رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تداعيات تجنيد الأفارقة في الحرب الروسية الأوكرانية

الحرب الروسية الأوكرانية
الحرب الروسية الأوكرانية

ألقت الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت رحاها في فبراير 2022 بظلالها الثقيلة على القارة الأفريقية، إذ سرعان ما تحولت القارة الأفريقية إلي ساحة ثانوية للصراع الروسي الأوكراني، فرغم حالة التكتم الشديد التي تبديها موسكو حول نتائج المعارك وكمية الخسائر والهزائم إلا أن العديد من التقارير الغربية أفادت بخسارة روسيا أكثر من مائة ألف قتيل خلال سير المعارك في شرق أوكرانيا، في حين المصادر الأوكرانية تبالغ في حجم الخسائر الروسية لتصل إلي مليون قتيل ما بين مدني وعسكري.

تعانى روسيا في الحالة الطبيعية من انخفاض المعدلات الديمغرافية بها كباقي الدول الأوروبية، الأمر الذي أدي في النهاية إلي ندرة العامل البشري في الحرب الروسية الأوكرانية، ولتعويض النقص البشري في الحرب الأخيرة لجأت روسيا خلال سير المعارك إلي فتح باب تجنيد المقاتلين الأجانب ودفعهم على الجبهة الأوكرانية، وفي المقابل أيضا لجأت كييف إلي تجنيد المقاتلين الأجانب ودفعهم إلي قتال الروس في إقليم دونباس وباقي طول خط الجبهة الروسية الأوركرانية. 

تنوعت مصادر التجنيد الأجنبي في كلا من روسيا وأوكرانيا فالأخيرة اعتمدت بشكل أساس على المتطوعين من دول أوروبا الشرقية والغربية وتحديدا العناصر اليمنية المتطرفة النازية والتي عادة ما يرمز لهم باسم الإرهاب الأبيض مُشكلة كتيبة آزوف التي تضم العديد من العناصر المتطرفة الأوروبية. 

أما مصادر التجنيد الأجنبي في روسيا فقد اعتمد بشكل أساس على تجنيد مقاتلين من دول العالم الثالث سواء في آسيا أو في أفريقيا، فعلي سبيل المثال شهدت دول مثل سوريا والهند ونيبال ودول آسيا الوسطي مصادر للتجنيد، وفي أفريقيا شكلت دول كإفريقيا الوسطي وتشاد والكاميرون ونيجيريا والسودان وتوجو مناطق هامة للتجنيد والتعبئة في الجيش الروسي، ومؤخرا برزت دول كبتسوانا وجنوب أفريقيا.

تحذيرات بتسوانية

مؤخرا حذرت بتسوانا يوم الإثنين 15 ديسمبر 2025 مواطنيها من الانخراط في الحرب الروسية الأوكرانية، ولعل التحذيرات البتسوانية تشي بوضوح إلي تغيرات في أنماط التجنيد الروسية للعناصر الإفريقية، فموسكو اعتمدت في الأساس على استقطاب مقاتلين من دول غرب وشرق أفريقيا التي تتميز بارتفاع معدلات العنف والحروب الأهلية المتواصلة وأخيرا ارتفاع معدلات الفقر بشكل كبير وهو ما يوفر بيئة خصبة للتجنيد واجتذاب الشباب للعمل كمرتزقة في صفوف الجيش الروسي.

هذا بالإضافة إلي وجود شركة فاجنر الروسية والتي أصبحت خلال السنوات الماضية شريكا أمنيا وعسكريا فعالا لدي العديد من الدول الأفريقية مثل أفريقيا الوسطى ومالي وبوركينافاسو، إذ حلت قوات فاجنر بشكل وبأخر محل القوات الفرنسية التي كانت تعمل في منطقة الساحل والصحراء في إطار عملية برخان العسكرية.

اتجاه موسكو مؤخرا إلي تجنيد مقاتلين من دول إقليم جنوب أفريقيا الذي يتميز باستقرار سياسي نسبي إلي حد ما وتحسن مستواياته الاقتصادية عن باقي الأقاليم الأفريقية الأخري يؤكد أن هناك حاجة شديدة لروسيا لتجنيد المزيد من المقاتلين تحت أية ظروف حتي ولو اضطرت إلي رفع المقابل المادي والحوافز العينية لهؤلاء المقاتلين الأفارقة.

تمكنت السلطات في بتسوانا من إحباط عملية تجنيد شابين يبلغا من العمر 19 و 20 عاما، حيث كان من المفترض الحاقهما بدورة تدريب عسكرية قصيرة الأجل عادة ما تبلغ 4 أسابيع قبل دفعهما للقتال في الجبهة الأوكرانية وذلك في مقابل رواتب مغرية.

حالات أفريقية

قبل عملية تجنيد الشباب البتسوانين سبق أن تمكنت موسكو من تجنيد العديد من الأفارقة، فمؤخرا برزت قضية الشاب النيجيري " كيهيندي أولواغبيميلكي" الذي أسر خلال اشتباكات منطقة زابوروجيا الأوكرانية في يوليو 2025، حيث تمكن فيلق "حرية روسيا" المناهض للكرملين من أسر الجندي النيجيري وعرض قصته أمام وسائل الإعلام لحشد الرأي العام العالمي ضد المواقف الروسية، وأوضح فيلق "حرية روسيا" أن السلطات الروسية ابتزت المواطن النيجيري بالمال واستغلال حاجته لها، مؤكدة في ذات السياق أن المواطن النيجيري كان ضمن صفوف الطلاب الأجانب في موسكو.

بالإضافة إلي حالة الجندي النيجيري، سبق أن أسر أيضا المواطن السنغالي مالك ديوب على جبهة توريتسك في إقليم دونيتسك والذي تم استقطابه تحت العديد من الوعود الخاصة بالمال الوفير وخلافه من التسهيلات مثل الحصول على تأشيرات عمل ومنح دراسية وخلافه.

الكاميرون وفقدان السيطرة على جنودها

لم تتوقف عمليات التجنيد الروسية على الشباب الطامحين في تحسين معيشتهم والحصول على تأشيرات عمل متميزة ومنح تعليمية بل امتدت أيضا إلي استقطاب الجنود العاملين في الجيوش الأفريقية فعلى سبيل المثال لا الحصر بادرت وزارة الدفاع الكاميرونية في مارس 2025 إلي التحذير من حالات الفرار في صفوف قواتها والانخراط في صفوف الحرب الروسية الأوكرانية.

فيما استغلت شركة فاجنر الروسية وجودها في دول كأفريقيا الوسطي في جذب مالجنود من الجيوش الأفريقية وإعادة إدماجهم في العمليات القتالية في شرق أوكرانيا، وسبق ن صرحت وزارة الداخلية الروسية في عام 2024 على أن هناك حوالي 3 الاف مقاتل أجنبي يعملون في صفوف القوات الروسية العاملة في أوكرانيا.

تداعيات عمليات التجنيد

تؤدي عمليات التوسع في تجنيد المرتزقة من أفريقيا إلي العديد من التداعيات السلبية على الدول الأفريقية من أبرزها:

  • انهيار الرمزية الروسية: خلال العقد الماضي حرصت روسيا على بناء صورة رمزية لها مشبعة بالجوانب الإيجابية ابرزها أنها تعمل على إزالة آثار الاستعمار خاصة الفرنسي من أفريقيا وتمكين الدول الأفريقية من حرية اتخاذ قراراتها السياسية، لكن السلوكيات الروسية الأخيرة والمتمثلة في تجنيد الأفارقة فيالحرب الأوكرانية من شأنها إزالة الصورة الإيجابية لروسيا واستبدالها بصورة أخري أقرب لصورة تاجر الرقيق.
  • تهديد أمن الدول الأفريقية: باتت الدول الأفريقية مثل نيجيريا وأفريقيا الوسطي والكاميرون تخشي من توقف الحرب الروسية الأوكرانية والتي ستحمل ظلالاً سوداء على الحالة الأمنية في تلك الدول فبانتهاء المعارك ستعود العناصر الأفريقية إلب دولها والتي ستكون اكتسبت خبرات قتالية فائقة القدرة، لذا سيجري إعادة توظيف تلك الخبرات مرة أخري في أفريقيا مسببة في المزيد من حالات انعدام الأمن والاضطرابات السياسية.
  •  زيادة النزعة العنصرية: ساهم الاعتماد على المزيد من المقاتلين من أفريقيا في زيادة موجة العنصرية في أوروبا الغربية، إذ عادة ما يستخدم النازيون الجدد واليمين المتطرف الأوروبي ظاهرة انتشار المقاتلين الأفارقة في صفوف القتال الأمامية الروسية في إزكاء النزعة العنصرية لديهم وحشد الأوروبين للقتال ضد الأفارقة في الجبهة الأوكرانية وتتماس دعوات اليمين المتطرف الداعية لمواجهة ظاهرة الجنود الأفارقة على الجبهة الروسية مع دعواتهم إلي تطهير أوروبا من العنصر الأفريقي.
تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء