رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

نهاية "نيو ستارت".. لماذا يصر ترامب على المثلث النووي؟

ترامب وبوتين - أرشيفية
ترامب وبوتين - أرشيفية

في خطوة تعكس تحولًا جذريًا في استراتيجية الردع الأمريكية، أبدى الرئيس دونالد ترامب عدم اكتراثه بانتهاء صلاحية معاهدة "نيو ستارت" المقررة في الخامس من فبراير القادم، مؤكدًا في تصريحاته الأخيرة لصحيفة نيويورك تايمز أن واشنطن لن تلهث وراء تمديد الاتفاقية بصيغتها الحالية، التي وصفها بأنها "قديمة".

وقال ترامب بلهجة حاسمة: "إذا انتهت المعاهدة فلتنتهِ.. سنقوم ببساطة بعقد اتفاق أفضل"، في إشارة واضحة إلى نية إدارته التخلي عن آخر ركائز الحد من التسلح الموروثة مع موسكو، مقابل السعي نحو صياغة إطار أمني جديد يفرض شروطًا أكثر صرامة تتوافق مع رؤية "أمريكا أولًا".

ولا تقتصر رؤية ترامب على الجانب الروسي فحسب، بل يصر الرئيس الأمريكي على أن أي اتفاق مستقبلي يجب أن يكون ثلاثيًا عبر إقحام الصين كطرف أساسي على طاولة المفاوضات، مبررًا ذلك بضرورة كبح جماح الترسانة النووية المتنامية لبكين.

وبينما تتزايد التحذيرات الدولية من انزلاق العالم نحو سباق تسلح غير محكوم، يرى ترامب أن امتلاك الولايات المتحدة "القوة والمصداقية" هو الضمان الوحيد للأمن العالمي، ملمحًا إلى أن البديل عن الاتفاق الشامل سيكون تعزيز القدرات النووية الأمريكية دون قيود، بما في ذلك العودة المحتملة للتجارب الميدانية لضمان التفوق التكنولوجي والعسكري المطلق.

ترامب وبوتين 
ترامب وبوتين 

"عقيدة الصفقات" ونهاية الثنائية القطبية

تتبنى الإدارة الأمريكية الحالية نهجًا يقوم على أن معاهدة "نيو ستارت" لم تعد تلبي المتطلبات الأمنية للقرن الحادي والعشرين، بل أصبحت عائقًا أمام تحديث القدرات العسكرية، إذ يرى الرئيس ترامب أن الاتفاقات الثنائية الموروثة من حقبة الحرب الباردة منحت موسكو ميزات استراتيجية على حساب المرونة الأمريكية في تطوير أنظمة دفاعية وهجومية متطورة.

ينظر البيت الأبيض إلى تاريخ 5 فبراير 2026 ليس كموعد نهائي للأمن القومي، بل كنقطة ضغط جوهرية في استراتيجية التفاوض، فمن خلال التلويح بترك المعاهدة تسقط، يسعى ترامب إلى إجبار الجانب الروسي على تقديم تنازلات جوهرية تتعلق بالأسلحة النووية التكتيكية والأنظمة الحديثة التي لم تشملها الاتفاقات السابقة.

كما تؤكد تصريحات المسؤولين في واشنطن أن الولايات المتحدة لم تعد ترغب في تقييد ترسانتها بحدود عددية جامدة، بينما تتغير الخارطة الأمنية العالمية بسرعة. هذا التوجه يمنح البنتاجون الضوء الأخضر لإعادة توزيع الرؤوس النووية وتطوير منصات إطلاق جديدة كانت محظورة بموجب بنود المعاهدة، التي باتت تُعتبر منتهية الصلاحية سياسيًا.

فيما يمثل سقوط المعاهدة نهاية لآليات التفتيش الميداني وتبادل البيانات التي استمرت لعقود، وهو ما يراه ترامب فرصة لاستعادة السرية العسكرية الكاملة. وفي المقابل، يحذر الخبراء من أن غياب هذه الشفافية سيؤدي إلى "تخمينات أمنية" خطيرة قد تدفع الطرفين إلى اتخاذ قرارات بناءً على أسوأ السيناريوهات المحتملة.

ترامب والرئيس الصيني 
ترامب والرئيس الصيني 

"المثلث النووي" وإقحام الصين

يشدد ترامب في كافة تصريحاته على أن أي اتفاقية ثنائية هي اتفاقية ناقصة، طالما أن الصين غير ملزمة بحدود قصوى لترسانتها، وتعتبر واشنطن أن السماح لبكين ببناء قوتها النووية في "الخفاء" خلف ستار المعاهدات الأمريكية–الروسية هو خطأ استراتيجي لن تتكرر مفاعيله في الإدارة الحالية.

تعتمد استراتيجية ترامب على وضع بكين أمام خيارين، إما الانضمام إلى طاولة المفاوضات الثلاثية، أو مواجهة سباق تسلح أمريكي هائل لا يمكن للاقتصاد الصيني مجاراته دون استنزاف موارده. هذا الأسلوب يهدف إلى كسر "الصمت النووي" الصيني وإجبار القيادة في بكين على الكشف عن قدراتها الحقيقية.

علاوة على ما سبق، يسعى ترامب من خلال الإصرار على "الاتفاقية الثلاثية" إلى إعادة رسم النظام الدولي ليكون ثلاثي الأقطاب بشكل رسمي، ما يعني أن واشنطن لن تقبل بعد الآن بمساواتها بروسيا فقط، بل تريد ضمان تفوقها، أو على الأقل تعادلها، مع القوتين الروسية والصينية مجتمعتين في آن واحد.

ورغم الضغوط الأمريكية، لا تزال بكين ترفض الانخراط في مفاوضات الحد من التسلح، معتبرة أن ترسانتها لا تزال أصغر بكثير من نظيرتيها الأمريكية والروسية. هذا الانسداد الدبلوماسي يتخذه ترامب ذريعة إضافية للمضي قدمًا في إلغاء المعاهدات الحالية، محملًا "تعنت بكين" مسؤولية انهيار الأمن النووي العالمي.

استعادة "الهيبة النووية" 

أحدثت أوامر ترامب بالاستعداد لاستئناف التجارب النووية الميدانية هزة في الأوساط الدولية، حيث تعتبر واشنطن أن الردع لا يتحقق فقط عبر امتلاك السلاح، بل عبر إثبات كفاءته. ويرى ترامب أن التوقف الطويل عن التجارب جعل القوى الأخرى تستهين بالقدرات الفنية والتقنية للولايات المتحدة.

تهدف هذه الخطوة التصعيدية إلى إرسال رسالة مباشرة إلى موسكو وبكين مفادها أن واشنطن مستعدة لإنهاء "تجميد التجارب" العالمي. وتعني هذه الرسالة أن الولايات المتحدة ستقوم بتطوير أجيال جديدة من الأسلحة النووية "الأكثر ذكاءً" والأقل حجمًا، ما يغير قواعد الاشتباك التقليدية.

<span style=
العلاقات بين موسكو وبكين

وبالتوازي مع التهديد بالتجارب، تضخ الإدارة الأمريكية استثمارات ضخمة في تحديث "الثالوث النووي" (الغواصات، القاذفات، والصواريخ العابرة للقارات). ويؤكد ترامب أن هذا التحديث هو الضمانة الوحيدة لمنع وقوع حرب، انطلاقًا من مبدأ "السلام من خلال القوة المطلقة".

ختامًا:

مع اقتراب "ساعة الصفر" في الخامس من فبراير، يتأرجح مستقبل الأمن العالمي بين سيناريوهين، إما قبول واشنطن وموسكو بتمديد طوعي غير ملزم قانونيًا للقيود الحالية بانتظار معجزة دبلوماسية تدمج الصين في الاتفاق، أو الانزلاق نحو فراغ رقابي كامل للمرة الأولى منذ انتهاء الحرب الباردة.

وتُجمع الدوائر التحليلية على أن إصرار ترامب على صيغة "الاتفاق الأفضل" قد يكون بمثابة مقامرة كبرى، إذ قد تدفع حالة عدم اليقين كلًا من روسيا والصين إلى تسريع إنتاج رؤوس نووية جديدة لضمان عدم تعرضهما لمفاجأة استراتيجية أمريكية، ما يحول "فن الصفقة" إلى شرارة لسباق تسلح محموم.

في نهاية المطاف، تعكس تصريحات ترامب رغبة أمريكية جامحة في إعادة صياغة قواعد الاشتباك النووي بما يتجاوز الثنائية القطبية التقليدية، والتحول نحو نظام تعدد الأقطاب النووية، تفرض فيه واشنطن شروطها من موقع القوة المطلقة.

أخيرًا، سواء نجح ترامب في جر بكين إلى طاولة المفاوضات أو انتهى الأمر بانهيار منظومة الحد من التسلح، فإن عام 2026 سيُسجل كعام الانعطافة التاريخية التي تحررت فيه القوى العظمى من قيود المعاهدات، لتبدأ حقبة جديدة يحدد معالمها "الردع التكنولوجي" والقدرة على الابتكار العسكري، بعيدًا عن أروقة الدبلوماسية التقليدية والاتفاقيات الورقية.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء