا عن التحالفات الخارجية التي قد تتحول إلى قيد يحد من فاعليته ويهدد أهدافه الأساسية.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء