رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الفتوى في زمن التقدم الطبي.. هل تتأثر الكشوفات العلمية بمقاصد الشريعة؟

جانب من الجلسة العلمية
جانب من الجلسة العلمية الثانية لدار الإفتاء

عُقدت الجلسة العلمية الثانية التي تأتي ضمن فعاليات الندوة الدولية الثانية التي تنظمها الأمانة العامة لـدور وهيئات الإفتاء في العالم، تحت عنوان: "الفتوى ودورها في ضوء المعطيات الطبية والمعرفية الرقمية.. رؤية مقاصدية"، برئاسة الشيخ أحمد النور الحلو، مفتي تشاد، وبمشاركة الدكتور محمود صديق نائب رئيس جامعة الأزهر.

شهدت الجلسة عرض عدد من الأوراق البحثية التي تناولت علاقة الفتوى بقضايا الواقع الإنساني، ولا سيما المستجدات الطبية والمعرفية المعاصرة.

الندوة الدولية الثانية لدار الإفتاء

وفي مستهل الجلسة، استعرض الدكتور محمد بشاري، الأمين العام للمجلس العالمي للمجتمعات المسلمة وعضو مجمع الفقه الإسلامي الدولي وعضو الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، بحثًا له يؤكد أن الفتوى في زمن التحول الطبي الحديث تواجه اختبارًا مزدوجًا يتمثل في اختبار المنهج واختبار القيم، فهي مطالبة بأن تظل وفية لمقاصد الشريعة في حفظ الإنسان، وفي الوقت ذاته تكون قادرة على استيعاب الكشوفات العلمية الجديدة دون الوقوع في أَسْر المنطق الوضعي أو الذرائعية الأخلاقية التي تجرد الإنسان من سمو غايته.

وأوضح أن الطب المعاصر، وهو يعيد تعريف مفاهيم الميلاد والموت والهوية الجينية، يضع المفتي أمام واقع تتجاوز فيه الأسئلة الحدود المألوفة للقياس الفقهي، ليصبح تحقيق المناط متعلقًا ببنية الخلق ذاتها وأصل الجينوم البشري وأثر التداخل بين الطبيعة والصناعة في تشكيل الكيان الإنساني.

الفتوى في زمن التحول الطبي 

وذكر بشاري أن الإشكالية الجوهرية للبحث تتمثل في كيفية تفاعل المنهج الأصولي المقاصدي مع هذا الواقع الجديد الذي تتداخل فيه المختبرات مع النصوص، والعلم التجريبي مع مقاصد الوحي، دون أن يفقد الفقه استقلاله المعياري أو انضباطه القيمي، مؤكدًا أن تأسيس منهج اجتهادي جديد يعيد للفقه الإسلامي قدرته على فهم العالم وتوجيهه، ويؤكد أن الفتوى الطبية يجب أن تظل صوتًا للإنسان في مواجهة الانزلاق التقني، بما يحفظ النفس والكرامة، وينتهي إلى أن الْتقاء العلم والشرع على مقصد حفظ الإنسان يصنع حضارة قوامها الرحمة والعقل والعدل.

التحديات التي تفرضها الخصوصية الجينية على الفتوى المعاصرة

ومن جهتها، قدمت الدكتورة نشوى أنور محمد رضوان، مدرس الفقه المقارن بكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بكفر الشيخ - جامعة الأزهر، بحثًا تناول التحديات التي تفرضها الخصوصية الجينية على الفتوى المعاصرة، حيث استهدف البحث التكييف الفقهي المقارن لبيانات الحمض النووي (DNA) وتحديد أحكام حُرمتها.

وتناول البحث ماهية المعلومة الجينية في الفقه المقارن، وما إذا كانت تعد سرًا أو أمانة أو حقًا شخصيًا، مع تأصيل حرمتها في ضوء قواعد حفظ العورات وتحريم التجسس.

ونوهت الباحثة أن الدراسة وضعت ضوابط شرعية للفتوى تحمي الفرد من التمييز الوراثي، وتحدد أحكام المسؤولية والضمان المترتبة على الإفشاء غير المشروع، معتمدة على المنهج التحليلي المقارن لاستقراء فروع المذاهب الفقهية وتطبيقها على المعطيات الطبية الحديثة.

وخلص البحث إلى أن المعطيات الجينية تعد سرًّا شرعيًا ذا حرمة معنوية لا يجوز انتهاكها إلا بإذن مستنير ومقيد، وأن الفتوى المعاصرة مطالبة بإلزام المؤسسات بضمان هذه الحرمة، بما يحقق مقاصد الشريعة في حفظ النفس والكرامة الإنسانية.

دور الفتوى في الحفاظ على النفس في مواجهة النوازل الصحية

وفي ذات الصدد، تحدث الدكتور الحسيني حسن حماد، المدرس بقسم التاريخ والحضارة بكلية اللغة العربية بأسيوط – جامعة الأزهر، عن دور الفتوى في الحفاظ على النفس في مواجهة النوازل الصحية، متخذًا من وباء فيروس كورونا COVID-19  نموذجًا تطبيقيًا.

وأكد أن حفظ النفس الإنسانية وصونها يعد من أعظم مقاصد الشريعة الإسلامية، التي ارتقت بهذه المقاصد من مرتبة الحقوق إلى مرتبة الواجبات، فأوجبت اتخاذ جميع الوسائل التي تحافظ على حياة الإنسان وصحة بدنه وتمنع عنه الأذى والضرر.

وأوضح أن من مظاهر صون الشريعة للنفس حمايتها في مواجهة النوازل الصحية وما يصاحبها من أضرار وهلاك، وفرض الإجراءات الاحترازية، حتى وإن استدعى الأمر تعطيل بعض العبادات والمعاملات، مشيرًا إلى أن المؤسسات المعنية بالفتوى كان لها الأثر الأكبر في مواجهة تلك النوازل، واستعرض الدور الذي قامت به المؤسسات الإفتائية في مصر، وفي مقدمتها الأزهر الشريف ودار الإفتاء المصرية، خلال جائحة كورونا، من حيث التوعية بطبيعة الوباء وسبل الوقاية، وبيان الأحكام الشرعية المتعلقة بالعبادات والمعاملات، والحث على الأخذ بالأسباب الطبية والوقائية وأخذ اللقاحات المعتمدة، بما يبرز الفتوى بوصفها صمام أمان لحفظ النفس، ودليلًا على مرونة الشريعة وصلاحيتها لكل زمان ومكان.

أثر التطور المتسارع في المجال الطبي على الفتوى الشرعية

ومن جانبها، عرضت الدكتورة ولاء عنتر عبد الفتاح محمد، مدرس الفقه المقارن بكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بالقاهرة – جامعة الأزهر، بحثًا تناولت فيه أثر التطور المتسارع في المجال الطبي على الفتوى الشرعية، مؤكدة أن هذا التطور أفرز نوازل ومستجدات تمس صحة الإنسان وحياته؛ ما يفرض على المتخصصين بيان الحكم الشرعي لهذه القضايا وإصدار فتاوى دقيقة تراعي المقاصد الشرعية وتستوعب المعطيات الطبية الحديثة.

وبينت أن دراستها جاءت في إطار فقهي مقارن، بهدف إلقاء الضوء على العلاقة بين الفتوى والصحة من خلال عرض مفاهيم البحث وأهمية الفتوى في القضايا الصحية، وبيان تأثير المعطيات الطبية الحديثة على الفتوى، مع تقديم نموذج تطبيقي يوضح أثر تطور الطب على تغيير الفتوى.

واختتمت البحث بعرض النتائج والتوصيات، مؤكدة أن التكامل بين الفقه والطب يحقق مصالح الفرد والمجتمع، ويعزز دور الفتوى في مواكبة النوازل الطبية المعاصرة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء