رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

ولاية الفقيه والصوفية بين صراع النفوذ السياسي والقيادة الروحية

الطرق الصوفية - أرشيفية
الطرق الصوفية - أرشيفية

رغم القبضة العقائدية الصارمة التي يفرضها النظام الإيراني منذ أربعة عقود، تظل الطرق الصوفية واحدة من أكثر التيارات الدينية حضورًا وتأثيرًا داخل المجتمع الإيراني، بما تحمله من تاريخ طويل ونَفَس روحاني يتجاوز حدود الطائفة الرسمية للدولة. ففي بلد يقوم نظامه السياسي على مفهوم "ولاية الفقيه"، تمثل الصوفية مساحة موازية للخطاب الديني التقليدي، بل وملاذًا روحانيًا لمن يسعى إلى فهم الإسلام بعيدًا عن التفسيرات المؤدلجة.

غير أن حضور الصوفية داخل إيران لم يكن يومًا بمنأى عن الصراع السياسي، إذ اشتبكت الطرق الصوفية الكبرى- وفي مقدمتها الدراويش القادريّة والنعمة اللهية - مع النظام الإيراني مرات عدة، نتيجة تضييق السلطات ومحاولات إخضاع هذه الطرق لسلطة المؤسسة الدينية الرسمية. وتزايدت حدّة هذا التوتر في السنوات الأخيرة مع اتساع نفوذ الطرق الصوفية، وانتشار مجالس الذكر والأنشطة الروحية التي تُعدها السلطة تهديدًا لاحتكارها الديني والسياسي.

الطرق الصوفية - أرشيفية 
الطرق الصوفية - أرشيفية 

اليوم، تقف الصوفية في إيران عند تقاطع معقّد، ما بين إرثها العميق الممتد لقرون، وضغط السلطة التي تخشى أي تيار ديني خارج سيطرتها، ما يفتح الباب أمام قراءة معمّقة لطبيعة هذا التيار الصوفي، وأسباب الصدام معه، ودوره المحتملة في ظل تداعيات تسمح بسقوط النظام وسط خضم معارك خارجية متعددة.

منذ قيام "الثورة الإسلامية" في إيران عام 1979، دخلت الظاهرة الصوفية مرحلة جديدة تتسم بالتعقيد الشديد والتناقض الحاد بين التأييد الفلسفي والرفض المؤسسي. فعلى الرغم من أن الإمام الخميني – المرشد الأول للجمهورية – كان مُلمًّا بعلوم "العرفان النظري" ومتصوفًا على المستوى الفكري، ومستلهمًا تراث ابن عربي، فإن الدولة التي شُيّدت على مبدأ "ولاية الفقيه" لم تستطع قبول وجود طرق صوفية ذات قيادة مستقلة يمكن أن تشكل مراكز تأثير روحي خارج المنظومة الدينية الرسمية. وهكذا، تحوّلت الصوفية إلى أحد أكثر ميادين التوتر الديني والسياسي حساسية داخل إيران.

العرفان النظري

تبنى النظام الإيراني منذ لحظته التأسيسية جانبًا من "العرفان الشيعي" الفلسفي الذي يُعد امتدادًا لمدارس الحكمة الإشراقية والتصوف الفلسفي، وقد اكتسب هذا العرفان – باعتباره نظرية معرفية وروحية – شرعية داخل الحوزات العلمية والأوساط الأكاديمية، حتى بات جزءًا من المناهج الرسمية التي تُدرّس في الجامعات الدينية.

الطرق الصوفية - أرشيفية 
الطرق الصوفية - أرشيفية 

إلا أن هذا العرفان، مهما بلغ من عمق وتأثير، ظل يقتصر على المستوى النظري، ولا يُترجم إلى حركة اجتماعية لها مؤسساتها وطقوسها وقياداتها. في إطار من المفارقة، التي تجعل الدولة تقبل التصوف عندما يكون فلسفة وتأملًا، لكنها ترفضه عندما يتحول إلى كيان له شبكات محلية وجمهور واسع.

الصوفية في مواجهة "ولاية الفقيه"

تتعامل الجمهورية الإسلامية الإيرانية مع الطرق الصوفية المنظمة بوصفها منافسًا محتملاً للسلطة الدينية، إذ إن وجود شيخ صوفي ذي تأثير روحي واسع يمكن أن ينازع "الفقيه الحاكم" على شرعية القيادة، ومن ثم اتُّهمت العديد من الطرق بـ"البدعة والانحراف"، وهي اتهامات وفّرت غطاء شرعيًا لحملات التضييق عليها.

شهد العقدان الأخيران موجة من الإجراءات الأمنية الصارمة ضد طرق صوفية مثل "النعمة اللهية" ، أو "الجنابادية"، إذ تعرّض المريدون للاعتقال، ودُمرت بعض الخانقاوات (أماكن الذكر)، وتمت ملاحقة القادة الروحيين. ويكشف هذا السلوك عن صراع عميق داخل إيران بين مركزية السلطة الدينية، ومراكز التدين الشعبي التي تتجاوز الإطار الرسمي وتُعبّر عن مفهوم مختلف للعلاقة مع المقدّس.

الصوفية والهوية السنية

لا يمكن دراسة الصوفية في إيران دون المرور على المشهد السني الذي يمثل رافدًا أساسيًا للطرق الصوفية الكبرى. فالسنة في إيران – الذين تتراوح نسبتهم بحسب التقديرات بين 10% و30% – ينتشرون على الأطراف والجغرافيا الحدودية بعيدًا عن المركز الفارسي الشيعي الذي تَشَيّع في العصر الصفوي. وينتمي هؤلاء السنة إلى مجموعات عرقية متعددة: الكرد، البلوش، والتركمان، والعرب، والأذريون، إضافة إلى مجموعات فارسية صغيرة تتبع المذهب الشافعي في فارس.

يتقاطع هذا التنوع العرقي مع حضور الطرق الصوفية السنية العالمية، وخاصة "النقشبندية"، التي تُعد إحدى أكبر الطرق الصوفية انتشارًا داخل إيران والعالم، إذ يبلغ عدد مريديها أكثر من 10 ملايين شخص في عشرات الدول.

الطرق الصوفية - أرشيفية 
الطرق الصوفية - أرشيفية 

التصوف السني والتحدي السياسي للدولة

يتَّهم النظام الإيراني غالبية الطرق الصوفية السنية بأنها تحمل أفكارًا "انفصالية" أو "معادية لولاية الفقيه"، ويعتبرها امتدادًا للتسنن السياسي، خاصة أن الفكر الصوفي السني تاريخيًا يميل إلى الفصل بين الدين والسلطة، وهو ما يعد تهديدًا مباشرًا لمفهوم "ولاية الفقيه"، الذي يقوم على الدمج المطلق بين السياسة والشرعية الدينية.

واللافت أن الاتهامات في إيران تنقلب انعكاسيًا، ففي حين يتهم بعض خصوم إيران الطرق الصوفية العربية بأنها متأثرة بالروحانية الشيعية، يتهم النظام الإيراني الطرق الصوفية لديه بأنها "سنية الهوى"، ما يعكس حالة الريبة العميقة تجاه كل ما لا يقع مباشرة تحت سلطة المؤسسة الدينية الرسمية.

صوفية إيران تاريخ ممتد وتنوع واسع

تعدد الطرق الصوفية الشيعية في إيران، ومن أبرزها الطريقة "الجيشتية" أو "الشيشتية"، إحدى أشهر الطرق الصوفية في شبه القارة الهندية (بنجلاديش، بوتان، الهند، نيبال، وباكستان)، ومؤسسها الملقب بـ"شمس مملكة الهند" الشيخ أحمد إبدال الجشتي، المولود في العام 1142، ببلدة جشت بإقليم خُراسان في إيران، وتوفي عام 1236، في "أجمير" بولاية راجستان الهندية، وله هناك ضريح يتبرك به المريدون.

كما انتشرت السلسلة الذهبية أو سلسلة "نعمت اللهي"، أو الطرق النعمتلاهيَّة، نسبة إلى نعمة الله الولي العلوي الحلبي (1330 - 1431)، في إيران والهند، وهي أكثر الطرق انتشارًا في إيران، وتتعدد فروعها كالتالي: نعمت اللهي سلطان، نعمت اللهي صفي علي شاهي، نعمت اللهي مونس عليشاهي، نعمت اللهي كوثر عليشاهي، نعمت اللهي منور علي شاهي، نعمت اللهي نور علي شاهي.. إلخ.

وتنتشر أيضًا الطريقة "الكبراوية"، نسبة إلى الشيخ نجم الدين كبري الأوزباكستاني (1145 - 1221)، والتي كانت على المذهب السُّني، تؤمن بالمعتقد الأشعري وفقًا للمذهب الشافعي في الفقه، لكنها تشيّعت فيما بعد.

الطرق الصوفية - أرشيفية 
الطرق الصوفية - أرشيفية 

10 ملايين مريد حول العالم

وتُعتبر "النقشبندية" الطريقة الصوفية السُّنية الأكثر انتشارًا بين السُّنة في إيران، كما أنها من أكبر الطرق الصوفية انتشارًا حول العالم، ويعود أصلها إلى آسيا الصغرى، أسسها وتنسب إليه محمد بهاء الدين نقشبند، المولود في أوزباكستان (1317 - 1389)، وكانت في بداية انتشارها موجودة في بلاد بخاري (جمهورية أوزبكستان الحالية)، وبلاد الترك (أذربيجان، كازاخستان، قيرغيزستان، تركمانستان، تركيا، وأوزبكستان).

إلا أنها انتشرت، في العصر الحديث، في أماكن مختلفة من العالم، إذ دخلت دول أوروبا والولايات المتحدة، إلى جانب دول الشرق الأوسط وشبه القارة الهندية والدول العربية، ووصل عدد مريديها حسب إحصاءات خاصة بالطريقة إلى أكثر من 10 ملايين مريد حول العالم.

ولا يُعرف متى دخلت "النقشبندية" إيران، التي كانت سُنية قبل قيام الدولة الصفوية، وقد شهدت وجودًا للنقشبندية قبل التشيُّع، ولكن في العصر الحديث دخلت "النقشبندية" إيران بعد احتلال طهران إقليم أذربيجان الجنوبي (يقع حاليًّا داخل الأراضي الإيرانية، ويضم محافظات أذربيجان الغربية، وأذربيجان الشرقية، وأردبيل، وزنجان، ويسكنها الأقلية الأذرية في إيران).

وضمت إيران الإقليم بالقوة العسكرية بعد تخلي الاتحاد السوفيتي عنه عام 1946، ويسكن الإقليم الآن غالبية سُنية كردية تتبع المذهب الحنفي والطريقة الصوفية النقشبندية، وشهد هذا الإقليم عدة ثورات وأحداث عنف على مر تاريخه، شارك فيها الصوفية "النقشبندية" ضمن التحركات المطالبة بحقوقه، ومنها الاستقلال عن إيران.

وتدعم الطريقة "النقشبندية" في العراق (كردستان) فرعها في إيران، ودائمًا ما تضغط على طهران باتهامها في معظم العمليات الإرهابية التي تحدث في المنطقة، حتى تُخفف من الضغط على نظيرتها السُّنية في إيران.

الصراع الأبرز بين الصوفية والدولة

تمثل الطريقة "النعمة اللهية" فرع "جنابادي" إحدى أبرز الطرق الصوفية في الجمهورية الإيرانية، وهي امتداد تاريخي لطريقة تعود إلى شاه نعمة الله ولي في القرن الرابع عشر، حيث تبلورت في سياق التصوف الإيراني الذي يجمع بين الممارسة الشعائرية والسلوك الروحي الباطني، وارتبطت الطريقة بمدينة "جناباد" في خراسان شمال شرق إيران، حيث نشأت مراكزها الأساسية، ومنها انتشرت عبر شبكة من الخانقاوات والأتباع الذين أسهموا في تكوين تجمع يقوم على العلاقة بين الشيخ والمريد مع الالتزام بأوراد وطقوس دينية معينة.

الطرق الصوفية - أرشيفية 
الطرق الصوفية - أرشيفية 

ويعد أتباع هذه الطريقة أنفسهم جزءًا من المذهب الشيعي الإثني عشري، ويحافظون على أداء عبادات تعتمد على المجاهدة الروحية، ويهتمون بالأدب الصوفي، وخاصة شعر جلال الدين الرومي، حيث تظهر التجربة الصوفية كتجربة وجودية وروحية وليست مجرد تنظير فكري.

وتتميز الطريقة "الجنابادية" ببنية اجتماعية متغلغلة في المدن والبلدات، مع علاقات اجتماعية وروابط قائمة على التآزر وإحياء المناسبات الدينية وفعاليات الذكر الجماعي، ووجود قيادة روحية مركزية كان من أبرز رموزها في العقود الأخيرة نور علي تابنده، الذي مثّل نقطة محورية في توجيه الحركة، وهو ما أعطى للفرع "الجنابادي" قوة تماسك.

تسبّب الانتشار "الجنابادي" القوي في تخويف النظام الإيراني منها، إذ إن السلطة في إيران تقوم على هيمنة مؤسسة دينية رسمية ترى نفسها المرجع الأعلى في تحديد الصيغة المقبولة من التدين، ويُنظر إلى أي تجمع ديني مستقل، وخاصة إذا كان واسعًا ومنظمًا، بوصفه احتمالًا لمركز نفوذ روحي منافس للشرعية الدينية للنظام من خلال إيجاد شبكات ولاء خارج الإطار الرسمي لـ"ولاية الفقيه".

اعتبر النظام الإيراني أن "الجناباديين" تنظيمًا منافسًا قادرًا على ممارسة التأثير في الشعب، ومن هنا جاء التعامل معهم في إطار أمني وسياسي أكثر منه ديني أو ثقافي، لذا شهدت العلاقة بينهم وبين نظام "ولاية الفقيه" توترات تصاعدت في بعض الفترات إلى مواجهات علنية، خاصة في أحداث عام 2018، حين اندلعت احتجاجات في طهران تخللتها اعتقالات واشتباكات واتهامات متبادلة، ثم محاكمات صدرت فيها أحكام قاسية جدًا، ما أدّى إلى اهتمام حقوقي ودولي وتسليط الضوء على القيود المفروضة على حرية الممارسة الدينية في دولة الملالي.

اعتمدت الدولة في تعاملها مع "الجنابادية" على مجموعة من الأدوات شملت غلق بعض المراكز الدينية، وفرض قيود على تجمعات الذكر، ومنع توسع الحلقات الروحية، واعتقال شخصيات "جنابادية" بارزة، وتقييد حركة القيادة الروحية للطريقة، إضافة إلى خطاب إعلامي يصوّر الحركة باعتبارها مصدر تهديد للاستقرار، وذلك خوفًا من امتلاك بعض أفرادها أدوات تعبئة شعبية يمكن أن تُستغل سياسيًا ضد النظام.

ورغم حملات الملاحقة، لم يؤدِّ ذلك إلى اختفاء الطريقة، ولكنه دفعها إلى التحول من النشاط العلني إلى أشكال سرية، وإلى الاعتماد على تجمعات صغيرة وعلاقات روحية شخصية أكثر من التجمعات العامة، كما أن جزءًا من أتباعها اتجه إلى الخارج، مما أسهم في تكوين حضور عالمي ما زال صغيرًا لكنه مستمر في النمو.

ورغم الضغوط، حافظت الطريقة على الجوهر الذي يجعل التصوف في إيران جزءًا من بنية الثقافة الروحية العميقة، حيث يبقى الشعر والذكر والموسيقى العرفانية ومفهوم التزكية عناصر قادرة على البقاء حتى حين تُقيد الأطر التنظيمية. ويمكن القول إن جوهر الصراع لا يتعلق بأصل المعتقد، بل بمسألة من يمتلك سلطة تعريف التدين المشروع، ومن يملك الحق في قيادة الجماعة الروحية، ومن يُسمح له بامتلاك جمهور يستمع إليه ويتحرك معه، لذلك يمكن التنبؤ بأن العلاقة ستظل في حالة توتر متقطع يتصاعد عندما يصبح حضور الطريقة علنيًا وواسعًا، وينخفض عندما تنكمش إلى الممارسات الفردية وحلقات الذكر الصغيرة، أو حين تنتقل بعض أدوارها إلى الجاليات خارج إيران.

الطرق الصوفية - أرشيفية 
الطرق الصوفية - أرشيفية 

الصوفية في إيران مرآة لصراع أعمق

الطريقة "النعمة اللهية" أو "الجنابادية" ليست ظاهرة دينية بل ظاهرة هوية وثقافة ومعنى، وهي تمثّل سؤالًا مفتوحًا في علاقة السلطة السياسية بالدين، وهو مدى كون التدين تجربة روحية مستقلة أم مؤسسة يجب أن تبقى تحت سيطرة أجهزة الدولة التي تحتكر شرعنة التدين، وما دامت هذه الأسئلة قائمة، فإن وضع الطريقة سيبقى مؤشرًا صالحًا لقياس مساحة الحرية الروحية ومتابعة تطور البنية الاجتماعية داخل الجمهورية الإيرانية في ظل نظامها الديني الفريد.

وبقدر ما تظل الصوفية ظاهرة روحانية، فإنها أيضًا ظاهرة سياسية واجتماعية تكشف طبيعة العلاقة بين السلطة والدين في الجمهورية الإسلامية. ولذلك سيبقى وضعها مؤشرًا دقيقًا لمدى الحرية الدينية، وتطور الهوية الاجتماعية في إيران، وقدرتها على استيعاب التعدد الروحي والثقافي في ظل نظام ديني فريد يحاول احتكار المعنى وتوجيه التدين وفق معايير سياسية محضة.

الانتهاكات الإنسانية

يحفل سجل إيران في مجال حقوق الإنسان الدينية بصفة خاصة بالعديد من التجاوزات، معظمها مع المختلفين مع الدولة في المذهب، إذ مارست الحكومة الإيرانية أنواعًا مختلفة من الضغوط على المفكرين المطالبين بالحرية الدينية، فاعتقلت الشيخ فتحي محمد نقشبندي أحد مؤسسي "جمعية أهل السُنة في إيران"، التي يقولون إنها تُشكل 20% من السكان، وعمليات الاستيقاف الأمني المتعددة بحق المعارضة السُّنية في إيران عامة، والصوفية خاصة.

ومن أبرز الانتهاكات التي مارستها إيران تجاه الجمعية، حرمان مفكري السُّنة من المناصب المهمة في الحكومة، ومنع توظيف عامة أهل السُّنة في المؤسسات الحكومية العامة، وعدم السماح للطلاب بالتسجيل في الكليات المهمة، كما يشير البعض إلى الإعدامات السياسية والعقدية لطالبي الحرية من أهل السُّنة، ومنع تجهيز ندوات أو محاضرات أو مؤتمرات أو بناء مساجد سُنية، ما يمنع ظهور هذه الطرق الصوفية بشكل رسمي مثل نظيراتها من الطرق الشيعية، إلى غير ذلك من الانتهاكات التي تتعارض مع حقوق الإنسان، والتي قد ترقى إلى مستوى الاضطهاد الديني.

الطرق الصوفية - أرشيفية 
الطرق الصوفية - أرشيفية 

تصف المستشرقة الألمانية والباحثة المختصة في العلوم الإسلامية آنه ماري شيمل، في كتابها "الأبعاد الصوفية في الإسلام" كيف وضعت كلمات القرآن في القرنين التاسع والعاشر الميلاديين حجر الأساس للتعاليم الصوفية: "لقد كان الصوفيون الأوائل يَحْيَوْنَ في ظلِّ رهبة يوم القيامة كما جاء وصفه في كثير من الآيات القرآنية التي تقشعرُّ لها الجلود والأبدان، حتى اكتشفوا أنَّ القرآن يَعِدُ أيضًا بالحبِّ المتبادل بين الله والإنسان". كان التصوُّف يتمحور حول الحبِّ ومن أجل هذا الحبِّ منذ قرون من الزمن وحتى يومنا هذا باستخدام صيغ وصور وأسئلة جديدة وأكثر دقة.

الصوفيون السنة والمجتمع الإيراني

وتتنوع أشكال التصوف من "الصوفية الشعبية" القائمة على الأذكار والإنشاد، إلى "التصوف الفلسفي" المعتمد على وحدة الوجود، وهو ما يظهر جليًا في أشعار حافظ الشيرازي الذي حاول بعض الملالي تحريمه خلال الثورة، لكنهم فشلوا أمام شعبيته الواسعة التي جعلت من ديوانه جزءًا من الهوية الروحية الفارسية. ومع ذلك، فإن هذا الحضور الشعبي بات يمثل تهديدًا للمؤسسة الدينية، التي ترى في الطرق الصوفية منافسًا محتملًا على الشرعية الروحية.

ولكن التوتُّرات بين الصوفيين والأصوليين المتزمِّتين، والتي تصاعدت الآن إلى عداء ملموس، فقد تم مرارًا وتكرارًا في السنوات الأخيرة إغلاق أماكن الصلاة والالتقاء الصوفية - مثلما حدث في مدينتي قُمّ وأصفهان، وأحيانًا تمَّت تسويتها بالأرض باستخدام الجرَّافات، كما تعرَّض الصوفيون للضرب وتم زجُّهم في السجون. إذ إنَّ شعبيَّتهم تثير الخوف من المنافسة لدى رجال الدين، وذلك لأنَّها تضر بالفقهاء وعلماء الدين على أرضهم. فوجود الصوفيين وحده يُقَوِّض العلاقة الوثيقة بين السياسة والدين.

الطرق الصوفية - أرشيفية 
الطرق الصوفية - أرشيفية 

على الرغم من كل الضغوط، لا تزال الصوفية في إيران حية وقادرة على التكيّف. وقد تحوّل جزء من نشاطها إلى أوروبا وأمريكا، بينما اختار جزء آخر العودة إلى الروح الفردية بعيدًا عن التنظيمات العلنية. ومع ذلك، تبقى جذور التصوف في إيران ضاربة في عمق الثقافة الفارسية، التي ترى في الشعر والذكر والموسيقى العرفانية شكلًا من أشكال التعبير الروحي العابر للقيود السياسية.

ختامًا:

تبرز دراسة أوضاع الطرق الصوفية في إيران عن مشهد ديني وسياسي أكثر تعقيدًا مما يبدو على السطح. فالصوفية، التي تمثل أحد أعرق المكونات الروحانية في التاريخ الإسلامي الإيراني، تجد نفسها اليوم أمام دولة تسعى لاحتكار المجال الديني تحت مظلة "ولاية الفقيه"، وتتعامل مع أي تيار موازٍ بوصفه تهديدًا لبنيتها العقائدية ومشروعها السياسي. وبينما يستند النظام إلى أدوات القمع والتضييق القانوني والأمني، يردّ المتصوفة بالتمسك بموروثهم وبممارساتهم الروحية التي نجحت—على مدار قرون—في تجاوز محاولات الإقصاء والاحتواء.

ومع اتساع دائرة الاحتقان الداخلي والتحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تعصف بإيران، يتزايد الإقبال الشعبي على التيارات الروحانية غير المسيسة، وفي مقدمتها الصوفية، بوصفها متنفسًا ومجالًا بديلًا للبحث عن المعنى والطمأنينة. الأمر الذي يجعل مستقبل العلاقة بين الدولة والطرق الصوفية مفتوحًا على احتمالات متعددة: من التصعيد والعنف كما حدث سابقًا، إلى محاولات الاحتواء، أو حتى بروز الصوفية كلاعب ثقافي مؤثر يعيد تشكيل مساحات التعبير الديني داخل البلاد.

وفي كل الأحوال، يبقى حضور الصوفية - بعمقها التاريخي وقدرتها على التجدد - عاملًا لا يمكن تجاهله في قراءة المشهد الإيراني، ولا في فهم مسارات الصراع بين السلطة والمجتمع على حد سواء.

عمرو فاروق*

كاتب وباحث في شؤون الجماعات الأصولية وقضايا الأمن الإقليمي 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء