رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الهوية السويدية على المحك:اليمين المتطرف يفرض أجندته ويزيد التوتر الداخلي

تستعد السويد، مع اقتراب الانتخابات العامة المقررة في سبتمبر 2026، لخوض استحقاق انتخابي يعد امتدادًا لـزلزال سياسي بدأ في 2022، حيث تواجه البلاد أعمق تحول في هويتها السياسية المعاصرة، إذ تأتي هذه الانتخابات في ظل استمرار هيمنة قضايا الأمن والجريمة المنظمة على الأجندة الوطنية، ما أدى إلى تزايد الاعتماد على سياسات يمينية متشددة، وإعادة ترتيب المشهد الحزبي الذي اعتاد الناخبون السويديون على ثباته لعقود.

ومع تصاعد التوتر حول ملفات الهجرة والاندماج، فإن هذه الانتخابات لن تحدد فقط شكل الحكومة المقبلة، بل ستحدد مسار البلاد لعقود قادمة، إذ يشكل الدور المتنامي لحزب "ديمقراطيو السويد" (SD)، اليميني المتطرف، نقطة الارتكاز لهذا التحول، حيث بات الحزب يفرض شروطه ورؤيته على حكومة الأقلية اليمينية الحالية.

جيمي أوكيسون رئيس حزب ديمقراطيو السويد المتطرف 
جيمي أوكيسون رئيس حزب ديمقراطيو السويد المتطرف 

هذا الواقع السياسي الجديد أدى إلى إجبار الأحزاب التقليدية على تبني مواقف أكثر صرامة تجاه الهجرة والجريمة، مما يقلص الفروقات الأيديولوجية بين الكتل السياسية، ويسعى هذا التحليل أثر هذا التحول الجذري في الأجندة الوطنية، وكيف يهدد بتفكيك النموذج الاجتماعي التقليدي، وكيف ستنعكس نتائجه على مستقبل سياسات الهجرة والاندماج ما بعد 2026.

صعود اليمين وتفكيك النموذج التاريخي

عُرفت السويد لعقود طويلة بـ"نموذج الرفاهية السويدي"، القائم على توافق واسع النطاق بين الأحزاب حول دولة الرفاهية الشاملة والسياسات الاجتماعية الليبرالية والانفتاح الثقافي. كان هذا الإجماع بمثابة حجر الزاوية الذي وفر استقراراً اجتماعياً وسياسياً فريداً، غير أن السنوات الأخيرة شهدت تآكلاً تدريجياً لهذا النموذج، مدفوعاً بتحديات متزايدة في ملفات الهجرة والاندماج، ما هيأ الأرضية لتحول جذري في الأجندة الوطنية أدى إلى استقطاب غير مسبوق في الحياة السياسية.

 

 رؤساء أحزاب تيدو الحاكمة في السويد - أرشيفية 
 رؤساء أحزاب تيدو الحاكمة في السويد - أرشيفية 

ويُعتبر صعود حزب ديمقراطيو السويد (SD)، اليميني المتطرف، المحرك الأساسي لهذا التحول. فبعد عقود من التهميش السياسي، تمكن الحزب من اختراق البرلمان وتأمين مكانة تضعه الآن كـثاني أكبر قوة سياسية في البلاد، حيث يعتمد نجاح الحزب على أجندة تركز بشكل صارم على تقييد الهجرة، وتغيير السياسات الثقافية، وربط التحديات الأمنية بالاندماج الاجتماعي، مما يمثل خروجاً واضحاً عن المسار التاريخي الذي اتبعته الأحزاب التقليدية لسنوات طويلة.

وقد تجسد تأثير هذا الصعود في "ثمن الدعم" الذي تتقاضاه الأجندة اليمينية المتطرفة مقابل دعم حكومة الأقلية الحالية، المكونة من الأحزاب اليمينية التقليدية؛ فعلى الرغم من أن حزب SD لا يشارك رسميًا في الائتلاف الحاكم، إلا أنه يمارس نفوذًا كبيرًا في صياغة التشريعات، خاصة في مجالي العدالة والهجرة. هذا الترتيب يضمن تنفيذ برنامج الحزب عبر بوابة الأحزاب الشريكة، مما يمنحه قوة تفاوضية غير مسبوقة، ويجعل سياسته هي المهيمنة على المشهد التشريعي.

 قيادات حزب ديمقراطيي السويد
 قيادات حزب ديمقراطيي السويد

إن هذا التغيير في موازين القوى ليس مجرد تحول في توزيع المقاعد، بل هو تحدٍّ وجودي للهوية السويدية ذاتها. فبإجبار الأحزاب التقليدية على تبني مواقف أكثر تشددًا لمجاراة حزب SD، يتم التخلي عن المبادئ الأساسية التي قام عليها النموذج الاجتماعي من شمولية وتعددية ثقافية. وبذلك، فإن الانتخابات المقبلة لعام 2026 لا تدور حول من سيحكم، بل حول ما هي القيم والمبادئ التي ستحكم السويد مستقبلًا.

الأمن والجريمة كقضية مركزية.. العامل الانتخابي الحاسم

أصبحت قضايا الأمن والجريمة المنظمة هي المحرك الأبرز للأجندة الوطنية السويدية، متجاوزة القضايا التقليدية مثل الرعاية الاجتماعية والمناخ. يأتي هذا التحول نتيجة لتصاعد غير مسبوق في العنف المسلح وحوادث إطلاق النار والتفجيرات المرتبطة بحروب العصابات، وهي ظاهرة هزت الثقة العامة في قدرة الدولة على فرض القانون.

رئيس الوزراء السويدي أولف كريسترشون رفقة رؤساء أحزاب تيدو لتشاور حول الانتخابات المقبلة
رئيس الوزراء السويدي أولف كريسترشون رفقة رؤساء أحزاب تيدو لتشاور حول الانتخابات المقبلة

هذه الأجواء جعلت الناخب السويدي يركز بشكل أساسي على البحث عن حلول فورية وصارمة لهذه التحديات، مما خدم الأجندة اليمينية التي لطالما جعلت من الأمن أولويتها القصوى.

وقد انعكس هذا التحول مباشرةً على التشريعات الجديدة التي أقرتها الحكومة الحالية، والتي تضمنت إجراءات أمنية متشددة وتوسيعًا ملحوظًا لصلاحيات أجهزة الشرطة والاستخبارات. تمثل هذه التشريعات تنازلًا من الأحزاب اليمينية التقليدية لصالح مطالب حزب ديمقراطيو السويد (SD)، وتؤكد أن الأولوية القصوى للبرلمان أصبحت تتمثل في تطبيق القانون بالقوة. هذا الواقع يكرس سيطرة الأجندة الأمنية على النقاش العام، ويجعل من قدرة الحكومة على احتواء الجريمة المقياس الحاسم لنجاحها أو فشلها في أعين الناخبين قبل انتخابات 2026.

دنيز ويستربرغ، رئيسة اتحاد شباب حزب ديمقراطيو السويد
دنيز ويستربرغ، رئيسة اتحاد شباب حزب ديمقراطيو السويد

وفي سياق الحملات الانتخابية، يتم استخدام ملف الجريمة المنظمة كأداة سياسية فعالة لتعزيز الخطاب الذي يربط بين الفشل الأمني وسياسات الهجرة السابقة. هذا الربط يخلق ضغطاً على الأحزاب اليسارية والديمقراطية الاجتماعية التي تُتهم بالمسؤولية عن التراخي في قوانين الاندماج، مما يجبرها على تبني مواقف أكثر تشدداً بشكل غير مسبوق في محاولة لاستعادة مصداقيتها الأمنية.

السيناريوهات الانتخابية وما بعد 2026

تشير التوقعات واستطلاعات الرأي الحالية إلى أن انتخابات 2026 السويدية ستكون سباقًا متقاربًا وشديد الاستقطاب، حيث تستمر الكتلة اليمينية (بما في ذلك حزب ديمقراطيو السويد) والكتلة اليسارية في التنافس على أغلبية برلمانية لا تتجاوز مقعداً واحداً. هذا المشهد يفتح الباب أمام ثلاثة سيناريوهات رئيسية لما بعد الانتخابات.

السيناريو الأول هو استمرار حكومة الأغلبية اليمينية الحالية بالاعتماد على دعم SD، مما يعني تكريسًا للتحول اليميني وتطبيقاً أكثر عمقًا لسياسات التضييق على الهجرة والأمن، هذا السيناريو سيؤكد أن التحول الأخير ليس مجرد مرحلة عابرة، بل توجه استراتيجي طويل الأمد.

على الجانب الآخر، يكمن السيناريو الثاني في عودة الكتلة اليسارية، بقيادة الحزب الاشتراكي الديمقراطي، إلى السلطة. هذا السيناريو سيمثل محاولة لـ"عكس الاتجاه" وتخفيف حدة بعض القوانين الأمنية، والتركيز مجددًا على قضايا الرعاية الاجتماعية والمناخ، إلا أن نجاحهم سيكون محدودًا بسبب الضغط الشعبي المتزايد على قضايا الأمن.

أما السيناريو الثالث الذي يلوح في الأفق، فهو تشكيل ائتلاف كبير يجمع بين الأحزاب المعتدلة من اليمين واليسار، في محاولة لعزل حزب SD والتصدي للتحديات الداخلية ببرنامج يركز على التوافق، رغم صعوبة تحقيق هذا الائتلاف نظراً للاستقطاب الحالي.

ختامًا:

 التهديد الوجودي للنموذج السويدي يظل قائمًا بغض النظر عن الفائز. فإذا فاز اليمين بدعم SD، فسيتم تسريع تآكل نموذج الرعاية الاجتماعية لصالح الأجندة الأمنية. وإذا فاز اليسار، فسيواجه تحدياً هائلاً لإعادة بناء الثقة في قدرته على حل مشكلات الجريمة المنظمة دون التخلي عن مبادئه الليبرالية.

الانتخابات المقبلة ستحسم إلى حد كبير هل ستصمد السويد أمام رياح التغيير اليمينية، أم أنها ستواصل تفكيك أسس هويتها التاريخية التي قامت على التوافق والانفتاح.

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء