رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

جنوب إفريقيا والقطب الجنوبي: سباق جديد في جغرافيا النفوذ الدولي

  القارة القطبية
القارة القطبية الجنوبية “أنتاركتيا” - أرشيفية

أسهمت التغيرات المناخية وارتفاع درجة حرارة كوكب الأرض في ولوج العديد من الدول الكبرى والصاعدة إلى المناطق القطبية سواء الشمال أو الجنوب، نظرًا لما تحتويه تلك المناطق من فرص كامنة لم يتم استغلالها حتى الآن، ولم يتم اكتشاف الغالبية العظمى من ثروات تلك المناطق. ولعل التنافس بين القوى الكبرى حاليًا على القطب الشمالي خير دليل على ذلك؛ فمثلًا تعهّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمام الكونجرس الأمريكي في بداية ولايته الحالية بالحصول على جزيرة جرينلاند الدنماركية الواقعة شمال المحيط المتجمد الشمالي.

لم تكن هي المرة الأولى التي يصرّح فيها ترامب برغبته في السيطرة على الجزيرة المتجمدة؛ ففي خلال ولايته الأولى وتحديدًا في عام 2019 طلب شراءها من الدنمارك، الأمر الذي أحدث توترًا سياسيًا حادًا بين الدولتين، إذ يرى ترامب أن جرينلاند تعد فرصة عقارية لا تُعوَّض بالنسبة للولايات المتحدة؛ فالجزيرة تنبئ عن مكوناتها السخية، خاصة بعد التغيرات المناخية، فهي مع ذوبان الجليد بدأت تتكشف طرق جديدة للتجارة بين أوروبا الغربية والولايات المتحدة وروسيا، كما تحتوي الجزيرة على كميات هائلة من المعادن والوقود الأحفوري، وأخيرًا تمتلك واشنطن قاعدة ثول الجوية في تلك الجزيرة.

 جرينلاند تتمتع بالحكم الذاتي في ظل سيادة الدنمارك
 جرينلاند تتمتع بالحكم الذاتي في ظل سيادة الدنمارك

وعلى غرار محاولات استغلال واستكشاف القطب الشمالي، تجري حاليًا محاولات من القوى الكبرى والصاعدة لاستكشاف القطب الجنوبي سواء على مستوى المحيط الجنوبي أو القارة القطبية الجنوبية (أنتاركتيكا).

بداية الاهتمام العالمي

منذ حقبة الخمسينيات بدأت دول أمريكا اللاتينية مثل الأرجنتين وتشيلي، وأيضًا أستراليا وفرنسا، تسعى للسيطرة على القارة القطبية الجنوبية، خاصة في ظل الجدل القانوني حول ملكية تلك القارة لأي من الدول وكيفية تقسيمها بين الدول المتنازعة عليها.

فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية تطلعت القوى الكبرى للاستيلاء على القارة المتجمدة؛ ففي عام 1947 نفذت الولايات المتحدة عملية "الوثب العالي" وهي مناورات عسكرية هدفها في الأساس تدريب القوات الأمريكية على حرب محتملة في أنتاركتيكا، فضلًا عن فرض السيادة الأمريكية عليها. وفي المقابل تنازعت بريطانيا ودول أمريكا اللاتينية، خاصة الأرجنتين وتشيلي، حول السيطرة على بعض الخلجان والمناطق بها.

وإزاء التنازع الدولي على السيادة على القارة المتجمدة تم التوقيع على معاهدة "أنتاركتيكا "في عام 1959 ودخلت حيز النفاذ الفعلي في شهر يونيو 1961، وتم التوقيع على الاتفاقية من قبل 12 دولة على مستوى العالم، وهم: تشيلي والأرجنتين من أمريكا اللاتينية، وأستراليا ونيوزيلندا من دول الأوقيانوس، واليابان من آسيا، ومن أوروبا كانت النرويج وبلجيكا وفرنسا وبريطانيا، هذا بالإضافة إلى الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، وأخيرًا دولة جنوب أفريقيا من القارة الأفريقية.

 جرينلاند تتمتع بالحكم الذاتي في ظل سيادة الدنمارك
 جرينلاند تتمتع بالحكم الذاتي في ظل سيادة الدنمارك

وتتمحور بنود الاتفاقية حول عدة نقاط أبرزها حيادية القارة القطبية الجنوبية وعدم تبعيتها لأي دولة من الدول، وأن يتم تخصيص القارة القطبية الجنوبية للأغراض البحثية والعلمية فقط، وعدم استغلالها في إجراء التجارب النووية أو دفن النفايات النووية بها، وتحويلها إلى ما يسمى "قارة العلوم".

الاهتمام الإفريقي بالقطب الجنوبي

تعد دولة جنوب إفريقيا هي الدولة الإفريقية الوحيدة الموقعة على معاهدة "أنتاركتيكا"، وبالتالي تعد الممثل الوحيد للمصالح الإفريقية في حوكمة القارة القطبية الجنوبية، خاصة في ظل قربها الجغرافي من المحيط الجنوبي، والذي يمتد شمالًا حتى خط عرض 60 درجة جنوبًا.

ويعد المحيط الجنوبي من أغنى الموارد البحرية على مستوى العالم، إذ يحتوي على 85% من الإنتاجية البيولوجية التي تنتجها المحيطات العالمية، كما أنه يعد مصدرًا أساسيًا لعزل غاز ثاني أكسيد الكربون، الأمر الذي يساعد في تنظيم المناخ العالمي.

وإزاء الأهمية المتصاعدة للمحيط الجنوبي والقارة المتجمدة، دفع الباحثان من جنوب أفريقيا، وهما دانييلا مارغراف، زميلة أبحاث ما بعد الدكتوراة في برنامج مناطق المحيطات بجامعة بريتوريا، وتيموثي ووكر، باحث أول في الشؤون البحرية في معهد الدراسات الأمنية ببريتوريا، إلى نشر تقرير على موقع "معهد الدراسات الأمنية" بجنوب إفريقيا يحثان فيه بلادهما على بذل المزيد من الجهود لتعزيز تواجد بريتوريا في المنطقة القطبية الجنوبية، خاصة أن جنوب إفريقيا تمتلك حق التصويت في نظام "معاهدة أنتاركتيكا".

 جرينلاند تتمتع بالحكم الذاتي في ظل سيادة الدنمارك
 جرينلاند تتمتع بالحكم الذاتي في ظل سيادة الدنمارك

وإزاء الأهمية المتصاعدة لأنتاركتيكا اعتمدت جنوب إفريقيا استراتيجيتها الخاصة بالقارة القطبية والمحيط الجنوبي في عام 2021، كما طالب الباحثان بضرورة دمج المحيط الجنوبي في المسح الاستراتيجي الأوسع لجنوب إفريقيا، وذلك لثلاثة أسباب وهي:

أولًا: إيكال مهمات البحث والإنقاذ في المحيط الجنوبي، والذي يعد من أكثر المناطق البحرية خطورة وغموضًا حول العالم نظرًا لارتفاع مستوى الأمواج به، إلى جنوب إفريقيا، وذلك بعد زيادة حركة النقل والتجارة البحرية في المحيط الجنوبي بعد توقف وتعثر الملاحة في البحر الأحمر نظرًا لهجمات الحوثي المتكررة على السفن المارة به، مما دفع شركات الشحن العالمية إلى اتخاذ طريق رأس الرجاء الصالح والمحيط الجنوبي بدلًا من طريق قناة السويس ومضيق باب المندب.

وإزاء التوسع المطرد في اتخاذ الطرق البحرية في المحيط الجنوبي، من المتوقع أن تمتلك جنوب إفريقيا سفنًا وطائرات قادرة على التنقل السريع في جميع أرجاء المحيط الجنوبي، وذلك لمهمات الإغاثة والبحث والإنقاذ، مثلما حدث مع السفينة SA Agulhas التي تمكنت من إنقاذ السفينة الألمانية العالقة Magdalena Oldendorff عام 2002، حيث نقلت الطاقم جوًا إلى بر الأمان باستخدام طائرتي هليكوبتر من طراز Oryx.

  القارة القطبية الجنوبية “أنتاركتيكا” - أرشيفية
  القارة القطبية الجنوبية “أنتاركتيكا” - أرشيفية

وفي عام 2011 تمكنت السفينة SAS Isandlwana التابعة للبحرية الجنوب إفريقية من إنقاذ سفينة صيد تايوانية بعد انفجار غاز على متنها، وهي على بعد 2810 كيلومترات من سواحل كيب تاون. وفي عام 2020 تمكنت سفينة جنوب إفريقية من إنقاذ سفينة صيد ترفع علم دولة بليز غرقت قرب جزيرة جوف في أقصى جنوب المحيط الجنوبي. 

وتواجه جنوب إفريقيا حاليًا تحديات كبرى أبرزها نقص الإمدادات والإمكانيات للقيام بدورها في المحيط الجنوبي؛ فعلى سبيل المثال أبحرت سفينة الإنقاذ SA Agulhas II إلى القارة القطبية في عام 2021 بدون طائراتها الهليكوبتر، وذلك لأول مرة منذ 40 عامًا.

ثانيًا: تحول كيب تاون إلى محطة ترانزيت سياحية قبل السفر إلى القارة القطبية الجنوبية، فأرقام السياحة تشير إلى تضاعف أعداد السياح إلى القارة القطبية من عشرة آلاف زائر سنويًا في عام 1990 إلى مائة ألف زائر سنويًا في عام 2023. وتعد مدينة كيب تاون نقطة انطلاق رئيسية لمثل تلك الرحلات السياحية، لذا يطالب الباحثان بأهمية إدخال المحيط الجنوبي ضمن المسح الأوسع لجنوب إفريقيا وأن تتوسع في قدرات الطوارئ والإنقاذ.

  القارة القطبية الجنوبية “أنتاركتيكا” - أرشيفية
  القارة القطبية الجنوبية “أنتاركتيكا” - أرشيفية

ثالثًا: ربط المحيط الجنوبي بباقي المحيطات، الهادئ والهندي والأطلنطي، وبالتالي فإن أية تغيرات يشهدها ستكون لها تداعيات عالمية؛ فمثلًا ارتفاع درجة الحرارة قد يؤدي إلى ذوبان الجليد في "أنتاركتيكا" التي تحتوي على 70% من حجم المياه العذبة حول العالم، مما سيؤدي إلى ارتفاع منسوب المياه، وهو ما يهدد المدن الساحلية في جنوب إفريقيا. كما سيؤدي ذوبان الجليد إلى ارتفاع نسبة ثاني أكسيد الكربون، الأمر الذي سيؤدي إلى زيادة تحمّض المحيطات وبالتالي تهديد النظم البيئية البحرية والأمن الغذائي للعديد من الدول والشعوب.

  القارة القطبية الجنوبية “أنتاركتيا” - أرشيفية
  القارة القطبية الجنوبية “أنتاركتيا” - أرشيفية

كما سيؤثر ذوبان الجليد على أنماط هطول الأمطار والظواهر الجوية الأكثر تطرفًا، مما يفاقم تأثر أفريقيا بتغير المناخ، وقد يؤدي ارتفاع درجة حرارة المحيطات إلى هجرة قطعان الأسماك إلى المحيط الجنوبي، مما يغير خريطة المصائد السمكية الرئيسية.

وختامًا:

 يختم الباحثان دراستهما المنشورة في معهد الدراسات الأمنية ببريتوريا بضرورة أن تولي بلادهما اهتمامًا أكبر بمنطقة المحيط الجنوبي وقارة أنتاركتيكا، حيث يجب أن تدعو جنوب إفريقيا إلى إنشاء مركز دمج معلومات بحرية خاص بالقطب الجنوبي ومحيطه. كما يجب أن يشمل مركز الدمج مكونًا تشغيليًا، حيث يقوم أصحاب المصلحة بمحاكاة حوادث الاستغاثة واختبار سلاسل الاتصالات وسلطات اتخاذ القرار والخدمات اللوجستية.

كما يجب أن تساهم كيب تاون في صياغة جديدة حول تكيف معاهدة "أنتاركتيكا" مع التغير المناخي، وأخيرًا يجب أن تمثل كيب تاون مصالح الدول الإفريقية جميعًا خلال مشاركتها في الاجتماع الاستشاري الثامن والأربعين لمعاهدة "أنتاركتيكا" والمقرر عقده في اليابان عام 2026.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء