رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

من الهسكالاة إلى الصهيونية: صراع الاندماج والانعزال في الوعي اليهودي

اليهودية والصهيونية
اليهودية والصهيونية

في القرنين السابع عشر والثامن عشر، شهدت الأوساط المثقفة اليهودية حالة من الصراع والجدل الفكري الدائر بين مقولات الأيديولوجية الصهيونية، الداعية إلى إيجاد وطن قومي لليهود منعزل عن بقية المجتمعات التي يعيش فيها اليهود، وبين مقولات الهسكالاة التي تنادي بأهمية اندماج اليهود في المجتمعات التي يعيشون فيها، وأنهم جزء لا يتجزأ من تلك المجتمعات.

نبعت الهسكالاة والصهيونية من بيئتين متضادتين للغاية؛ فالصهيونية، الرامية إلى تهجير اليهود وإنشاء وطن قومي لهم، وُلدت من رحم المعاناة التي عايشها اليهود في دول شرق أوروبا تحديدًا، حيث كانت أحداث العنف متراكمة ومستمرة في تلك البلاد، في حين برزت الهسكالاة في أوروبا الغربية التي تخطت شوطًا كبيرًا في تحقيق المواطنة والعقد الاجتماعي، خاصة في فرنسا وبريطانيا.

اليهودية والصهيونية 
اليهودية والصهيونية 

ساهمت أحداث العنف الموجهة إلى اليهود خلال القرن التاسع عشر في علو صوت الصهيونية الدولية، ونجحت المؤتمرات الصهيونية المتعاقبة في إيجاد حالة من الزخم الدولي بشأن المسألة اليهودية، وأخيرًا تقرر إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين. وعليه، تراجعت الهسكالاة إلى الوراء، إلا أنها بقيت كفكرة يتوارثها أبناء قوى اليسار التقدمي من اليهود في المجتمعات الغربية، الذين يرون أن الاندماج في المجتمعات الغربية هو السبيل الوحيد للخلاص.

من بولدر إلى بوندي

خلال الفترة الأخيرة، شهدت العديد من المدن الغربية هجمات منظمة ضد اليهود نُفذت أثناء الاحتفالات الدينية؛ ففي مدينة بولدر بولاية كولورادو، ألقى شخص عبوة حارقة على تجمع لليهود كانوا في مظاهرة مؤيدة لإسرائيل.

وخلال الاحتفال بعيد الغفران في أكتوبر الماضي، خطط شخصان لتدبير هجوم مسلح على كنيس يهودي بمدينة مانشستر البريطانية، مما أدى إلى مقتل شخصين. وجدير بالذكر أنه تمت إدانة الشخصين يوم أمس 23 ديسمبر من قبل القضاء البريطاني، حيث ادعت المحكمة البريطانية أن الشخصين اعتنقا أفكارًا مستوحاة من أفكار تنظيم داعش، وخططا لاستخدام أسلحة نارية في الهجوم على الكنيس اليهودي من أجل إلحاق أكبر الأضرار بالمصلين اليهود في الكنيس.

اليهودية والصهيونية 
اليهودية والصهيونية 

وأخيرًا، في مدينة سيدني الأسترالية، وتحديدًا في شاطئ بوندي، أقدم شخص ونجله على فتح النار على المحتفلين بعيد حانوكا اليهودي، مما أدى إلى مقتل 15 فردًا وإصابة آخرين، ويُعد ذلك أكبر هجوم دموي يتعرض له اليهود في الدول الغربية. ونظرًا لكبر حجم هجوم سيدني، تعالت الأصوات في إسرائيل والمجتمعات اليهودية الغربية باتهام معاداة السامية وعولمة الانتفاضة بالتسبب في تلك الهجمات العنيفة.

استغلال عولمة الانتفاضة

تخطت المجتمعات اليهودية في إسرائيل مسألة عولمة الانتفاضة، وبدأت في توظيفها لصالح إسرائيل؛ ففي مقال صدر مؤخرًا عن معهد سياسات الشعب اليهودي بإسرائيل، طالب فيه الدولة الإسرائيلية باستعادة الأنشطة القديمة للمنظمة الصهيونية العالمية في تعزيز هجرة اليهود في الدول الغربية إلى إسرائيل.

يرى معهد سياسات الشعب اليهودي أنه ينبغي على الحكومة أن تعمل على إزالة جميع العقبات التي تحول دون هجرة اليهود في الدول الغربية إلى إسرائيل، فالهجمات من بولدر إلى مانشستر وأخيرًا سيدني لم تعد حوادث معزولة، بل أصبحت إطارًا عالميًا يستهدف التجمعات اليهودية في الدول الغربية.

التفتيش عن إيران

تطالب حاليًا المؤسسات والتجمعات اليهودية الحكومة الإسرائيلية بإجراء تحقيقات في تلك الأحداث العنيفة التي يتعرض لها اليهود في الدول الغربية، والبحث عن الدور الإيراني في تلك الأحداث. ويتهم معهد سياسات الشعب اليهودي شعار "عولمة الانتفاضة"، ويصفه بأنه بات أيديولوجية قاتلة تدعمها إيران.

اليهودية والصهيونية 
اليهودية والصهيونية 

ونأتي للفكرة الأبرز التي يتمحور حولها مقالنا، وهي ما أشار إليه المعهد من أن عولمة الانتفاضة اختزلت اليهود في الصهيونية، وبالتالي بات جميع اليهود في مرمى النيران الغاضبة من السياسات الصهيونية، ويصبحون أهدافًا مشروعة لمعتنقي عولمة الانتفاضة.

تخوفات غربية

تدعي الكيانات اليهودية في إسرائيل أن اليهود في الدول الغربية بدأوا يعانون بشدة من تزايد معاداة الصهيونية في الدول الغربية، خاصة بعد تراجع حكومات تلك الدول عن مواجهة تمدد وأنشطة الجماعات الإسلامية، لما تشكله المجتمعات الإسلامية في الدول الغربية من عامل ضغط قوي. فالمجتمعات الإسلامية في الدول الغربية باتت في تمدد واتساع ملحوظ، وأصبحت صانعة للملوك في تلك الدول، وهو ما عبر عنه سابقًا بوريس جونسون، رئيس وزراء بريطانيا الأسبق، الذي اتهم حكومة كير ستارمر الحالية بالانصياع إلى رأي المجتمعات الإسلامية في بريطانيا، وأن المسلمين باتوا يشكلون قاعدة تصويتية هائلة لصالح حزب العمال البريطاني.

عودة مفهوم الشتات

ما يهمنا حاليًا هو عودة مفهوم الشتات في السياسات الإسرائيلية؛ فحاليًا بات يُنظر إلى اليهود في الدول الغربية على أنهم يهود الشتات، وينبغي على إسرائيل، من خلال وزارة الهجرة واستيعاب القادمين الجدد، العمل على تشجيع هجرة اليهود في الدول الغربية إلى إسرائيل.

وأوضح معهد سياسات الشعب اليهودي أن تأسيس إسرائيل جاء كحل سيادي لانعدام الأمن البنيوي الذي يعاني منه اليهود في المجتمعات الأوروبية والغربية، مستعيدًا في ذلك ذكريات أحداث العنف التي تعرضت لها المجتمعات اليهودية في مطلع القرنين التاسع عشر والعشرين.

اليهودية والصهيونية 
اليهودية والصهيونية 

ويطالب المعهد بإنشاء هيئة تنفيذية تكون مخولة بإزالة العقبات التي تمنع اليهود الغربيين من الهجرة إلى إسرائيل، مثل الاعتراف السريع بالشهادات الأكاديمية والتراخيص المهنية وتصاريح العمل المؤقتة، فضلًا عن توفير وظائف مجزية لهم، وإعداد دورات مكثفة لهم في اللغة العبرية.

تداعيات سلبية

يتضح مما سبق أن الأوساط الثقافية اليهودية في إسرائيل بدأت في الاستعانة بتجربتها التاريخية في مطلع القرن العشرين في تجييش المشاعر اليهودية وتشجيع اليهود على الهجرة إلى فلسطين، كما فعل أسلافهم في السابق، ويحمل ذلك دلالات وتبعات سلبية أبرزها:

تكثيف المساعدات الغربية:

 قد تجد المجتمعات الغربية مسألة هجرة اليهود منها إلى إسرائيل فرصة جيدة للتخلص من بؤر أزمات مزمنة، وعليه قد تندفع بعض الحكومات لتعزيز تلك الهجرات مستقبلًا، خاصة في ظل تنامي المد الإسلامي في تلك الدول، وأيضًا تنامي المد اليميني المتطرف الذي يعادي اليهود.

اليهودية والصهيونية 
اليهودية والصهيونية 

نمو النشاط الاستيطاني في الضفة الغربية وقطاع غزة:

 قد تدفع موجات الهجرة لليهود الغربيين، التي تنادي بها الكيانات اليهودية حاليًا، إلى تزايد النشاط الاستيطاني في الضفة الغربية وغزة من أجل استيعاب هؤلاء المهاجرين الجدد.

فرض السيادة الإسرائيلية على كافة المناطق المحتلة: 

نظرًا للتوسع الاستيطاني ومحاولات جلب اليهود من غرب أوروبا وأمريكا، قد تلجأ تل أبيب إلى تطبيق خطط اليمين المتطرف في بسط السيادة الإسرائيلية الكاملة على قطاع غزة والضفة الغربية ومناطق الجنوب السوري، من أجل استيعاب الزيادة الديموغرافية المحتملة في إسرائيل.

ختامًا:

 يجب الحذر من المحاولات اليهودية والصهيونية لتثوير قضايا اليهود في الغرب لتكون دافعًا للهجرة إلى إسرائيل. وهنا نلقي باللوم على المجتمعات العربية والإسلامية في الدول الغربية؛ فمن الجيد أن يشكل المسلمون في الغرب جماعات ضاغطة على الحكومات الغربية لتلبية مصالح المسلمين والدفاع عن القضية الفلسطينية، لكن يجب الحذر والانتباه من الدعوات الرامية إلى استهداف المجتمعات والتجمعات اليهودية في الدول الغربية، حتى لا يتم استغلال تلك الأحداث مجددًا لصالح إسرائيل وتهجير اليهود إليها.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولي

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء