كيف ينهي "قياس الأثر التشريعي" عصر النصوص الجامدة لقوانين الانتخابات|تقرير
تعد القوانين المنظمة للعملية الانتخابية هي "العمود الفقري" لأي تحول ديمقراطي، فهي لا ترسم فقط حدود المنافسة بين التيارات السياسية، بل تصيغ شكل العلاقة بين المواطن وصندوق الاقتراع.
ومع تزايد الزخم السياسي الذي يشهده الشارع المصري، لم يعد الاكتفاء بـ "إقرار القوانين" كافياً، بل برزت الحاجة الملحة لما يُعرف بـ "قياس الأثر التشريعي"، تلك الأداة التي تحول النصوص الصماء إلى كائن حي يتفاعل مع الواقع، ويخضع للتعديل بناءً على الممارسة الميدانية، لضمان أن تظل التشريعات معبرة عن إرادة الناخب وطموحات الدولة في تحقيق النزاهة والعدالة.
جودة التشريع.. معادلة الإعداد المسبق والنتائج المتوقعة
في هذا السياق، يضع الدكتور كريم سيد عبد الرازق أستاذ العلوم السياسية بجامعة الإسكندرية، محددات واضحة لجودة العملية التشريعية، مؤكداً أن كفاءة القانون تتوقف بشكل مباشر على مدى دقة التحضير ودراسة الآثار المصاحبة لتطبيقه.
ويرى عبد الرازق، أن التعرف على النتائج المتوقعة ومناقشة البدائل قبل التنفيذ هو الضمانة الحقيقية لإضفاء "الشرعية والقبول المجتمعي" على السياسات العامة.
ويوضح أن قياس الأثر يعني الإحاطة الشاملة بأبعاد القانون لتصنيف مزاياه وتكاليفه، ورغم صعوبة وضع مؤشرات كمية لظواهر اجتماعية كالانتخابات، إلا أن وجود منظومة تقيس درجات التأثير (سلباً وإيجاباً) على المجتمع وموارد الدولة يعد أمراً حتمياً لاختيار البديل الأنسب، وهو ما يتطلب إرادة سياسية وإمكانيات تقنية واستقلالية تامة للقائمين على عملية القياس لضمان ثقة الرأي العام.
وبدوره يرى النائب الدكتور نبيل العطار وفي تصريحات خاصة لـ "إيجبتك"، أن دور المشرع لا ينتهي بمجرد صياغة النص القانوني ونشره في الجريدة الرسمية، ولكن يجب أن يبدأ فصل جديد وأكثر أهمية يتمثل في "قياس الأثر التشريعي".
وفي سياق قوانين الانتخابات، يتجاوز هذا القياس مجرد فحص النصوص، ليمتد إلى تحليل النتائج المترتبة على تطبيق النظام الانتخابي (سواء كان فردياً، أو قائماً على القائمة، أو مختلطاً) ومدى انعكاسه على عدالة التمثيل السياسي واستقرار المؤسسات التشريعية.
ويضيف العطار: ولذلك إن الانتقال من "تشريع الضرورة" إلى "تشريع الأثر" هو ما يميز الدول التي تسعى لبناء ديمقراطية مستدامة، حيث يصبح الصندوق الانتخابي وسيلة للتعبير عن إرادة واعية تدعمها قوانين خضعت لمختبر الواقع وأثبتت جدواها.
ويري العطار انه لابد من النظر في النظام الانتخابي ككل حيث أن النظام الفردي أفضل الأنظمة التي تتناسب مع طبيعة الشعب المصري وثقافته ومرجعياته.
سعيد عبد الحافظ.. قياس الأثر "ضرورة حتمية" وليس ترفاً قانونياً
من جانبه، يرى المحامي بالنقض، سعيد عبد الحافظ، عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان، أن قياس الأثر التشريعي للقوانين الانتخابية قد تجاوز مرحلة "النقاشات النظرية"، وأصبح اليوم ضرورة لضمان فاعلية المنظومة.
وفي تصريحات خاصة لـ "إيجبتك"، شدد عبد الحافظ على أن جودة أي قانون تكمن في قدرته الواقعية على تحقيق الأهداف التي شُرع من أجلها، بعيداً عن الجمود الذي قد يفصله عن الواقع.
انتقادات "النواب" السابقة.. فرصة ذهبية للإصلاح
وفي رؤية تحليلية للمشهد الانتخابي، دعا عبد الحافظ إلى تغيير زاوية النظر تجاه الانتقادات التي رافقت انتخابات مجلس النواب الأخيرة، مؤكداً أنها لا ينبغي أن تُعامل كأزمات، بل كـ "فرصة جوهرية" للمراجعة.
واعتبر أن العملية الانتخابية هي "المختبر الحقيقي" للنصوص القانونية، حيث تكشف الممارسة الفعلية عن أي فجوات تفصل بين النص وتطبيقه على الأرض.
أدوات القياس.."مبضع الجراح" لتطوير التشريع
وحدد عبد الحافظ عدة ركائز أساسية لتقييم كفاءة النصوص القانونية، وصفها بأنها تعمل كـ "مبضع الجراح" للتمييز بين القصور في النص وبين العقبات التنفيذية، ومن أبرزها:
- رصد المعوقات الميدانية: تتبع التحديات التي واجهت الناخبين والمرشحين والجهات المنظمة.
- تحليل المبادئ الدستورية: قياس مدى تحقق تكافؤ الفرص والنزاهة الإجرائية.
- البيانات الموضوعية: الاعتماد على التقارير الرسمية وتقارير المجتمع المدني كأدوات تقييم محايدة.
التشريع كائن حي يتطور
تظل القاعدة القانونية الذهبية التي يشدد عليها الخبراء هي أن "التشريع لا يجوز التعامل معه كنص جامد"؛ فالتجارب العملية، بما تحمله من نجاحات أو إخفاقات، هي المنبع الأساسي لتحسين القوانين.
إن قياس الأثر التشريعي هو الأداة الوحيدة لضمان تحويل الممارسة الديمقراطية إلى تشريعات أكثر عدالة وكفاءة، تعزز الثقة العامة في صندوق الاقتراع وترسم طريقاً آمناً للمستقبل النيابي.



