إعادة تشكيل منظومة الادعاء العسكري: محاولة لتبييض صورة الجيش الإسرائيلي
ارتكب الجيش الإسرائيلي خلال حربه الأخيرة ضد أهالي قطاع غزة، العديد من المجازر والانتهاكات الإنسانية، إذ فاقت جملة الضحايا أكثر من 66 ألف شهيدًا، وتشريد ما يقارب من مليوني شخص تقريبًا، وذلك خلال الفترة الممتدة ما بين عامي 2023 و2025، فضلًا عن سياسات التجويع المتعمد والحصار المفروضة على فلسطينيي قطاع غزة.
لم تقتصر انتهاكات الجيش الإسرائيلي على سكان القطاع، بل امتدت إلى المعتقلين في السجون ومراكز الاحتجاز الإسرائيلية، وإن ظلت في طي الكتمان حتى تم تسريب فيديو مصوَّر يعود إلى شهر يوليو 2024، يُظهر فيه قيام عدد من الجنود الإسرائيليين بالاعتداء الوحشي والجنسي على معتقلين فلسطينيين في سجن "سديه تيمان"، ويُعتقد أن البعض منهم من أعضاء حركة حماس.

وعليه ثارت إسرائيل وقوى اليمين الإسرائيلية متهمةً المدعية العامة السابقة يفعات تومر يروشالمي، والمدعي العام العسكري الأسبق العقيد متان سولومش، بالخيانة واتهامهما بالوقوف وراء التسريبات وتشويه صورة الجيش الإسرائيلي. وعليه تم إقالة يروشالمي واقتيادها إلى أحد السجون الإسرائيلية للتحقيق في شبهة تورطها بتسريب الفيديو وإعاقة التحقيقات الخاصة بتتبع مصدر التسريب، وذلك بعد اختفائها لعدة ساعات في مدينة تل أبيب. وتم الإفراج عنها لاحقًا، إلا أنها مازالت تحت الإقامة الجبرية.
تبييض صورة الجيش
تعد وظيفة المدعي العام العسكري في إسرائيل مهمة للغاية، فهي تعمل على تبييض صورة الجيش الإسرائيلي أمام الرأي العام العالمي، وإظهاره بمظهر الجيش المنضبط والقادر على كبح جماح عناصره ومنعهم من أية تجاوزات إنسانية، مما يحفظ نقاء صورة الجيش في المعترك الدولي.

يعد الفيديو المسرب بمثابة انهيار لصورة الجيش الإسرائيلي، إذ عبر نتنياهو عن الفيديو في وقت سابق بأنه يمثل هزيمة إعلامية ودعائية كبرى ستكلف تل أبيب المزيد خلال الفترة المقبلة. وعليه تحركت الأحزاب الإسرائيلية في شيطنة يروشالمي وإظهار التأييد للجنود الإسرائيليين، وذلك خلال جلسة محاكمتهم في بداية شهر نوفمبر 2025.
كما تداخلت أزمة المدعية العسكرية السابقة مع خطوط الأزمة القضائية في إسرائيل، إذ وجه وزير العدل ياريف ليفين اتهامات إلى المستشارة القضائية للحكومة جالي بهراب ميارا بالتواطؤ مع المدعية العسكرية ومنع ميارا من الاطلاع على التحقيقات التي تجري مع المدعية العامة العسكرية السابقة، حيث اتهمها ليفين بالمشاركة في التغطية على التسريب خلال التحقيقات الأولية.
تدارك الأخطاء الماضية
تداركًا للأخطاء الماضية، قام وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس ورئيس هيئة الأركان إيال زامير بتعيين مدعٍ عسكري جديد يدعى إيتاي أوفير في 27 نوفمبر 2025، والمثير في الأمر أن أوفير كان يشغل رتبة نقيب في الجيش الإسرائيلي، وتمت ترقيته خمس رتب عسكرية مرة واحدة ليحصل على رتبة لواء في الجيش.
وجدير بالذكر أن أوفير سبق أن شغل منصب مستشار قانوني في وزارة الدفاع الإسرائيلية خلال الفترة من 2017 وحتى 2024، كما خدم في لواء جفعاتي، وانضم لاحقًا إلى قوات الاحتياط في النقب، كما عمل محاميًا خاصًا في إسرائيل وأمريكا.

دلالات تعيين أوفير
لم يكن أوفير من قيادات جهاز الادعاء العسكري في الجيش الإسرائيلي؛ فعقب إقالة يروشالمي تم تولية رئيس مديرية شؤون الموظفين بالجيش اللواء دادو باركليف منصب المدير المؤقت لهيئة الادعاء العسكري الإسرائيلي، لذا جاء تعيين أوفير ليحمل العديد من الدلالات، أبرزها:
إعادة هيكلة هيئة الادعاء العسكري
تُجرى حاليًا تحقيقات في الجيش الإسرائيلي مع معظم قيادات هيئة الادعاء العسكري، إذ يُشتبه في العديد من القيادات بالوقوف وراء التسريبات الأخيرة. لذا جاء تعيين أوفير ذو الرتبة العسكرية الأدنى (نقيب) وتقديمه على العديد من القيادات الكبرى بمثابة رسالة واضحة أن مهمة أوفير هي فلترة جهاز الادعاء العسكري وإعادة هيكلته من الأساس، كما يدل على حالة انعدام الثقة بين القيادات السياسية وقادة الجيش وبين جميع العاملين في الهيئة.
تبيض السمعة
وصف نتنياهو التسريبات السابقة بأنها أكبر هجوم دعائي ضد إسرائيل، خاصة أنه يأتي من مؤسسة من المفترض أن تعمل على تبييض صورة الجيش وأفعاله. لذا جاء تعيين أوفير ذو الخبرات القانونية الواسعة من أجل تلك المهمة، فأوفير محامٍ في الأساس سبق له العمل بالولايات المتحدة، وقد يكون على اتصال فعال ومؤثر بالدوائر الإعلامية والحقوقية في أمريكا، وبالتالي الأمر الذي سيمكنه من تحقيق تواصل مع تلك الدوائر لتحسين صورة الجيش الإسرائيلي.
إرضاء قوى اليمين المتطرف
منذ صدور التسريبات، وجهت قوى وأحزاب اليمين الإسرائيلي المشاركة في الائتلاف الحاكم انتقادات لاذعة للمدعية العامة السابقة وهيئة الادعاء العسكري، كما أبدت تلك القوى تضامنها الشديد مع الجنود المتهمين بالانتهاكات الجسدية والجنسية لأسرى حركة حماس في سجن "سديه تيمان".

تحقيق الحماية القانونية لعناصر الجيش
شكلت تسريبات سجن "سديه تيمان" تهديدًا واضحًا لعناصر الجيش الإسرائيلي، خاصة هؤلاء المتسببين في الانتهاكات الإنسانية. لذا جاءت الإجراءات الأخيرة التي طالت هيئة الادعاء العسكري بإقالة المدعية السابقة وتعيين مدعٍ عسكري جديد بمثابة طوق النجاة لهؤلاء العناصر وصك حماية لهم من الملاحقات القضائية التي قد تطالهم بسبب ارتكابهم جرائم إنسانية بحق المدنيين أو المعتقلين.
ختامًا:
تأتي إعادة هيكلة هيئة الادعاء العسكري في إسرائيل وتعيين المدعى العسكري الجديد إيتاي أوفير في ظل أزمة ثقة عميقة بين القيادات السياسية وقادة الجيش وبين المؤسسة القضائية ذاتها. إذ تعكس هذه التحركات محاولة واضحة لإعادة تبييض صورة الجيش أمام الرأي العام المحلي والدولي، وإرضاء قوى اليمين الإسرائيلي، وتوفير الحماية القانونية لعناصر الجيش المتورطين في الانتهاكات الإنسانية في غزة وسجون الاحتلال.
ومع ذلك، يظل السؤال الأخطر مطروحًا: هل يمكن لإجراءات الشكل هذه أن تغطي على الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي؟ أم أنها مجرد مناورة سياسية وقانونية لإخفاء مسؤولية الجناة الحقيقيين؟ في كل الأحوال، فإن فضيحة "سيديه تيمان" ستظل وصمة على صورة الجيش الإسرائيلي، وستستمر في اختبار مصداقية مؤسساته القانونية والسياسية في الداخل والخارج.



