متاهة أراضي وأملاك "الوقف" بين المحاكم والأرشيف
حكاية 40 ألف قضية تداولتها المحاكم منذ عشرات السنوات
بين محاكم تمتلئ بالقضايا، وأرشيف يحفظ ذاكرة لا تقدر بثمن، تقف أصول الأوقاف المصرية في منطقة رمادية تجمع بين التاريخ والقانون والاقتصاد، وبين رفوف المحاكم وأدراج "الدفترخانة" مئات الآلاف من الوثائق النادرة لأصول الأوقاف المصرية هي الآن محل نزاع قانوني، بين مواطنين وهيئة الأوقاف المصرية، هذا الملف المعقد يضم أكثر من 40 ألف قضية منظورة أمام مختلف الدوائر القضائية، يصل عمر أحدها إلى أكثر من 50 عاما.
الرقم ليس تقديريا، بل حقيقة توثقها تقارير قضائية وبرلمانية تؤكد حجم التشابك بين المواطنين وهيئة الأوقاف حول ملكية الأراضي والعقارات، ورغم اختلاف أطراف النزاع، إلا أن جذور الأزمة تدور حول ثلاثة أنواع رئيسية من القضايا هي كالتالي:
نزاع الوقف الأهلي والوقف الخيري
يعود أصل النزاعات القانونية بين ورثة الوقف الأهلي وهيئة الأوقاف المصرية إلى قانون عام 1952 الذي ألغى (الوقف الأهلي) واعتبره تركة تقسم على الورثة، مع بقاء (الوقف الخيري) كما هو، هذا القرار فتح بابا واسعا للنزاع حول أراضٍ تدعي الهيئة أنها خيرية، بينما يقدم الورثة مستندات تثبت أنها كانت وقفا أهليا تم حله، وهنا يتسبب الغموض في التصنيف يعرقل القضية في المحاكم لعشرات السنين.
قضايا الاستبدال وتعثر العقود
هناك آلاف المواطنين اشتروا من الأوقاف أراضي بنظام الاستبدال، لكنهم لم يحصلوا على العقود النهائية بسبب الروتين وتضارب السجلات والنتيجة اللجوء لـ الجان والخبراء والمحاكم تتحرك في حلقات مغلقة لتثبيت ملكية كان يفترض أن تحسم إداريا.
الاعتداء ووضع اليد
هيئة الأوقاف تضطر إلى رفع دعاوى لطرد واضعي اليد أو لإلزامهم بسداد مقابل انتفاع لسنوات، بينما يرد واضعو اليد بدفاع التقادم المكتسب ورغم أن أموال الدولة لا تكتسب بالتقادم، إلا أن غياب الحجج الأصلية وضعف الملفات الفنية يفتح الباب لتأجيلات بلا نهاية.
لماذا تتعطل القضايا؟
بعد دراسة معظم حالات القضايا باختلافاتها نكتشف ثلاثة أسباب رئيسية:
1- ندرة الخبراء القادرين على قراءة الحجج الشرعية القديمة وربطها بالخرائط الحديثة، ما يؤدي لتأجيل القضايا لعدة سنوات في انتظار تقرير واحد.
2- تداخل الاختصاصات بين هيئة الأوقاف، وهيئة المساحة، والإصلاح الزراعي، وكل جهة تمتلك خرائط تختلف عن الأخرى.
3- ضياع بعض "حجج الوقف" الأصلية، ما يضعف موقف الهيئة ويجعل المحكمة تبحث عن قرائن بديلة غالبا غير مكتملة.
أراضٍ مجمدة ورأس مال ميت
آلاف الأفدنة في قلب الدلتا والصعيد، مازالت بلا استثمار حقيقي، وواضع اليد لا يجرؤ على التطوير خوفا من خسارة الأرض، والهيئة لا تستطيع استغلالها بسبب النزاع القضائي والنتيجة هي (رأس مال ميت) يهدر الفرص الاقتصادية والزراعية مهما كان حجمها كان يمكن أن تدعم الأمن الغذائي وتنعش الاقتصاد الوطني.
أرشيف نادر وذاكرة لم تقرأ
بعيدا عن ساحات التقاضي، يوجد كنز آخر لا يقل أهمية هو الوثائق التاريخية المحفوظة داخل وزارة الأوقاف وهيئة الأوقاف، هذا الأرشيف هو امتداد لقرون من التاريخ العقاري، ويحتوي على أصح وأدق ما كتب عن ملكيات مصر.
حجج الوقف وثائق لا تعوض
تمتلك وزارة الأوقاف آلاف الحجج التي تعود للعصر المملوكي والعثماني، مكتوبة بخط اليد على الرق أو الورق المقوى، هذه الوثائق لا تذكر فقط حدود العقار، بل عدد الشبابيك وأماكن الأشجار ومصادر الري والمصارف المائية بدقة تعجز الإدارات الحديثة عن تحديدها الآن.
دفاتر المكلفات.. سجل ضريبي نادر
يوجد أيضا ما يسمى بـ "دفاتر المكلفات القديمة" التي تحدد من كان يسدد الضريبة عن الأرض، وتستخدم اليوم كقرينة قوية في المحاكم لإثبات الملكية، خاصة حين تغيب الحجج الأصلية.
دقة الإدارة القديمة مقارنة بـ عشوائية الحديثة
قديما كان ناظر الوقف يقدم كشف حساب سنويًا دقيقًا بالقرش والمليم، يتضمن كل المصروفات بداية من زيت القناديل حتى رواتب الخدم والقراء، هذه الدقة كانت تجنب الوقف الكثير من النزاعات، على عكس الوضع الحالي، حيث التداخل الإداري وضبابية السجلات يفتحان أبوابا واسعة للنزاع ويسهل عمليات التعدي على أملاك الوقف بكل أنواعها.
مشروع أطلس الأوقاف .. محاولة لإنقاذ الذاكرة
في السنوات الأخيرة بدأت هيئة الأوقاف بالتعاون مع وزارة الاتصالات وهيئة المساحة تنفيذ مشروع "أطلس الأوقاف"، وهو مشروع ضخم يهدف إلى رقمنة الوثائق وربطها بالإحداثيات الجغرافية الحديثة باستخدام الـGPS، مما قد يساعد في كشف التعديات وإثبات الملكيات بدقة غير مسبوقة ولكن المشروع لم ينتهٍ بعد.
