رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

خطة ترامب للمرحلة الثانية: اختبار صعب بين تعنت إسرائيل وتمسك حماس

عدان الاحتلال الإسرائيلي
عدان الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة - أرشيفية

في وقت تتجه فيه الأنظار إلى واشنطن ترقبًا لإعلان "المرحلة الثانية" من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لوقف الحرب في غزة، تتصاعد التساؤلات حول فرص نجاح هذه الخطة في ظل تعقيدات ميدانية وسياسية متشابكة. فمع أن المرحلة الأولى أسست لوقف إطلاق النار، إلا أن سلسلة الخروقات الإسرائيلية والخلافات العميقة بين الأطراف المعنية تهدد بإطالة الأزمة وتعطيل خطوات إعادة الإعمار. وبين اشتراطات إسرائيل الصارمة وتمسّك حركة "حماس" بمواقفها، يقف الوسطاء أمام معادلة دقيقة تُعيد رسم ملامح المرحلة المقبلة في القطاع.

وتتضمن "المرحلة الثانية" من الخطة التي أكد العديد من المسؤولين الأمريكيين أن ترامب سيعلنها بحلول منتصف الشهر الجاري، القضايا الأكثر حساسية في هذه الحرب، والتي تحدد وتقرر نتائجها، وفي مقدمتها نزع السلاح وصولًا إلى إعلان قطاع غزة منطقة خالية من السلاح، وتدمير البنية العسكرية الباقية من معامل تصنيع السلاح والأنفاق ومراكز التدريب وغيرها.

قيادات حماس خلال مفاوضات السلام في <span style=شرم الشيخ ">
قيادات حماس خلال مفاوضات السلام في شرم الشيخ 

وتشمل هذه المرحلة أيضًا تشكيل "مجلس السلام" الذي يرأسه ترامب للإشراف على تطبيق الخطة، وإعادة إعمار غزة، يعاونه "مجلس تنفيذي" يعد رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير المرشح الأكثر حظًا لترأسه، فيما تتولى "لجنة محلية" فلسطينية من التكنوقراط إدارة الخدمات المحلية. وتشمل أيضًا إنشاء "قوة استقرار دولية" لضمان الاستقرار وعدم عودة الحرب وتدريب قوة شرطة محلية. وتتطلب هذه المرحلة من إسرائيل سحب قواتها من الخط الأصفر الحالي الذي يضم أكثر من 53% من أراضي القطاع إلى خط جديد يسمى الخط الأحمر.

ترامب والتوقيع على اتفاقية السلام في شرم الشيخ
ترامب والتوقيع على اتفاقية السلام في شرم الشيخ

وحددت الخطة ثلاثة خطوط للانسحاب الإسرائيلي هي الأصفر والأحمر والأزرق. والخط الأزرق هو الخط الأخير القريب من الحدود، والذي ستنسحب إليه القوات الإسرائيلية في المرحلة الأخيرة. ويبقى هذا الخط منطقة عازلة بين إسرائيل والقطاع. وتشمل المرحلة الثانية أيضًا إعادة الإعمار بدءًا من إزالة أنقاض المباني المدمرة التي تقدر بأكثر من 70 مليون طن، وإعادة بناء وترميم البنية التحتية والشروع في بناء البيوت والمنشآت التي دمرتها الحرب. وترفض إسرائيل الانسحاب من المنطقة التي تحتلها حاليًا قبل نزع سلاح حركة "حماس" وتدمير البنية العسكرية في القطاع.

تنظيم السلاح

أما حماس فترفض مبدأ "نزع السلاح" وتقترح استبداله بمبدأ "تنظيم السلاح"، وتربطه بانسحاب إسرائيلي كامل من قطاع غزة، ووصول قوات دولية مهمتها الفصل بين الجانبين، وضمان عدم عودة قوات الاحتلال، وضمان وقف تام للاغتيالات والاجتياحات.

رجال البيت الأبيض خلال مفاوضات شرم الشيخ 
رجال البيت الأبيض خلال مفاوضات شرم الشيخ 

مصادر إعلامية ذكرت أن الخروقات الإسرائيلية التي سجلت في المرحلة الأولى تجعل الانتقال إلى المرحلة الثانية بحاجة إلى ضمانات جدية من الوسطاء، مختلفة عن تلك التي قدمت في المرحلة الأولى. وإن إسرائيل لم تلتزم في المرحلة الأولى بقائمة طويلة من البنود التي جاءت في الخطة مثل وقف الاغتيالات والاجتياحات، وفتح معبر رفح في الاتجاهين، ودخول المعدات اللازمة لإزالة الأنقاض، وعدد الشاحنات التي تحمل المواد الغذائية والاحتياجات وغيرها.

وأضافت المصادر أن الاتفاق يقوم على مبدأ وقف إطلاق النار، وإسرائيل لم تلتزم بذلك، حيث تشير التقارير والإحصائيات إلى أن الجيش الإسرائيلي قام بتنفيذ أكثر من 400 اختراق قتل أكثر من 400 فلسطينيًا في غزة منذ سريان وقف إطلاق النار قبل شهرين. وترى "حماس" في الخروقات الإسرائيلية التي سُجّلت في المرحلة الأولى مدعاة للمطالبة بضمانات أكبر وأكثر جدية في المراحل التالية.

ترامب ونتنياهو في الكنيست الاسرائيلي
ترامب ونتنياهو في الكنيست الاسرائيلي

وقدم بعض الوسطاء في جولات سابقة مقترحًا يقوم على "تخزين السلاح" بدلاً من نزعه، ويشمل ذلك تخزين السلاح الهجومي في مواقع محددة معروفة لدى الوسطاء وتحت إشرافهم، فيما تحافظ الحركة على السلاح الفردي الدفاعي. ويشمل ذلك أيضًا وقف التصنيع العسكري والتدريب العسكري وتهريب المواد العسكرية وحفر الأنفاق وغيرها، بالإضافة لمهلة العامين التي طلبت بها قطر وتركيا لنزع السلاح، ورفضت إسرائيل، ومعها الإدارة الأميركية، كل فكرة للمهلة أو أي مقترح يقل عن تجريد الحركة والقطاع من السلاح بصورة كاملة.

 لجنة التكنوقراط

مسؤولون أمريكيون التقوا جهات فلسطينية مؤخرًا أبلغوها أن فريق الرئيس ترامب تلقى مقترحات بأسماء عديدة مرشحة لتولي عضوية "لجنة التكنوقراط" التي من المتوقع أن تضم من 12 إلى 15 عضوًا، وأنه يعكف على اختيارها. وأبلغوهم أيضاً أن الإدارة تعكف على تحديد الأطراف المشاركة في قوة الاستقرار الدولية.

ومن المقرر أن يضم مجلس السلام 10 شخصيات برئاسة ترامب، يعاونه مجلس تنفيذي من المتوقع أن يقوده الثلاثي توني بلير، وجاريد كوشنر، صهر ترامب، والمبعوث الرئاسي الأمريكي ستيف ويتكوف.

مصادر أمريكية مطلعة ذكرت أنه "في حال فشل الاتفاق مع حماس سنعمل على تطبيق الخطة في المناطق الواقعة حاليًا تحت السيطرة الإسرائيلية، من خلال إقامة قرية تجريبية في منطقة رفح، ومن هناك سننتقل إلى المناطق الأخرى، وستقوم القوات الدولية بالحلول محل القوات الإسرائيلية، فيما تبقى حركة حماس في المناطق المدمرة إلى أن توافق على نزع السلاح".

سلاح حركة حماس
سلاح حركة حماس

ضغوط واشنطن

ويرى العديد من الخبراء في الشؤون الإسرائيلية أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتجه لإطالة المرحلة الأولى التي تبقي السيطرة الإسرائيلية على أكثر من نصف مساحة القطاع لأطول فترة ممكنة، ويرى الكثير من المراقبين أن من الصعوبة على نتنياهو القيام بانسحاب من غزة قبل نزع سلاح حركة "حماس" خاصة في السنة الانتخابية.

مصادر دبلوماسية أمريكية أكدت أن الرئيس ترامب سيعلن قريبًا عن بدء تطبيق المرحلة الثانية من خطته، وأنه دعا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لزيارة البيت الأبيض للتباحث في تطبيق الخطة وأمور أخرى في الإقليم. لكن من المتوقع أن يتعرض نتنياهو لضغوط من الرئيس الأمريكي المُصرّ على إنجاح خطته لتسهيل الدخول في المرحلة الثانية. ومن المتوقع أن تترافق هذه الضغوط مع إغراءات في الترتيبات الإقليمية. غير أن نتنياهو، حسب الكثير من المراقبين، لا يعدم وسائل المراوغة والتملص من الضغوط الخارجية.

انفاق حماس في غزة 
انفاق حماس في غزة 

كما تبدو مصلحة "حماس" أيضًا في إطالة أمد المرحلة الأولى التي تحافظ فيها على سلاحها، وعلى سيطرتها على حوالي نصف مساحة القطاع التي يتواجد فيها الغالبية العظمى من السكان، إلا إذا وجدت قبولاً أمريكياً لمفهوم "تنظيم السلاح" أو تخزين السلاح كما يعرضه بعض الوسطاء، وهو أمر لا يبدو واقعيًا.

وترى "حماس" أن هناك حاجة لتفاهم عربي فلسطيني على المرحلة التالية في غزة، وتقديمها للجانب الأميركي. وأنه يمكن حل موضوع السلاح في إطار فلسطيني عربي، وتقديم خطة فلسطينية عربية قابلة للتطبيق للجانب الأمريكي. وقيل إن اتصالات تجري مع مسؤولين في السلطة الفلسطينية لعقد لقاءات لبحث هذا الخيار.

لكن مسؤولين في السلطة اعتبروا المقترحات التي تقدمها "حماس" غير مقبولة من الإسرائيليين والأمريكيين على السواء، وأن "كل ما تحاول الحركة فعله هو اللعب على هامش الوقت والتغيرات الخارجية".

عدوان إسرائيل على قطاع غزة 
عدوان إسرائيل على قطاع غزة 

ففي ظل التباينات الحادة بين المواقف الإسرائيلية والفلسطينية، وتزايد التعقيدات الميدانية والسياسية، تبدو المرحلة الثانية من خطة ترامب أمام اختبار صعب قد يحدد مستقبل غزة والمنطقة بأكملها. وبينما تكثّف الإدارة الأمريكية ضغوطها لتجاوز العقبات، فإن الواقع على الأرض يشير إلى أن النجاح لن يكون ممكنًا دون ضمانات واضحة، وتوافقات إقليمية ومحلية قادرة على توفير بيئة آمنة لتنفيذ الخطة. ومع استمرار الجمود يبقى ملايين الفلسطينيين في غزة بانتظار انفراجة حقيقية تضع حدًا لسنوات الحرب والدمار، وتفتح الطريق نحو إعمار شامل واستقرار طال انتظاره.

د. سعيد محمد أبو رحمة

كاتب وباحث فلسطيني- قطاع غزة  

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء