رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

"ربما ذات يوم".. الغمري يغزل نسيج حياته الوجودية بين الماضي والحاضر|حوار

الروائي محسن الغمري
الروائي محسن الغمري

- تتفجر طاقتي الإبداعية في رحاب شاطئ البحر وبين المروج الخضراء

- الحياة الملهم الأول فهي المصدر الأساسي للتجربة الإنسانية

- المبدع يصب مخزونه الروحاني وتصوراته الوجودية في النص بشكل "لا واعي"

يمثل مشروع كتابة الرواية بالنسبة للروائي محسن الغمري، نشاط ذهني يتطلب بيئة تحفيزية للتأمل، يعشق الهدوء بتفاصيله الذي يتخلله موسيقى هادئة التي تلهمه الإبداع فيما يكتب، ولا يضع وقت معين للكتابة وإنما يحب أن تأخذ الكتابة حقها ووقتها، والحياة والقراءة بالنسبة له مصدره الأساسي للتجربة الإنسانية وتأتي القراءة مكملًا لإلهامه، وفي حوار خاص مع "إيجبتك"، كشف الروائي محسن الغمري، ملامح تجربته الإبداعية مع الكتابة وطقوسها.

ما جديد حضرتك في الكتابة؟

مشروع رواية بدأت الكتابة فيها في هذا العام، لكن ولأن مبدأي في الكتابة هو التأني، وإعطاء العمل كل وقت يحتاجه، مع إتاحة فرصة لعين ثالثة تقرأ وتعلق، فالأمر إذن يحتاج لوقت عادة ما يتجاوز سنة أو أكثر. 

وهل حضرتك مشارك لهذا العام بمعرض الكتاب؟ 

المشاركة في معرض الكتاب تتم بشكل تلقائي، من خلال مؤسسة النشر لأعمالي، ولهذا وإن لم يكن لدي إصدارًا جديدًا، فأعمالي السابقة تكون متاحة في جناح الناشر بالمعرض. 

ما الطقس الإبداعي الذي لا تتخلى عنه عند الكتابة؟ وكيف تختار مكان الكتابة المثالي؟ 

الكتابة بالنسبة لي نشاط ذهني يتطلب بيئة هادئة تحفز على التركيز والتأمل، ولا أنظر إلى ذلك بوصفه طقسًا إبداعيًا، بقدر ما هو شرط لوجستي أُفضل توفره.

وما دور الموسيقى في تشكيل حالتك الذهنية أثناء الكتابة؟

أحيانا أميل إلى خلق خلفية موسيقية خافتة تمنحني نوعًا من الابتهاج، وهو ضرورة نفسية مهمة لإتمام عملية الكتابة بشكلها الأمثل، وهذا يفسر كيف أختار مكاني المثالي.

وهل للإضاءة أو نوع المقاعد أثر في وعيك الإبداعي؟

الهدوء -البعض يفضل الضوضاء، كمن يكتبون على المقاهي- عاملًا جوهريًا، فإن الإضاءة المناسبة والمقعد المريح، يظلان عنصرين مؤثرين في جودة العملية ككل، بغض النظر عن قالبها الأدبي، فالكتابة في النهاية عملية إنتاجية تتطلب أدوات تعين على تسلسل الأفكار وتجنب التشتت، وتخضع في تفاصيلها (من إضاءة أو ضوضاء أو موسيقى) للتفضيلات مزاجية شخصية، والظروف النفسية والجسدية لكل كاتب. 

هل تؤمن بوجود وقت معيّن يكون الإبداع فيه أكثر صفاءً؟

الكتابة تحتاج إلى فكرة تكتمل بالتأمل، وتقلب على كافة أوجهها، وتمعن النظر فيها باستفاضة، حتى تنضج في العقل، وتراها جاهزة لتدوينها على الورق؛ حينها لا يهم التوقيت، بل يكفي اقتناص أي لحظة متاحة لإتمام عملية "الولادة" سواء كان ذلك على الورق أو الفضاء الأزرق، وإن كنت، على المستوى الشخصي أميل للكتابة ليلًا؛ فربما لأنني "طائر ليلي" يجد نشاطه الذهني يزداد اتقادا وتوهجا مع غروب الشمس.

كيف ينعكس المكان على مزاجك وطاقتك الداخلية؟

للمكان تأثير عظيم وغير محدود على وجداني وحالتي المزاجية؛ فشخصيتي تميل إلى الطبيعة وإلى الأفاق المفتوحة، وأنا من هؤلاء الذين يجدون سكينتهم بالقرب من شاطئ البحر أو بين المروج الخضراء، وأعتقد أني طاقتي الإبداعية تتفجر في رحاب تلك الأماكن، فهي بمنزلة الشاحن الكهربائي لهواتفنا النقالة المعاصرة، تعيد لروحي طاقتها واتزانها. 

ما الأشياء التي تُلهمك وتدفعك للاستمرار في الكتابة؟

تعد الحياة الملهم الأول؛ فهي المصدر الأساسي للتجربة الإنسانية، وتأتي القراءة مكملًا لهذا الإلهام، لما تمنحه من تنوير وتوسيع لأفق المبدع، وما توفره من خبرات تراكمية وعلوم مصقولة يحتاجها المتطلع لبناء رؤية أشمل للواقع، فالقراءة تمنح المرء حياة إضافية، بينما تظل الحياة هي المدرسة الكبرى، وهي   المعلم الأول. 

ما المخاوف التي تتسلل إلى روحك أحيانًا؟

هناك أمور كثيرة ومركبة قد تبث في نفوسنا درجات متفاوتة من القلق، والخوف في جوهره هو رد فعل إنساني طبيعي، يتجلى حين نواجه أمرًا يتجاوز حدود قدرتنا على الاستيعاب أو قدرتنا على دفعه!

تتعد الصور؛ فقد يكون الخوف من اعتلال الصحة وتقلبها، أو قد من ضيق ذات اليد ونضوب الموارد، أو خوفًا فطريًا على الأبناء والأحفاد من غد مجهول يفتقر للسعادة في ظل ظروف حياتية قاسية، وهناك أيضا الوازع الروحي؛ والخوف من المعصية وما قد تجره من تهلكة، لكن يبقى اليقين بأن الخوف من الشيء لا يمنع وقوعه، فكما تواتر في موروثنا: لا يمنع حذر من قدر. 

كيف تري مفهوم الوطن؟

الوطن... ويا له من اسم؛ هو ذاك اللفظ الموجز في مبناه، الممتد في معناه، هو الداء حين يغترب والدواء حين يحتضن، هو الوجع الذي يسكن النخاع، والسلوى التي تضمد الجراح. الوطن هو ليس مجرد إحداثيات على الخريطة، هو ائتلاف المكان بالسكان، وصراع الأمس بذكرياته مع الغد وتطلعاته، نحن لا نسكنه، بل هو الذي يسكننا. تراب أمسه هو رفات الآباء الذين شقوا الأرض بعرقهم، وهواء غده هو الأنفاس التي ستمنح الأبناء والأحفاد حق الحلم والبقاء.   

ماذا تعني لك الطفولة؟ وهل ما زال شيء منها يسكن كتابتك؟

تحتشد الذاكرة بمشاهد كثيرة، عن أيام اللامسوؤلية والتحرر من الهموم، عن المشاعر الفياضة والحب الخالص ممن يحيطون بنا، وهي مشاهد بديعة من زمن هادئ بلا زحام، ولا ضوضاء، نحن لو وعينا في طفولتنا كم كنا مرفهين مدللين، ما اخترنا الرحيل عنها، وما تعجلنا الزمن لنكبر. 

وعندما نكبر نعيش الطفولة فى أحفادنا؛ ننظر إليهم ونستمتع بكل لحظات وجودهم معنا، نعود معهم أطفالا نلعب ونضحك بحجة أننا نلاطفهم، بينما نحن فى الحقيقة نداعب ذلك الطفل الكامن فى أعماقنا. الطفولة صور رائعة، ومناغاة شجية، حتى رائحتها تفوح بعطر البراءة. 

كتبت عن تلك الأيام فى روايتي "ربما ذات يوم" الصادرة عام 2011، وربما تعود لتسكن سطورا لم تكتب بعد.     

ماذا يمثل لك الصمت؟ 

الصمتُ وعاءٌ كبير واسع: جمال وجلال، تأمل وتدبر، هو حياةٌ وموت في آن، وقوةٌ قد تكون منحةً أو محنة. من أتقن الصمت أجاد فن الكلام؛ فالصمت يُستنطقُ العيونَ، ويحفز العقل، ويشحذ حاسة السمع. 

كيف تتعامل مع فكرة الموت في نصوصك وحياتك؟

أتعامل مع فكرة الموت فى نصوصي وفي رؤيتي للحياة وفق مسارين:

أولًا: الموت في نصوصي الأدبية 

يتجلى الموت بوضوح في أعمالي من خلال زاويتين:

الموت الجماعي والقدرية: كما في رواية "حكاية قبل الموت"، التي تتناول أسقاط طائرة مصر للطيران عام 1999، حيث رصدت لحظات النهاية لكل من كان على متنها من طاقم القيادة، الضيافة، والركاب. 

الموت كتحول سياسي وتاريخي: ويظهر ذلك في سردية "أفندينا" التي تؤرخ لحياة وَالِي آيالة مصر عباس حلمي الأول (1811- 1854) فالموت كان رفيقا لمسيرته؛ بدأ من فقد والده أحمد طوسون، وهو الثالثة من عمره، ثم مقتل عمه إسماعيل كامل حرقا بالسودان، وصولا إلى وفاة عمه إبراهيم باشا عام 1848، وهو الحدث الذي نقل إليه الحكم في حياة جده محمد علي باشا، الذي رحل بدوره عام 1849. وختاما، كانت نهاية عباس حلمي الأول قتلا في قصره ببنها العسل، في منتصف عام 1854 أثر مؤامرة أسرية بقيادة عمته نازلي هانم، وعمه محمد سعيد باشا.

ثانيا: الموت في رؤيتي الشخصية 

أرى الموت موازيًا ومساويًا للميلاد، فكما نسعد بميلاد إنسان جديد، وجب علينا تقبل رحيل آخر بتسليم ورضا. إن قانون استمرارية الحياة يقتضي الموت مقابل الميلاد، لضمان التوازن البشري. 

ما مكانة الروحانيات واليقين الإلهي في مسارك الإبداعي؟

أظن أن الإجابة على هذا، تكون لدى ناقد حاذق تابع كتاباتي وحللها ليصل إلى إجابة هذا السؤال؛ فالمبدع غالبا ما يصب مخزونه الروحاني وتصوراته الوجودية في النص بشكل "لا واعي" أو كجزء من نسيج الحكاية، بينما تظل مهمة استخراج هذه الأنماط وتسميتها كما قلت سابقا، من اختصاص النقد.

هل للأكل "المزاجي" أثر على تركيزك أو حالتك الشعرية؟

أرى أن الاستغراق فى "متعة الطعام" حسب رؤيتي الخاصة، يتناسب عكسيا مع تدفق العملية الإبداعية؛ فامتلاء البطن غالبا ما يؤدي نسبيا إلى خمول الذهن. ومن الناحية الفسيولوجية، فإن استهلاك وجبة دسمة؛ تؤدي لتوجيه الدورة الدموية نحو الجهاز الهضمي، مما يقلل من تدفق الدم المحمل بالأكسجين إلى الدماغ، فيورث ذلك حالة من الوخم والكسل. لذا، أجد أن الكتابة تزدهر فى فضاءات "الخفة"، حيث يكون الذهن متحررا من ثقل المادة، وحيث الروح أكثر قدر على التحليق في عوالم الشعر والسرد. 

ما أول صوت يطرق أذنك حين تستيقظ صباحًا؟

استيقظ على صوت هدوء الصمت من حولي.

أي رائحة تعيدك إلى البيت الأول؟

رائحة النظافة والهدوء.

ما الأكلة التي تُشعرك بأنك ما زلت في مصر مهما ابتعدتِ؟

صينية مسقعة الباذنجان.

ما الكتاب غير الأدبي أو غير الثقافي الذي ترك فيك أثرًا لا يُنسى؟

أنا أرى أي كتاب غير أدبي، فهو كتاب ثقافي بالضرورة، فمهما كان موضوع الكتاب علميا جافا فهو نص تثقيفي، وحتى أن كان روحانيا، فمطالعته تثقيف، وزيادة للوعي والإدراك. 

لو لم تكون كاتب وشاعر وناقد كبير، أي مهنة كنت ستختار؟

لم امتهن يوما الكتابة، فهي بالنسبة لي هواية وعشق. 

من الشخصية التاريخية التي تتمنى الجلوس معها على فنجان قهوة؟ 

ربما شخصية عباس حلمي الأول، لأسمع رأيه في رواية "أفندينا" التي تناولت فيها قصة حياته من الميلاد إلى الممات. 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء