بعد تراجع الدولار دون 48.. هل الجنيه أمام دورة تعافٍ أم هدنة مؤقتة؟| خاص
يلتقط الجنيه المصري أنفاسه من جديد بعد تدفقات مالية كبيرة شهدتها البلاد منذ بداية العام الحالي، تدفقات تصدرتها صفقة إعمار مصر عبر مشروع «مراسي رد» بالبحر الأحمر، لتنعهش الأسواق المصرية بنحو 20 مليار دولار، ترتب عليها تراجعًا ملحوظًا للعملة الأمريكية مقابل الجنيه دون مستوى 48 جنيهًا، لأول مرة منذ عام تقريبا. ليجدر بنا التساؤل بشأن مستقبل الجنيه المصري وهل هو أمام دورة تعافي أم هدنة مؤقتة؟
نافذة تفاؤل .. لكن
يرى الدكتور علي الإدريسي، الخبير الاقتصادي وأسواق المال، أن هبوط الدولار إلى ما دون مستوى 48 جنيهًا يفتح نافذة تفاؤل لكن لا يغيّر المعادلة الكاملة تلقائيًا، فالسعر الرسمي الذي تراقبه البنوك والسوق أظهر تقلباً حول منتصف الـ 48 جنيه خلال الأيام الأخيرة، بينما تسجّل بيانات البنوك المركزية ومصادر السوق تقارباً مماثلاً في معدلات التداول.
حول حول ما إذا كان الجنيه «يبدأ دورة تعافٍ» أم يعيش «هدنة مؤقتة»، يقول الإدريسي أن هذا يعتمد على مصدر هذا التراجع ومدى استدامته، وهنا أمام مسارين، هما:
- إذا كان التراجع مدفوعًا بتدفقات حقيقية ومستدامة من العملة الصعبة -صادرات أعلى، سياحة أقوى، تحويلات المغتربين، واستثمارات أجنبية مباشرة قابلة للصرف، فذلك يمكن أن يخلق منحنى تعافٍ حقيقي يعزز الاحتياطي الأجنبي ويخفض ضغوط الواردات على الأسعار.
- إذا جاء التراجع بفعل عوامل مؤقتة (بيع بنوك للسوق المركزي أو تدخلات قصيرة الأجل، أو تسوية محفظية مؤقتة) فالأرجح أنه «هدنة» قد تتبدد إذا تزايدت الضغوط مرة أخرى.
وأوضح الإدريسي أن بيانات تداول أسعار الصرف الأخيرة تُظهر قوة الجنيه لكنها لا تكفي وحدها للحكم على استدامة الاتجاه.
هل يصل الدولار إلى 40 جنيه؟
وحول إمكانية هبوط الدولار إلى مستوى 40 جنيهًا، وصف الإدريسي ذلك بأنه «هدف طموح للغاية» يتطلب تغييرات هيكلية عميقة وكميات ضخمة من العملة الصعبة في فترة وجيزة، تتمقل في زيادات ملموسة في الصادرات، تحسن إيرادات السياحة وقناة السويس، جذب استثمارات مباشرة ضخمة، وارتفاع الاحتياطي الأجنبي، مؤكدًا أ من دون هذه العوامل، يبقى سيناريو 40 جنيهًا بعيدًا في المدى القصير، إلا إذا حدثت تطورات استثنائية كصفقات سيادية ضخمة أو إعادة تسعير شاملة للسياسات النقدية والمالية.
أما عن انعكاسات قوة الجنيه على التضخم والذهب والأسواق، فيشير إلى إن انخفاض الدولار يخفف من الضغوط التضخمية المستوردة خصوصًا على السلع والوقود وقطع الغيار. بينما تتأثر أسعار الذهب في السوق المحلية مباشرة بتحرك الجنيه مقابل الدولار، لكنها في الوقت نفسه مرتبطة بالسعر العالمي للأوقية وعوائد السندات الأمريكية، مما يجعل النتيجة النهائية مزيجًا بين العوامل الداخلية والخارجية.
أما فيما يتعلق بمؤشرات البورصة، فأوضح الإدريسي أنه عادة تعافي العملة يعمل على تحسينها من خلال تعزيز ثقة المستثمرين وخفض تكاليف التمويل المستورد، لكن التأثير يختلف من قطاع لآخر حسب طبيعة الشركات ما إذا كانت مصدرة أم مستوردة.
وفي ما يخص الصفقات الاستثمارية الكبرى مثل مشروع «مراسي ريد»، يؤكد الإدريسي أن دورها مهم لكنه محدود زمنيًا، فهي تعزز معنويات السوق وترفع التدفقات الرأسمالية على المدى المتوسط، إلا أن أثرها الفعلي على السيولة الدولارية والاحتياطي الأجنبي يحتاج سنوات حتى تظهر ثماره.
دورة تعافي أم هدنة مؤقتة
في النهاية، نجد أن تراجع الدولار أمام الجنيه المصري تحت مستوى الـ 48 جنيهًا، فإنه يمنح الاقتصاد المصري متنفسًا ويبعث رسائل إيجابية للأسواق، إلا أنه لا يكفي لإحداث دورة تعافٍ مستدامة، ترتكز على مدى تحسن 4 مؤشرات رئيسية وهي صافي الاحتياطي الأجنبي لدى البنك المركزي، حجم الواردات والصادرات، إيرادات قناة السويس وقطاع السياحة وتحويلات المصريين بالخارج، والتدفقات الرأسمالية واستثمارات المحافظ.
إذا تحسنت بالتوازي مع سياسات نقدية ومالية منضبطة، يمكن تحويل «الهدنة المؤقتة» إلى مسار تعافٍ حقيقي للجنيه المصري.

