ذكرى رحيل بشارة واكيم.. قبطي حفظ القرآن وترك القانون للفن
تحل اليوم ذكرى رحيل الفنان الكبير بشارة واكيم، أحد أبرز وجوه المسرح والسينما المصرية في النصف الأول من القرن العشرين، والذي قدّم نموذجًا فريدًا لفنان مثقف ترك مهنة القانون طواعية ليهب حياته للفن، فصار أحد أعمدة الكوميديا المصرية ورواد التمثيل الواقعي.
بشارة واكيم.. المثقف الذي صنع مجده على المسرح وغير ملامح الكوميديا المصرية
وُلد بشارة إلياس يواقيم في حي الفجالة بالقاهرة عام 1890، لأسرة قبطية مصرية عرفت باهتمامها بالثقافة والتعليم، درس في مدرسة الفرير الفرنسية، ثم التحق بكلية الحقوق وتخرج عام 1917، ليعمل أمام المحاكم المختلطة مترافعًا بالفرنسية، وهو ما منح شخصيته رصانة وثقافة واسعة.
ورغم نجاحه الواضح في المحاماة، ظل شغف المسرح يطارده، ومع منعه من السفر في بعثة إلى فرنسا عقب اندلاع الحرب العالمية الأولى، اتخذ القرار الأصعب: التخلي عن روب المحاماة والدخول إلى عالم الفن.
بدأت الرحلة من فرقة عبد الرحمن رشدي، ثم فرقة جورج أبيض، حيث شارك في عروض عربية وفرنسية على أكبر المسارح. لكن اختياره الفني لم يكن مرحّبًا به داخل الأسرة، حتى بلغ الرفض ذروته حين حلق شاربه لأحد الأدوار، فطرده شقيقه الأكبر من المنزل… ليجد في المسرح بيتًا بديلًا وحياة جديدة.
ارتبط اسم بشارة واكيم بفرق مسرحية كبرى، أبرزها فرقة يوسف وهبي “رمسيس” التي شكل معها ثنائيًا كوميديًا لامعًا، ثم فرقة منيرة المهدية، قبل أن يستقر في فرقة نجيب الريحاني، مشاركًا في عروض شكلت علامة في تاريخ المسرح، من بينها: “قسمتي”، “الدنيا على كف عفريت”، و“حسن ومرقص وكوهين”.
وفي السينما، كان حاضرًا منذ البدايات الأولى للفن السابع في مصر، إذ ظهر في فيلم “برسوم يبحث عن وظيفة” عام 1923، أحد أوائل أفلام السينما الصامتة، قبل أن يواصل رصيدًا تجاوز 110 عملًا، من أشهرها: لعبة الست، غرام وانتقام، ليلى بنت الفقراء، طلاق سعاد هانم، والعقل في إجازة.
اكتسب بشارة واكيم شهرته من أدائه الكوميدي الهادئ القائم على الصدق والبساطة، مع قدرة لافتة على تقمص الشخصيات، وبرع في اللهجة الشامية إلى الحد الذي جعل كثيرين يظنونه سوري الأصل، بينما كان يكتسبها من جيرانه وأسفاره.
وعلى المستوى الثقافي، امتلك الفنان الراحل تكوينًا رفيعًا؛ فقد كان يتقن الفرنسية، ويقرأ الأدب العربي والتراث الديني، بل وحفظ القرآن الكريم وساعده ذلك على التعمق في اللغة، كما ترجم مسرحيات فرنسية وكتب الشعر، لكنه احتفظ به لنفسه.
رحيل بشارة واكيم
ظل بشارة واكيم حتى أيامه الأخيرة وفيًّا للمسرح، ورغم إصابته بشلل مؤقت أثناء مشاركته في مسرحية “الدنيا لما تضحك”، أصر على زيارة المسرح يوميًّا قائلاً لطبيبه: "بين الجمهور… هناك علاجي الحقيقي"
تحسنت حالته لفترة قصيرة قبل أن يرحل في 30 نوفمبر 1949 عن عمر 59 عامًا، وهو يستعد لعمل مسرحي جديد، تاركًا إرثًا فنيًا كبيرًا وتجربة إنسانية تلهم أجيالًا من الفنانين.

