معركة السيادة والقانون الدولي: لماذا تصعّد كاراكاس ضد المحكمة الجنائية؟
هدد الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو بالانسحاب من نظام روما الأساسي، الميثاق المؤسس للمحكمة الجنائية الدولية، معتبرًا أن المحكمة قد فقدت "حياديتها وفعاليتها" تحت تأثير الضغوط الأمريكية. ويتزامن هذا التهديد مع تصعيد غير مسبوق في التوتر بين كاراكاس وواشنطن، التي تفرض عقوبات واسعة وتكثف من تواجدها العسكري في منطقة الكاريبي بذريعة مكافحة المخدرات، في خطوة يرى فيها مادورو "خروقات واضحة" للقانون الدولي تستوجب التحقيق الدولي.
ويُشكل الإعلان عن نية الانسحاب تحديًا مباشرًا لسلطة المحكمة الجنائية الدولية، التي تجري حاليًا تحقيقًا رسميًا في فنزويلا بشأن مزاعم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية منذ عام 2017، وهو التحقيق الذي ترفضه كاراكاس وتعتبره "مُسيّسًا" ويهدف إلى تقويض سيادتها. وفي المقابل، تطالب فنزويلا المحكمة بالتحقيق في العقوبات الأمريكية الأحادية التي تصفها بأنها "جرائم ضد الإنسانية"، وهو طلب قامت المحكمة في وقت سابق بنقله إلى الهيئة المختصة للنظر فيه.
يعكس هذا التطور معركة جيوسياسية أوسع حول تطبيق القانون الدولي، لا سيما مع إغلاق المحكمة مؤخرًا لمكتبها في كاراكاس بدعوى عدم تعاون الحكومة الفنزويلية.

تحويل التركيز نحو "جرائم" واشنطن
يمثل تلويح الرئيس مادورو بالانسحاب من نظام روما الأساسي تحديًا سياسيًا، لكنه يواجه عقبات قانونية صارمة فيما يتعلق بوقف الإجراءات الجارية ضده؛ إذ تنص المادة 127 من النظام الأساسي بوضوح على أن الانسحاب، إن حدث، لا يدخل حيز التنفيذ إلا بعد مرور عام كامل على الإخطار الرسمي.
والأهم من ذلك أن القانون يضمن احتفاظ المحكمة الجنائية الدولية باختصاصها القضائي الكامل على أي جرائم مزعومة ارتُكبت أثناء الفترة التي كانت فيها فنزويلا دولة طرفًا، مما يعني أن التحقيق المفتوح بشأن الجرائم ضد الإنسانية منذ عام 2017 سيستمر بغض النظر عن القرار النهائي لكاراكاس.
يأتي التهديد بالانسحاب، في جزء منه، كرد فعل على تجاهل المحكمة لمطالبات فنزويلا بالتحقيق في ما تصفه بـ"الجرائم ضد الإنسانية" التي ارتكبتها الولايات المتحدة. وترى كاراكاس أن العقوبات الاقتصادية القاسية التي فرضتها واشنطن والتهديدات العسكرية تشكل خروقات جسيمة للقانون الدولي.
كما يواجه هذا المطلب عقبة قانونية رئيسية: الولايات المتحدة ليست دولة طرفًا في نظام روما، وبالتالي لا تقع تحت الاختصاص القضائي للمحكمة، مما يجعل محاولة مادورو استخدام المحكمة كمنصة لمهاجمة واشنطن غير مجدية قانونيًا.

في يونيو 2023، أكدت الدائرة التمهيدية للمحكمة قرارها استئناف التحقيق، مشيرة إلى أن الإجراءات الداخلية التي اتخذتها فنزويلا للتحقيق في الانتهاكات المزعومة كانت "غير كافية" وغير قادرة على تغطية نطاق التحقيق المطلوب، مما يقوض دفاع كاراكاس القائم على مبدأ التكاملية (أي أولوية القضاء الوطني).
وبناءً عليه، يمثل التهديد بالانسحاب محاولة أخيرة لتفادي المساءلة الدولية، ولكنه في الواقع لن يمحو الجرائم المزعومة التي وقعت بالفعل خلال سنوات عضوية فنزويلا، مما يبقي سيف العدالة الدولية مسلطًا على المتهمين.
تكتيك الضغط المضاد على لاهاي
يسعى مادورو إلى توحيد الصفوف خلف النظام الحاكم عبر تصويره كضحية لـ"مؤامرة عالمية". فبدلًا من مواجهة الاتهامات الموجهة ضد كبار مسؤوليه بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، يقوم النظام بتحويل الأضواء نحو الولايات المتحدة، مُقدمًا المحكمة الجنائية الدولية على أنها أداة في يد واشنطن لتقويض سيادة فنزويلا.
هذا التكتيك هو محاولة لصرف انتباه الرأي العام عن التدهور الاقتصادي والأزمة الإنسانية المستمرة عبر خلق عدو خارجي مشترك. كما يعد التلويح بالانسحاب خطوة محسوبة للضغط على المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، كريم خان، والدوائر القضائية في لاهاي.
ففي ظل استمرار التحقيق الذي وصل إلى مرحلة حساسة، يأمل مادورو في أن يدفع هذا التهديد المحكمة إلى تخفيف لهجتها أو إبطاء وتيرة إجراءاتها خوفًا من فقدان دولة طرف كاملة، ما يُضعف مكانة المحكمة في أمريكا اللاتينية. كما يهدف مادورو إلى إجبار المحكمة على النظر بشكل أكثر جدية في شكاويه المتعلقة بتأثير العقوبات الأمريكية، والتي يعتبرها جريمة اقتصادية ضد الشعب الفنزويلي، ليظهر للساحة الدولية أنه يقاتل على جبهتين: ضد العدالة الدولية وضد "الغطرسة الأمريكية".

على الصعيد الخارجي، يُستخدم التهديد كورقة تفاوض في الصراع الجيوسياسي الأوسع بين فنزويلا والغرب. فمن خلال إظهار استعدادها للقطيعة الكاملة مع المؤسسات الدولية، تسعى كاراكاس إلى إرسال رسالة مفادها أنها لن تتراجع أمام الضغوط، وأنها قادرة على التحالف أكثر مع قوى دولية أخرى (مثل الصين وروسيا).
كما أن هذا الموقف يهدف إلى إضعاف شرعية أي قرارات مستقبلية قد تصدر عن المحكمة الجنائية الدولية، ويساهم في ترسيخ خطاب النظام بأن التحقيق ليس قانونيًا بل "انتقامًا سياسيًا" تقوده الولايات المتحدة وحلفاؤها.

التداعيات الجيوسياسية ومستقبل العلاقات الدولية
إن تنفيذ تهديد فنزويلا بالانسحاب من نظام روما الأساسي سيؤدي حتمًا إلى زيادة عزلة نظام مادورو على الساحة الدولية. فبالنسبة للدول الغربية والعديد من الديمقراطيات، يمثل الانسحاب تراجعًا عن الالتزامات الأساسية بحقوق الإنسان وتكريسًا لسياسة الإفلات من العقاب.
هذا التطور لا يغذي فقط الخطاب المعادي للنظام، بل قد يبرر أيضًا اتخاذ المزيد من الإجراءات الدبلوماسية والاقتصادية ضده، مما يجعل قدرة فنزويلا على استعادة شركائها التجاريين والاستثمار الأجنبي أكثر صعوبة. وبدلًا من تأكيد سيادتها، قد يُنظر إلى هذه الخطوة على أنها إفلات من المساءلة الدولية.
ختامًا:
يشكل هذا التهديد، إذا ما تم تنفيذه، ضربة معنوية كبيرة للمحكمة الجنائية الدولية ومبدأ العدالة العالمية في أمريكا اللاتينية؛ خاصة أن فنزويلا دولة مهمة في المنطقة، وانسحابها قد يشجع دولًا أخرى تواجه ضغوطًا حقوقية على اتباع المسار نفسه، مما يضعف آليات المساءلة الإقليمية.
ومع أن المحكمة ستظل تحتفظ باختصاصها على الجرائم السابقة، فإن التهديد يرسخ فكرة أن الدول القوية أو المدعومة يمكنها التملص من الالتزامات الدولية عندما تتعرض لضغوط، مما يقوض قدرة المحكمة على العمل كـ"الملاذ الأخير" لضحايا الجرائم الدولية.
يُشير هذا التصعيد إلى سعي فنزويلا لتموضع نفسها بشكل أوضح ضمن محور الدول التي تتخذ موقفًا معارضًا للمؤسسات والتحالفات التي يهيمن عليها الغرب.
فمن خلال مقاومة المحكمة الجنائية الدولية وتوجيه الاتهام لأمريكا، ترسل كاراكاس إشارات قوية لحلفائها الاستراتيجيين، مثل روسيا والصين وإيران، بأنها شريك موثوق به في مقاومة الضغوط الغربية. هذا التموضع الجديد يعزز من التحالفات الأمنية والاقتصادية مع هذه الدول، مما قد يؤدي إلى مزيد من التوتر في العلاقات مع جيرانها وتغيير موازين القوى الدبلوماسية في منطقة الكاريبي وأمريكا اللاتينية.



