رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

"هندسة السلطة" في كاراكاس: فنزويلا تحت الوصاية الأمريكية

 اعتقال الرئيس الفنزويلي
اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو

في أعقاب العملية العسكرية التي نفذتها القوات الأمريكية مطلع شهر يناير الجاري، دخلت فنزويلا مرحلة "الإشراف" المباشر من واشنطن، وهي حقبة سياسية واقتصادية غير مسبوقة تضع أكبر احتياطي نفطي في العالم تحت الوصاية الإدارية للبيت الأبيض.

وبينما يقبع الرئيس المعتقل نيكولاس مادورو في مركز احتجاز فيدرالي بنيويورك بانتظار محاكمته، بدأت ملامح الإدارة الأمريكية الجديدة تتضح من خلال التحكم في تدفقات الخام وتعيين مسارات الحكومة المؤقتة، إذ أعلن الرئيس دونالد ترامب صراحةً أن الولايات المتحدة ستدير عائدات النفط الفنزويلي لتمويل إعادة الإعمار وضمان استقرار الأسواق العالمية.

وفيما تحاول الحكومة المؤقتة في كاراكاس الموازنة بين ضغوط الإشراف الأمريكي وبين الرفض الشعبي لما يوصف بالتبعية، تبرز تساؤلات جوهرية حول قدرة هذا النموذج على تحقيق استقرار مستدام، أم أنه سيحوّل فنزويلا إلى ساحة صراع جيوسياسي ممتد يعيد رسم خارطة النفوذ في أمريكا اللاتينية.

نيكولاس مادورو
نيكولاس مادورو

هندسة السلطة 

تجسد المشهد السياسي الجديد في فنزويلا من خلال نموذج "الإدارة المشتركة" بين واشنطن وكاراكاس، حيث بدأت الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريجيز ممارسة مهامها بتنسيق مباشر ومكثف مع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، ورغم تأكيدات رودريجيز على رفض "التبعية"، فإن التقارير الواردة من القصر الرئاسي "ميرافلوريس" تشير إلى وجود مستشارين أمريكيين يشرفون فعليًا على القرارات الأمنية والسيادية، في إطار خطة ترامب لإدارة البلاد حتى ضمان ما وصفه بانتقال آمن وعادل.

وفي خطوة لترسيخ هذا الإشراف، وضعت واشنطن خارطة طريق أمنية تلزم الحكومة المؤقتة بتطهير مؤسسات الدولة من النفوذ الاستخباراتي (الصيني والروسي والإيراني)، مع التهديد بمصير مشابه لمصير مادورو لأي مسؤول يعرقل هذا المسار، خاصة وزير الداخلية ديوسدادو كابيلو.

ديلسي رودريجيز - الرئيسة المؤقتة لفنزويلا
ديلسي رودريجيز - الرئيسة المؤقتة لفنزويلا

هذا "الإشراف" لا يكتفي بالرقابة، بل يمتد لتمكين واشنطن من إعادة بناء التوازنات داخل الجيش الفنزويلي، ولم يحدد ترامب مدة زمنية دقيقة لبقاء الولايات المتحدة مهيمنة سياسيًا على فنزويلا، موضحًا أن المدة قد تستغرق أكثر من عدة أشهر أو حتى عامًا، قائلًا: "أعتقد أنها ستكون أطول بكثير"، مما يثير تساؤلات حول الهوية الحقيقية للسلطة القادمة ومدى استقلاليتها عن الأجندة الأمريكية في المنطقة.

دبلوماسية النفط

على الصعيد الاقتصادي، انتقل الإشراف الأمريكي إلى مرحلة التنفيذ العملي بإعلان الرئيس ترامب عن اتفاق يقضي بتسليم فنزويلا ما بين 30 إلى 50 مليون برميل من النفط للولايات المتحدة كجزء من ترتيبات المرحلة الانتقالية. هذا الإجراء يكرّس سيطرة واشنطن على شريان الحياة الفنزويلي، حيث يتم توجيه عائدات الخام إلى حسابات تشرف عليها وزارة الخزانة الأمريكية، لضمان استرداد تكاليف العملية العسكرية وتوجيه الفائض المزعوم لإعادة بناء البنية التحتية المتهالكة تحت إشراف شركات أمريكية كبرى مثل شيفرون وهاليبرتون.

وفي الوقت الذي تتسابق فيه الاستثمارات الأمريكية للعودة إلى حقول النفط الفنزويلية، تواجه شركة النفط الوطنية (PDVSA) تحديًا يتمثل في التفكيك الممنهج لنفوذ الشركاء الشرقيين، وتحديدًا شركة CNPC الصينية. إن استراتيجية الإشراف الحالية تهدف إلى تحويل فنزويلا من عضو فاعل في منظمة أوبك إلى مورد حصري وشريك استراتيجي لواشنطن، مما قد يؤدي إلى زيادة الإنتاج بنحو مليون برميل يوميًا خلال العامين القادمين، وهو ما سينعكس مباشرة على أسعار الطاقة العالمية ويؤكد دور واشنطن كـ"مدير فعلي" لأضخم احتياطي نفطي في العالم.

الرئيس ترامب 
الرئيس ترامب 

وأخيرًا، يواجه هذا المسار الاقتصادي عقبات تشريعية في واشنطن، حيث يسعى الكونجرس لتقييد صلاحيات ترامب العسكرية، مما قد يبطئ وتيرة التدفقات الاستثمارية، ومع ذلك تظل الرؤية الأمريكية واضحة في جعل فنزويلا "منطقة اقتصادية آمنة" تخدم مصالح الأمن القومي الأمريكي.

معضلة الهجرة وأمن الحدود

تصاعدت المخاوف في العواصم المجاورة لكاراكاس من تداعيات الإشراف الأمريكي، حيث رفعت كولومبيا حالة التأهب العسكري على الحدود، ونشرت نحو 30 ألف جندي لمواجهة موجة نزوح بشري محتملة قد تتجاوز المليون لاجئ جديد. ويرى الرئيس الكولومبي جوستافو بيترو أن التدخل العسكري وما تلاه من إشراف مباشر يهدد بتقويض الاستقرار الإقليمي، محذرًا من أن تحول فنزويلا إلى ساحة عمليات دولية سيعمق أزمة الهجرة التي تعاني منها المنطقة أصلًا، بينما تدرس بوغوتا إعلان "حالة طوارئ اقتصادية" للتعامل مع التدفقات البشرية المتوقعة عبر ممر دارين.

وفي المقابل، بدأت إدارة ترامب في ممارسة ضغوط على دول الجوار لضبط حدودها، معتبرة أن استقرار فنزويلا تحت الإشراف الأمريكي هو السبيل الوحيد لإنهاء أزمة اللاجئين على المدى الطويل.

ومع ذلك، تترقب البرازيل وتشيلي من أن يؤدي هذا النموذج إلى نشوء بؤر توتر مسلحة على الحدود، خاصة مع بقاء مجموعات موالية لنظام مادورو السابق في مناطق الغابات، مما يجعل "الإشراف الأمريكي" أمام اختبار أمني معقد يتجاوز حدود كاراكاس ليشمل أمن القارة اللاتينية بأكملها.

صراع الأقطاب

أحدثت عملية "الحزم المطلق" وما تبعها من وضع اليد على الموارد الفنزويلية صدمة في بكين وموسكو، حيث وصفت الخارجية الصينية الإجراءات الأمريكية بأنها "انتهاك صارخ للقانون الدولي وصدمة للأعراف الدبلوماسية". ويمثل هذا الإشراف ضربة قاصمة لمصالح الصين التي استثمرت مليارات الدولارات في قطاع الطاقة الفنزويلي مقابل إمدادات نفطية طويلة الأمد، بينما تجد روسيا نفسها أمام "طرد جيوسياسي" من أهم معاقلها في نصف الكرة الغربي، مما دفع الكرملين لوصف التحرك الأمريكي بأنه عودة لزمن "البلطجة الاستعمارية".

 الرئيس الكولومبي جوستافو
 الرئيس الكولومبي جوستافو

وعلى صعيد المنظمات الدولية، انتقلت المعركة إلى أروقة مجلس الأمن الدولي، حيث دعت البرازيل والصين إلى جلسات طارئة لإدانة "العدوان الأمريكي" والمطالبة بإطلاق سراح مادورو. إلا أن واشنطن، مستندة إلى "حق النقض" (Veto) وتفويضات مكافحة الإرهاب والمخدرات، تبدو ماضية في تكريس واقع جديد ينهي حقبة "تعدد الأقطاب" في أمريكا اللاتينية. هذا الاصطدام الدبلوماسي ينذر ببداية حرب باردة جديدة، حيث تسعى واشنطن لاسترداد نفوذها المطلق في "حديقتها الخلفية"، بينما تحاول القوى الشرقية حماية استثماراتها المهددة بالتأميم أو المصادرة تحت بند "الإشراف".

ختامًا:

 يعكس الإشراف الأمريكي على فنزويلا تحولًا جذريًا في طبيعة التدخلات الدولية، حيث لم يعد النفوذ يُمارَس عبر الضغوط الدبلوماسية أو العقوبات الاقتصادية فحسب، بل من خلال إدارة مباشرة لمفاصل الدولة السيادية، وعلى رأسها النفط والأمن. وبين وعود الاستقرار وإعادة الإعمار، ومخاطر فقدان الاستقلال السياسي وتعميق الانقسامات الداخلية، تقف فنزويلا أمام مفترق طرق حاسم قد يعيد تعريف موقعها ودورها في أمريكا اللاتينية.

وفي ظل اشتداد صراع الأقطاب وتراجع هامش المناورة أمام القوى الإقليمية، يبقى مستقبل كاراكاس مرهونًا بقدرتها على استعادة توازنها الداخلي، وبمدى استعداد واشنطن لتحويل الإشراف المؤقت إلى مسار انتقالي حقيقي، لا إلى نموذج دائم من الوصاية يعيد إنتاج التوترات الجيوسياسية ويهدد استقرار القارة بأكملها.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء