رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

حروب بالوكالة وصراعات داخلية: الشرق الأوسط وأزمة انفجار القنابل الإقليمية

العدوان الإسرائيلي
العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة - أرشيفية

نشهد حاليًا نهاية عام مضطرب ومليء بالأحداث السياسية والأمنية في منطقة الشرق الأوسط، ففيه اندلعت المواجهة العسكرية الأولى بين إيران وإسرائيل، وفيه أيضًا تم التوقيع على اتفاق وقف إطلاق النار في غزة في أكتوبر 2025، وأيضًا اندلاع الحرب الهندية الباكستانية، وتصاعد وتفاقم الأزمات في السودان.

ومع اقتراب نهاية العام الحالي واستشراف عام جديد، لا تزال العديد من الأزمات في المنطقة مستمرة ومرشحة بقوة للتصاعد خلال الأيام المقبلة، فرغم المحاولات الرامية إلى تسكين الأوضاع في المنطقة، إلا أن الشواهد الفعلية تقول بأن عام 2026 سيكون مليئًا بالأحداث، ولن يقل ضراوة عن سابقيه نظرًا لتشابك العديد من الملفات الإقليمية، خاصة المرتبطة بإيران وإسرائيل.

التوتر الاستراتيجي الحاد

توجد شبكة معقدة من الأطراف الفاعلة في الشرق الأوسط، فعلى سبيل المثال تمتد الأذرع الإيرانية إلى دول عربية مثل اليمن ولبنان والعراق، مصدّرة في ذلك شبكة معقدة من التفاعلات والأزمات السياسية المترابطة والمتشابكة.

تتزايد مخاطر اندلاع حروب إقليمية أخرى في بداية عام 2026 نتيجة عدد من العوامل، أبرزها سعي إيران لإعادة بناء قدراتها الاستراتيجية الصاروخية واستعادة بناء قدراتها النووية، واستمرار حزب الله في استعادة ترسانته العسكرية، خاصة أننا أمام أقل من أسبوع من انتهاء مهلة رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، والذي أمهل فيها حزب الله حتى نهاية العام الجاري من أجل تسليم سلاحه. وأخيرًا تعقّد المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، إذ تبدو المؤشرات الواضحة إلى رفض حركة حماس قطعيًا مسألة تسليم السلاح وحل هياكلها داخل القطاع. وفيما يلي سيتم التطرق إلى أبرز الأزمات التي من الممكن إشعالها في عام 2026، وهي كالتالي:

أولًا: انقضاء مهلة سلام

باتت إسرائيل والعالم حاليًا في حالة عدٍّ تنازلي لانتهاء مهلة رئيس الوزراء نواف سلام، والتي أمهل فيها حزب الله والفصائل الفلسطينية في الجنوب اللبناني تسليم سلاحها وإعادة اندماج قوات حزب الله في قوات الجيش اللبناني.

تترقب إسرائيل على أحر من الجمر خطوات الحكومة اللبنانية وتعهداتها السابقة عقب التوقيع على اتفاق الهدنة في خريف 2024، والتي أقرت بقوة عن نيتها نزع سلاح الجنوب والامتثال للقرار الأممي رقم 1701، إلا أن الواقع اللبناني يشير إلى أن حزب الله نجح في اكتساب المزيد من الوقت، وربما يكون قد نجح في ترميم قواه التي تدهورت في سبتمبر 2024 عقب مقتل قادته من الصف الأول، خاصة أمينه العام السابق حسن نصر الله.

 رئيس الوزراء نواف سلام
 رئيس الوزراء نواف سلام

وإزاء حالة التماسك التي أبدى عليها الحزب خلال الفترة الماضية، وتمكنه من التصدي للمحاولات الحكومية لنزع سلاحه، لجأت إسرائيل إلى محاولة تقزيم قدرات الحزب وتعطيله مؤقتًا من إكمال بناء قدرته، وذلك عبر اغتيال العديد من القيادات الوسطى واللوجستية في الحزب، والتي كان أبرزها اغتيال رئيس أركان الحزب هيثم طبطبائي في 5 نوفمبر 2025 في شقته بالضاحية الجنوبية ببيروت بواسطة غارة جوية.

تدرك تل أبيب أن غاراتها الجوية ضد معاقل حزب الله حاليًا لن ينتج عنها سوى تعطيل مؤقت لبناء وترميم قدرات الحزب، وقد يتكيف الحزب مع تلك الغارات، وهو ما لا تريده إسرائيل. لذا تتدافع الاقتراحات والرؤى في الداخل الإسرائيلي حاليًا إلى شن حرب برية موسعة على الجنوب اللبناني، على غرار غزو لبنان في عام 1982، وذلك من أجل تطهير مناطق جنوب وشمال نهر الليطاني من عناصر حزب الله.

ثانيًا: إيران والقدرات الباليستية

تأتي فرضية اندلاع الحرب الإيرانية الإسرائيلية الثانية خلال الفترة المقبلة، خاصة في ظل تخوفات إسرائيلية متنامية من احتمالية استعادة إيران بناء قدراتها النووية، فضلًا عن القدرات الصاروخية الباليستية الإيرانية.

وتأتي تلك التخوفات في ظل تعنت إيراني في السماح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بزيارة منشآتها النووية التي تضررت خلال الحرب الماضية، ولجوء طهران إلى أساليب المناورات التفاوضية ومحاولة كسب الوقت وتعطيل أية إجراءات من شأنها إيقاف تقدم البرنامج النووي الإيراني، الأمر الذي يدفع تل أبيب إلى اتخاذ خطوات حاسمة من أجل إجبار إيران على التخلي عن طموحاتها النووية، فضلًا عن تدمير كلي لقدراتها الصاروخية الباليستية، والتي تعتبرها إسرائيل حاليًا مناظرة لامتلاك طهران القنبلة النووية، إذ تخشى تل أبيب من استخدام طهران لقدراتها الصاروخية في شن هجمات صاروخية مكثفة على الأهداف الإسرائيلية.

البرنامج النووي الإيراني
البرنامج النووي الإيراني

ثالثًا: المسار المفقود من خطة واشنطن

في 9 أكتوبر الماضي تم التوقيع على اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، والبدء في ترتيبات المرحلة الثانية من خطة الرئيس ترامب لإنهاء الصراع في غزة، والتي تضمن التالي: إنهاء حكم حركة حماس في قطاع غزة، والأهم من ذلك هو نزع سلاح حركة حماس.

بعد مرور الوقت اتضح أن مسألة نزع سلاح حماس قد سقطت من خطة الرئيس ترامب، فرغم الغارات البرية والجوية الإسرائيلية إلا أنها فشلت تمامًا في إجبار الحركة على التنازل عن سلاحها. ومن تطورات مسألة تشكيل قوة الاستقرار الدولية في غزة، والمنوط بها نزع سلاح الحركة، أن الدول التي ستشارك في تلك القوة ستعمل في الأساس على مبدأ نزع السلاح الطوعي لحركة حماس، أي لن تتدخل عسكريًا من أجل نزع السلاح.

وفي حال عدم نزع سلاح الحركة وعودتها من جديد لترميم قدراتها العسكرية، فمن المحتمل أن يتجدد الصراع مرة أخرى في قطاع غزة. وتتجه إسرائيل حاليًا إلى تبني سياسة الاغتيالات تجاه العديد من قيادات الحركة، مثل رائد سعد الذي تم اغتياله قبل أيام قليلة، كما تلجأ تل أبيب إلى تصفية عناصر حماس والجهاد الإسلامي المرابطة خلف الخط الأصفر والمتمركزين في الأنفاق.

حركة حماس
حركة حماس

رابعًا: معضلة تشكيل الحكومة العراقية

رغم إجراء الانتخابات العراقية في نوفمبر الماضي، وتمكن كتلة رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني من الحصول على أكبر عدد من الأصوات، إلا أنها فشلت في الحصول على النصاب القانوني الذي يسمح لها بإعادة تشكيل الحكومة العراقية، الأمر الذي سيدخل العراق في نفق مظلم عنوانه اختيار رئيس الوزراء العراقي وتشكيل الحكومة المقبلة.

تكمن المشكلة العراقية في تداخل العديد من الاعتبارات الداخلية والإقليمية والدولية في تشكيل الحكومة، فقوى الحشد الشعبي المرتبطة تنظيميًا وولائيًا بالنظام الإيراني تسعى إلى أن تكون متواجدة في الحكومة المقبلة، مما يخدم الأهداف الإيرانية في العراق. وفي المقابل تحذر واشنطن العراق من أية محاولة لإشراك عناصر الحشد في الحكومة العراقية، والتي قد يكون بسببها لجوء واشنطن إلى فرض عقوبات على بغداد.

الانتخابات البرلمانية العراقية
الانتخابات البرلمانية العراقية

الأزمة السورية

منذ سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر 2024، مرت دمشق بالعديد من الأزمات السياسية والأمنية، والتي قد تشهد اندلاع الحرب السورية مرة أخرى. ففي الجنوب، على سبيل المثال، تبرز مشكلة الدروز في محافظة السويداء، إذ اندلعت حرب خاطفة بين النظام الحالي وميليشيات الدروز في يوليو الماضي. وخلال اليومين الماضيين اندلعت الاشتباكات بين الجيش السوري وقوات الأكراد المتمثلة في قوات سوريا الديمقراطية، وأخيرًا الاشتباكات في الساحل السوري بين القوات الموالية للحكومة الحالية وبين ميليشيات العلويين المتقطعة على مدار العام الحالي.

قوات “قسد” الكردية
قوات “قسد” الكردية

يبدو من قراءة المشهد السوري أن عام 2026 هو عام الأقليات السورية، واحتمالية أن تدخل الأقليات مثل الدروز في الجنوب، والعلويين في الساحل، والأكراد في المناطق الشمالية، في عام مضطرب بالصراعات العرقية، والتي من شأنها أن تؤدي مستقبلًا إلى زعزعة استقرار سوريا واحتمال تحويلها إلى فيدرالية سورية.

ليست الأزمة العرقية الطائفية السورية هي الأزمة الوحيدة التي تواجه النظام السوري، بل توجد أيضًا أزمة تنظيم داعش، الذي بدأ مؤخرًا في استعادة نشاطه الإرهابي وتوجيه ضربات قاتلة إلى القوات الأمريكية في سوريا، خاصة بعد كمين تدمر في 13 ديسمبر الماضي. وعليه اندفعت واشنطن إلى تنفيذ عملية عسكرية ضد مواقع التنظيم في سوريا، ومن المحتمل أن تشهد سوريا خلال الفترة المقبلة تصعيدًا مستمرًا في العديد من العمليات الإرهابية.

ونقطة أخيرة، يتبقى لنا مسألة التوغلات الإسرائيلية المستمرة في الجنوب السوري، خشية تل أبيب من أن يتحول جنوب سوريا إلى جنوب لبناني آخر. فخلال الشهر الماضي توغلت إسرائيل في مناطق جنوب سوريا، خاصة منطقة بيت جن، من أجل مداهمة العديد من العناصر التي تعتبرها إسرائيل مناهضة لها.

ختامًا:

في ضوء هذا المشهد الإقليمي شديد التعقيد، يتضح أن الشرق الأوسط مقبل على عام بالغ الحساسية، تتقاطع فيه الأزمات المؤجلة مع صراعات لم تُحسم بعد، وتتشابك فيه الحسابات العسكرية مع رهانات السياسة الدولية. فاستمرار التوتر بين إيران وإسرائيل، وتعثر مسارات نزع السلاح في لبنان وغزة، وأزمة تشكيل السلطة في العراق، فضلًا عن الهشاشة البنيوية التي تعيشها الساحة السورية، كلها عوامل تجعل من عام 2026 عامًا مفتوحًا على احتمالات التصعيد أكثر من فرص التهدئة.

وإذا كانت بعض الأطراف تراهن على إدارة الأزمات بدلًا من حلها، فإن هذا النهج يحمل في طياته مخاطر انفجار مفاجئ قد يعيد رسم خرائط النفوذ ويخلط أوراق التحالفات القائمة. وعليه، فإن مستقبل الاستقرار في المنطقة سيظل مرهونًا بمدى قدرة الفاعلين الإقليميين والدوليين على الانتقال من منطق الاحتواء المؤقت إلى مقاربات جذرية تعالج جذور الصراع، قبل أن تتحول هذه "القنابل الموقوتة" إلى انفجارات كبرى يصعب السيطرة على تداعياتها.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولي

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء