رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

باريس تعلن مرحلة الحسم: هل تنجح فرنسا في تفكيك نفوذ الإخوان؟

الرئيس الفرنسي إيمانويل
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون - أرشيفية

صعّدت فرنسا تعاملها مع جماعة الإخوان خلال الأشهر الأخيرة، بعد نشر تقرير حكومي موسع اعتبر أن نشاط الجماعة يمثل تهديدًا لبنية التلاحم الوطني؛ مما دفع الرئاسة لعقد اجتماع طارئ ضم وزراء الداخلية والعدل والتربية، في خطوة أظهرت انتقال الملف من مستوى المتابعة الأمنية التقليدية إلى مستوى صنع القرار السياسي المباشر، ما يعكس حجم القلق الرسمي من تأثير التنظيم داخل بعض الجمعيات والمراكز الثقافية.

وأطلقت الحكومة عقب الاجتماع حزمة إجراءات مالية وإدارية غير مسبوقة، شملت تجميد أصول مؤسسات دينية وتعليمية، وتوسيع صلاحيات حل الجمعيات التي يثبت صلتها بتيارات الإسلام السياسي. ويشير هذا التوجه إلى محاولة باريس إعادة ضبط الحقل الديني وتقييد ما تعتبره قنوات تأثير تتجاوز النشاط الدعوي التقليدي نحو مساحات اجتماعية وتعليمية حساسة، في إطار مقاربة ترى أن حماية العلمانية الجمهورية تتطلب تشديد الرقابة على مصادر التمويل وآليات الإدارة.

لكن هذه التحركات أثارت جدلًا واسعًا داخل المجتمع الفرنسي، حيث حذرت منظمات مسلمة من أن الإجراءات قد تنتج آثارًا عكسية إذا لم تُضبط بمعايير دقيقة، بما في ذلك تغذية الشعور بالاستهداف والتمييز داخل الجالية. وبينما تؤكد الحكومة أن الخطوات موجهة ضد جماعة سياسية وليس المسلمين، يفتح الملف نقاشًا أعمق حول حدود الأمن والعلمانية ودور الدولة في إعادة تشكيل علاقة الإسلام بالمجال العام، وهي معادلة مرشحة لأن تبقى في قلب الجدل الداخلي خلال المرحلة المقبلة.

الحكومة الفرنسية - أرشيفية 
الحكومة الفرنسية - أرشيفية 

الدولة وإعادة تعريف العلمانية في مواجهة الإسلام السياسي

عززت الحكومة الفرنسية خطابها حول حماية قيم الجمهورية العلمانية باعتباره الإطار الذي تبرر به تشديد الرقابة على الجماعات المؤدلجة، وفي مقدمتها جماعة الإخوان، وتعكس الخطوات الأخيرة انتقال الدولة من نهج المتابعة الأمنية إلى نهج يضع العلمانية نفسها كأداة سياسية لضبط الدين في المجال العام.

وتسعى باريس، عبر هذا التحول، إلى توسيع مفهوم العلمانية بما يسمح بتدخل أعمق في إدارة الحقل الديني، خصوصًا فيما يتعلق بالمراكز التعليمية والثقافية ذات الخلفية الإسلامية. ويبرز هذا التحول باعتباره محاولة لإعادة إنتاج علاقة أكثر مركزية بين الدولة والمؤسسات الدينية، خاصة في ظل اتهام تلك الجماعات بالانفصالية والعزلة المجتمعية.

وتشير وثائق رسمية إلى أن الحكومة ترى أن "تحصين العلمانية" لم يعد يقتصر على الفصل بين الدولة والدين، بل يشمل مراقبة مصادر التمويل ومحاصرة أي نفوذ سياسي مختبئ في العمل الدعوي، ما يعيد فتح النقاش حول حدود التدخل الحكومي في شؤون الممارسة الدينية.

هذا التوجه يطرح أسئلة أعمق حول التوازن بين حرية العبادة وحماية المجال العام، في ظل تخوفات من أن يعيد تعريف العلمانية بطريقة قد تُضيق المساحة على المسلمين الملتزمين دينيًا، حتى لو لم تكن لهم علاقة بالجماعات السياسية.

أدوات المواجهة.. من تجميد الأصول إلى ضبط الحقل الديني

باشرت السلطات الفرنسية سلسلة إجراءات مالية وإدارية استهدفت مؤسسات مرتبطة بجماعة الإخوان، كان أبرزها تجميد أصول مراكز تعليمية ودينية تُتّهم بأنها تمثل قناة لنفوذ التنظيم، ويعكس ذلك انتقال المواجهة إلى المستوى الاقتصادي.

كما عكفت وزارة الداخلية على توسيع صلاحيات حل الجمعيات ومنح سلطات الوصاية إمكانية التدخل المباشر في إدارة المؤسسات التي يتم حلها، ويأتي هذا التطور استنادًا إلى تحديثات قانون مبادئ الجمهورية الذي يسمح بتشديد الرقابة على الجمعيات.

وتشير المصادر الحكومية إلى أن الإجراءات المالية تهدف إلى تجفيف شبكات التأثير الأيديولوجي عبر مراقبة التمويل الخارجي ومحاسبة الجمعيات التي لا تلتزم بمعايير الشفافية، وهو ما يضع المؤسسات الإسلامية تحت درجة أعلى من التدقيق والمراجعة مقارنة بالسنوات السابقة.

البرلمان الفرنسي - أرشيفية
البرلمان الفرنسي - أرشيفية

وتتزامن هذه الخطوات مع إعادة هيكلة برامج تأهيل الأئمة والتعليم الإسلامي، في محاولة لتقليص المسارات التي كانت تُستخدم ـ وفق الرواية الرسمية ـ لتعزيز حضور الإخوان داخل البيئة الاجتماعية للمسلمين في فرنسا.

الجدل الداخلي.. بين حماية الأمن واتهامات الوصم

دارت على الإجراءات الفرنسية الأخيرة نقاشات داخلية واسعة بين مؤيدين يرون في الخطوة حماية ضرورية للأمن الوطني، وبين منظمات مدنية وجماعات مسلمة تحذر من آثار جانبية تؤدي إلى وصم جماعي للمجتمع المسلم. إذ تؤكد منظمات الجالية المسلمة أن مصطلحات مثل "التغلغل الأيديولوجي" قد يُستخدم بطريقة فضفاضة تضع مؤسسات تقليدية ومساجد معتدلة تحت رقابة بلا مبرر.

وقد عبّرت عدد من الجمعيات عن خشيتها من اتساع دائرة الاشتباه لتشمل كل أشكال النشاط الديني. وفي المقابل، تدافع الحكومة عن سياستها، مؤكدة أن الإجراءات تستهدف جماعة سياسية محددة (جماعة الإخوان) ، وأنها لا تمس حق المسلمين في ممارسة عباداتهم. وتصر باريس على أن الضبط التنظيمي ضرورة لضمان عدم استغلال الدين لأغراض سياسية أو انتخابية.

غير أن استمرار غياب تعريف قانوني واضح لمفهوم "الإسلام السياسي" يزيد من حدة الجدل، ويثير أسئلة حول إمكان وقوع انزلاقات قد تؤدي إلى خلق فجوة أكبر بين الدولة والجالية المسلمة، في وقت تحتاج فيه فرنسا إلى تعزيز الاندماج لا تعميق الاستقطاب.

البرلمان الفرنسي - أرشيفية
البرلمان الفرنسي - أرشيفية

الارتدادات الأوروبية والدولية

أثارت السياسات الفرنسية اهتمام عدد من الدول الأوروبية التي تتابع ما تعتبره تجربة متقدمة في تنظيم الحقل الديني ومواجهة الإسلام السياسي، وتشير تقديرات إلى أن بعض الحكومات تدرس خطوات مشابهة في التعامل مع الجمعيات الدينية ذات الطابع السياسي. ويمكن للخطوات الفرنسية أن تمثل نقطة تحول في صياغة مقاربة أوروبية مشتركة، خاصة إذا اتجه الاتحاد الأوروبي إلى تطوير أدوات رقابية على التمويل العابر للحدود داخل المؤسسات الإسلامية، وهو ما يعد امتدادًا لمقاربات بدأت بالفعل في ألمانيا والنمسا.

إلا أن هذه الاتجاهات تثير بدورها مخاوف داخل الأوساط الحقوقية الأوروبية التي ترى أن حظر أو تقييد جماعات أيديولوجية قد يفتح الباب أمام تضييق أوسع على الحريات الدينية، مما قد يدفع ببعض الشباب إلى الانسحاب من الفضاء العام بدلًا من الاندماج.

كما يمكن أن تنعكس هذه السياسات على علاقة أوروبا بعدد من الدول التي تستضيف حضورًا مؤسسيًا أو فكريًا للإخوان، ما قد يخلق تباينًا جديدًا بين العواصم الأوروبية وشركاء إقليميين، وهو ما يجعل النهج الفرنسي عنصر ضغط دبلوماسي مؤثر خلال السنوات المقبلة.

النموذج الفرنسي والضبط الوقائي للإخوان

في الوقت الذي ترى فيه الدولة أن نهج الضبط الوقائي ضروري لحماية قيم الجمهورية وبنية المجتمع، تظل الأسئلة الجوهرية مطروحة حول مدى قدرة هذه الإجراءات على تحقيق أهدافها دون أن تنتج آثارًا عكسية تمس ثقة المسلمين بالدولة أو توسّع الفجوة بينهم وبين المؤسسات الرسمية.

وبينما تسعى الحكومة إلى تقديم مقاربتها بوصفها استجابة لمخاطر محددة ومثبتة، فإن غياب تعريف قانوني واضح لمفهوم "الإسلام السياسي"، يفتح الباب أمام تفسيرات واسعة قد تجعل الإجراءات عرضة للانتقاد، خاصة حين تُطبّق على مؤسسات دينية لا علاقة لها بالعمل الأيديولوجي.

وفي المحصلة، يبدو أن التعامل الفرنسي مع جماعة الإخوان سيكون أحد الملفات المركزية في النقاش العام خلال السنوات المقبلة، ليس فقط بسبب أبعاده الأمنية، بل لأنه يختبر الحدود الفاصلة بين العلمانية والحريات، وبين إدماج الجاليات وإدارة المخاوف. ويبقى أن تُثبت التجربة ما إذا كانت هذه السياسات ستقود إلى حماية التماسك الاجتماعي أم ستعيد إنتاج توترات جديدة في علاقة الدولة بالإسلام داخل فرنسا.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء