رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الخريف الأمريكي: كيف تستعد إسرائيل لمرحلة ما بعد ترامب؟

المجلس الأمني الإسرائيلي
المجلس الأمني الإسرائيلي - أرشيفية

رغم حالة السخاء الأمريكي الحالية إزاء إسرائيل، إلا أن ثمة متغيرات داخلية في السياسة الأمريكية تنبئ بوجود حالة من التغير في العلاقات الأمريكية–الإسرائيلية خلال الفترة المقبلة، وتحديدًا في مرحلة ما بعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

وتنبع هذه التغيرات من تحولات القوى السياسية الأمريكية، فالحزبان الكبيران، الجمهوري والديمقراطي، يشهدان عملية تحول متسارعة نحو أقصى اليسار وأقصى اليمين. فالحزب الديمقراطي حاليًا يشهد تحولًا متسارعًا نحو التيار اليساري الاشتراكي الراديكالي، الذي يوصم إسرائيل بصورة عنصرية استعمارية، وقد تجلّى ذلك خلال انتخابات عمدة نيويورك الأخيرة، واستفتاء ولاية كاليفورنيا الأخير لتعديل الدوائر الانتخابية، والذي سمح بزيادة تمثيل الحزب الديمقراطي في انتخابات مجلس النواب المقبل.

أما الحزب الجمهوري، فتبدو الصورة أكثر قتامة، إذ يشهد الحزب في الآونة الأخيرة، وتحديدًا منذ عام 2020، صعودًا دراميًا لقوى اليمين المتطرف، المتمثل في الاتجاهات النازية الجديدة، التي تشكك في أمور مثل المحرقة، وتطالب بوقف دعم الولايات المتحدة لإسرائيل، وأخيرًا اعتبار إسرائيل واليهود خطرًا على تقدم الأمة الأمريكية ونقاء العنصر الأبيض.

إنهاء الدعم الأمريكي لإسرائيل

وإزاء هذه الصورة السوداوية في واشنطن، بدأت إسرائيل تستعد لما يسمى "اليوم التالي"، وبالأحرى الاستعداد لـ"الخريف الأمريكي" القادم، ويبدو أن هناك إدراكًا إسرائيليًا واعيًا بطبيعة التغيرات التي بدأت تصيب السياسة الأمريكية حاليًا.

فخلال لقائه الأخير مع مجلة الإيكونوميست، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أنه بصدد وضع خطط تهدف إلى تقليل الاعتماد على المساعدات العسكرية الأمريكية للجيش الإسرائيلي، على أن تكون تلك الخطة تدريجية لمدة عشر سنوات، تصل فيها إسرائيل إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي من التسليح العسكري، والتوقف نهائيًا عن تلقي المساعدات العسكرية الأمريكية.

وخلال لقائه الأخير، أكد نتنياهو أنه لا يسعى إلى تجديد حزمة المساعدات العسكرية الأمريكية البالغة حوالي 38 مليار دولار، والتي من المقرر إعادة التفاوض حولها خلال عام 2028.

التصدير العسكري الإسرائيلي

في الفترة الأخيرة، حاولت تل أبيب أن تجد لها موطئ قدم في صفوف الدول المتقدمة في الصناعات العسكرية، خاصة في سلاحي المسيّرات وأنظمة الدفاع الجوي المتقدمة، إذ يعتمد كلا السلاحين حاليًا في الصناعات العسكرية الإسرائيلية، وتحاول الترويج لمنظوماتها الخاصة بالدفاع الجوي وكذلك طائراتها المسيّرة.

وشكلت عملية تصدير المسيّرات، وفق إحصائيات الجيش الإسرائيلي، حوالي 25% من إجمالي الصادرات العسكرية الإسرائيلية. ومن أبرز المسيّرات الإسرائيلية: هيرميس 450، وهيرميس 900، وإيتان، وغلف ستريم 550، وهيرون، وأوربيتر، وسباي لايت، وسكاي سترايكر الانتحارية، وكذلك هاربي الانتحارية. وتعد السوق الهندية من أبرز الأسواق العالمية استيرادًا للمسيّرات الإسرائيلية، خاصة مسيّرات هيرميس بأطوارها المختلفة، إذ تمتلك إسرائيل مصنعًا للطائرات المسيّرة في منطقة حيدر آباد.

أما فيما يخص أنظمة الدفاع الجوي، فقد نفذت إسرائيل خلال شهر ديسمبر الماضي أكبر صفقة عسكرية تصديرية في تاريخها، حيث استوردت ألمانيا منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية "آرو 3" المضادة للصواريخ الباليستية بقيمة 4.2 مليار دولار. كما ترغب ألمانيا في الحصول على منظومة الدفاع الإسرائيلية "آرو 4". وتشير التقارير الاقتصادية الإسرائيلية إلى أن إجمالي الصادرات العسكرية الإسرائيلية خلال عام 2025 بلغ حوالي 15 مليار دولار، وهي القيمة نفسها التي سجلتها الصادرات الإسرائيلية في عام 2024.

تداعيات التحول العسكري الإسرائيلي

التحولات العسكرية الأخيرة في إسرائيل جعلتها تنتقل من دولة مستقبِلة للسلاح الغربي إلى دولة مصدّرة للسلاح إلى الدول الغربية، مثل ألمانيا والولايات المتحدة. وتسعى تل أبيب حاليًا إلى أن تكون دولة مصدّرة للسلاح المتقدم، مستخدمة في ذلك العديد من الآليات، من بينها على سبيل المثال:

أولًا: الترويج للخبرة العسكرية الإسرائيلية

ساهمت الحروب الإسرائيلية في الترويج للصناعة العسكرية الإسرائيلية، إذ تكالبت الدول على شراء منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية "آرو 3"، خاصة بعد نجاحها في التصدي لمئات الصواريخ الباليستية القادمة من إيران وقطاع غزة وجنوب لبنان. كما أدت الحرب الأخيرة لإسرائيل إلى إحداث انقسام داخل دول الاتحاد الأوروبي، إذ من المعروف أن فرنسا وألمانيا تشتركان حاليًا في تطوير منظومة دفاع جوي خاصة بهما، إلا أن برلين سارعت وأبرمت صفقة "آرو 3" مع إسرائيل، وهو ما أدى إلى حنق باريس على التصرف الألماني. وعلقت برلين على دوافعها لاستيراد السلاح الإسرائيلي بأنها تخشى التمدد الروسي في شرق أوروبا، وأن السلاح الإسرائيلي نجح في اختباراته أمام الصواريخ الروسية.

كما تروج إسرائيل حاليًا لخبراتها في مجالات التجنيد وإعادة التعبئة الشاملة في أوقات الحروب، خاصة في ظل تنامي حالة العسكرة في الدول الأوروبية، والعودة التدريجية لمسألة التجنيد الإجباري لمواطنيها.

ثانيًا: الاستفادة من التقدم التكنولوجي الأمريكي

تسعى إسرائيل حاليًا للاستفادة من التقدم التقني الأمريكي، خاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات، لذا تركز إسرائيل على التواجد في وادي السيليكون الأمريكي من أجل الاستفادة الفعلية من هذا التقدم التقني.

ثالثًا: اللعب على وتر الخلافات الدولية والتخوفات الأوروبية من روسيا

تسعى إسرائيل إلى الاستفادة من الخلافات التاريخية بين الدول من أجل تعزيز صادراتها العسكرية؛ فعلى سبيل المثال، استفادت من الخلافات الحدودية بين كل من الهند وباكستان لتعزيز صادراتها العسكرية إلى الهند. أما الخلافات الأوروبية–الروسية فيما يخص أزمة أوكرانيا، فتعمل إسرائيل حاليًا على فتح الأسواق الأوروبية أمام السلاح الإسرائيلي، من خلال تصدير أنظمة الدفاع الجوي إلى ألمانيا في ظل التخوفات الألمانية من احتمالية تمدد روسيا في شرق أوروبا.

ختامًا:

في ضوء التحولات المتسارعة داخل المشهد السياسي الأمريكي، تبدو إسرائيل أكثر قراءة لاحتمالات تراجع الدعم الأمريكي التقليدي على المدى المتوسط، وهو ما يدفعها إلى إعادة صياغة استراتيجيتها العسكرية والاقتصادية تحسبًا لمرحلة ما بعد "الخريف الأمريكي". فالسعي نحو تقليص الاعتماد على المساعدات العسكرية، وتعزيز القدرات التصنيعية والتصديرية، والاستفادة من التقدم التكنولوجي الأمريكي، يعكس توجهًا إسرائيليًا لبناء هامش استقلال استراتيجي أوسع. وفي النهاية لا يعبر هذا المسار عن قطيعة وشيكة مع واشنطن بقدر ما يكشف عن استعداد إسرائيلي مبكر لتغيرات بنيوية محتملة في موازين القوى داخل الولايات المتحدة، قد تعيد رسم طبيعة التحالف بين الطرفين خلال السنوات القادمة.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء