رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

البريكست تحت المجهر: هل تتراجع المملكة المتحدة عن الانفصال؟

كير ستارمر وإيمانويل
كير ستارمر وإيمانويل ماكرون - أرشيفية

شهد الجدل حول مستقبل علاقة المملكة المتحدة بالاتحاد الأوروبي تحولًا ملفتًا مؤخرًا، بعد أن رفض رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، استبعاد احتمال عودة بلاده للانضمام إلى التكتل القاري مجددًا خلال حياته؛ الأمر الذي تسبب في موجة من التساؤلات حول التزام حكومة حزب العمال بوعودها السابقة بشأن "البريكست" والانسحاب من الاتحاد الأوروبي، الذي تم رسميًا في عام 2020، خاصة مع تزايد التقارير التي تتحدث عن الضرر الاقتصادي الناجم عن المغادرة.

أكد ستارمر أنه يُجري "مناقشات مع شركاء أوروبيين لتعزيز العلاقات"، لكنه امتنع بشكل لافت عن الإجابة بعد خمسة أسئلة متتالية حول ما إذا كان لا يزال يعتقد أن بريطانيا لن تعود للاتحاد الأوروبي. ويمثل هذا الامتناع عن النفي الصريح نقطة تحول كبرى، حيث كان الخط الرسمي للحزب سابقًا يشدد على أن مسألة العودة إلى الاتحاد قد أُغلقت نهائيًا، مما يفتح الباب أمام احتمال مراجعة هذا الموقف على المدى البعيد، رغم تأكيدات الحكومة الحالية بأنها لن تعود إلى السوق الموحدة أو الاتحاد الجمركي.

وبينما يبقى الهدف المعلن حاليًا هو "تعزيز العلاقات" وتقليل الاحتكاكات التجارية مع الاتحاد الأوروبي، فإن رفض ستارمر إغلاق الباب أمام العضوية المستقبلية يعيد إلى الواجهة سيناريو عودة المملكة المتحدة إلى التكتل، وإن كان ذلك لن يتم إلا بعد سنوات طويلة من بناء الثقة ومراجعة الظروف الاقتصادية والسياسية.

 كير ستارمر رفقة المستشار الألماني أولاف شولتس
 كير ستارمر رفقة المستشار الألماني أولاف شولتس

تحليل التحول في موقف حزب العمال: التوقيت والدوافع

رفض ستارمر استبعاد العودة المحتملة للاتحاد الأوروبي تحول محسوب في الاستجابة للبيانات الاقتصادية المتزايدة التي تشير إلى أن "البريكست" قد أضر بالنمو البريطاني، فبعد سنوات من إصرار قيادة حزب العمال على أن "البريكست قد تم ولن نعود للوراء"، جاء هذا التصريح ليمثل تليينًا ملحوظًا في الخطاب، ما يشير إلى أن الحكومة الجديدة تسعى لمعالجة الضرر الاقتصادي الناجم عن القيود التجارية، حتى لو كان ذلك يعني فتح ملف العضوية جزئياً في المستقبل البعيد.

على الرغم من عدم الإعلان عن أي خطط فورية للانضمام، إلا أن مجرد "فتح الباب" يمثل تحديًا لوحدة حزب العمال، خاصة أن هناك تيارًا داخل الحزب لا يزال يخشى تنفير الناخبين الموالين للمغادرة في المناطق الشمالية، الذين ساهموا في فوز الحزب في الانتخابات الأخيرة.

هذا التوتر يضع ستارمر في مأزق سياسي دقيق؛ فهو يسعى لإرضاء مؤيدي البقاء الذين يشكلون قاعدة ليبرالية واسعة، مع الحفاظ على ولاء الناخبين في المناطق التي صوتت لصالح المغادرة.

وتعتبر مناقشات تعزيز العلاقات مع دول الاتحاد الأوروبي استراتيجية مرحلية ضرورية، فبدلاً من القفز مباشرة إلى المطالبة بالعضوية الكاملة، التي قد تفشل شعبياً وسياسياً، يعتزم حزب العمال بناء علاقة أوثق وأكثر سلاسة مع التكتل الأوروبي أولاً.

هذا التكتيك يهدف إلى استعادة الثقة مع بروكسل وتقليل الاحتكاكات التجارية والإدارية، مما قد يسهل اتخاذ خطوة أكبر نحو العودة إلى الاتحاد الجمركي أو السوق الموحدة في نهاية المطاف، تمهيداً لقرار مستقبلي بشأن العضوية الكاملة.

 كير ستارمر رفقة جورجيا ميلوني رئيسة وزراء إيطاليا
 كير ستارمر رفقة جورجيا ميلوني رئيسة وزراء إيطاليا

ردود الفعل الأوروبية والضغوط على المفاوضات

جذبت تصريحات ستارمر اهتمامًا فوريًا في العواصم الأوروبية، حيث يُنظر إليها كتأكيد على أن لندن قد بدأت تدرك تكلفة الانفصال. ومع ذلك، لم يبدِ القادة الأوروبيون حماسًا فوريًا لتقديم تنازلات كبيرة، مفضلين التريث. فالمفوضية الأوروبية تدرك أن أي تحسين في الاتفاقيات يجب أن يكون ثمنه التزام بريطاني بتعهدات محددة، ما قد يزيد الضغط على ستارمر لتقديم المزيد من التنازلات الأوروبية، خاصة فيما يتعلق بمسائل مثل معايير العمل والمنافسة العادلة.

على الصعيد الاقتصادي، أرسلت تصريحات رئيس الوزراء إشارة إيجابية مبدئية إلى قطاع الأعمال البريطاني، وخاصة الشركات التي تعتمد على التجارة مع القارة، وقد رحبت بأي تحول يقلل من العوائق التجارية بعد "البريكست"، وبينما لم تسجل الأسواق تحركًا دراميًا فوريًا، فإن مجرد وضع احتمال تحسين العلاقات أو العودة على الطاولة قد يخفف من حالة عدم اليقين طويلة الأمد، ما قد يشجع على زيادة الاستثمار المحلي والأجنبي الذي تراجع بسبب التوترات السابقة.

 

 كير ستارمر يتوسط القمة الأوروبية
 كير ستارمر يتوسط القمة الأوروبية

سارع حزب المحافظين، الذي يتولى دور المعارضة، إلى استغلال تصريحات ستارمر لمهاجمته سياسيًا، فقد اتهموا رئيس الوزراء بـ"الخيانة" لإرادة 17.4 مليون ناخب صوتوا لصالح المغادرة في استفتاء عام 2016. هذا الهجوم يهدف إلى ربط حكومة العمال بالرغبة في إلغاء "البريكست" بالكامل، وهي نقطة خلافية أساسية يأمل المحافظون في استغلالها لإعادة بناء قاعدتهم الانتخابية الموالية للمغادرة.

سيناريوهات العودة المحتملة على المدى الطويل

في حال قررت المملكة المتحدة المضي قدمًا في طلب العودة، فإنها ستواجه شروطًا تفاوضية صعبة ومختلفة عما كانت عليه قبل عام 2020، فمن المرجح أن يشدد الاتحاد الأوروبي على عدم منح أي استثناءات أو تنازلات خاصة فيما يتعلق بأمور رئيسية مثل اليورو أو منطقة شنجن، لضمان عدم تكرار الخلافات التي سبقت المغادرة.

هذه الشروط قد تجعل العودة أمرًا مكلفًا سياسيًا وماليًا لحكومة بريطانية مقبلة، ما يتطلب قبولًا كاملًا للقوانين الأوروبية دون القدرة على تشكيلها، لكن أي قرار بالعودة إلى الاتحاد الأوروبي، سواء إلى السوق الموحدة أو العضوية الكاملة، سيتطلب على الأرجح إجراء استفتاء شعبي جديد لتأكيد القرار.

ويأتي هذا الاستفتاء في ظل خطر انقسام جديد للبلاد على غرار ما حدث في عام 2016، ورغم أن استطلاعات الرأي تشير إلى تزايد عدد الناخبين الذين يرون أن المغادرة كانت خطأ، إلا أن الحملات الانتخابية قد تعيد إشعال الجدل حول الهوية الوطنية والسيادة، ما يجعل أي تصويت أمراً محفوفاً بالمخاطر السياسية الكبيرة.

كما يشير استخدام ستارمر لعبارة "خلال حياتي" إلى أن العودة المحتملة ليست خطة فورية، بل هي رؤية طويلة الأمد تمتد لعقود. هذا الإطار الزمني يعني أن حكومة العمال الحالية لن تتخذ الخطوة النهائية، ولكنها ستقوم بتهيئة الأرضية عبر "تعزيز العلاقات" وبناء الثقة الاقتصادية.

ربما يعني ذلك أن هذا ملف العضوية سيتم تأجيله إلى الجيل السياسي القادم، أو إلى أن يتغير الرأي العام بشكل قاطع وكاسح يؤيد الانضمام، ما يحول دون المخاطرة بحرب ثقافية وسياسية جديدة.

ختاما:

 تُظهر تصريحات سير كير ستارمر الأخيرة تحولًا استراتيجيًا في تعامل المملكة المتحدة مع الاتحاد الأوروبي، من الإصرار على الانفصال إلى فتح الباب للعودة المحتملة في المستقبل البعيد. وبينما تؤكد حكومة العمال أن هدفها الفوري هو تحسين العلاقات التجارية وتقليل الاحتكاكات، فإن رفض رئيس الوزراء النفي القاطع لسيناريو الانضمام يضع مصير "البريكست" على طاولة النقاش مرة أخرى.

هذا التطور لا يمثل ضوءًا أخضر للعودة الفورية، بل هو إشارة إلى أن المملكة المتحدة بدأت تقييم تكلفة الانفصال بجدية، ما يمهد الطريق لجدل وطني طويل حول مستقبلها الاقتصادي والسيادي على الساحة العالمية.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء